حسين عبد العزيز *


ليست أزمة اليسار أزمة قاصرة على التيارات والأحزاب اليسارية في إسرائيل، بل هي أزمة تشمل كل الفكر السياسي والإيديولوجي اليساري في العالم. ومع أن هذه الأزمة تعود إلى مرحلة نشوء النظام الرأسمالي وما رافقها من تغيرات في البنى الطبقية لمصلحة الطبقة الوسطى التي تصالحت بسرعة مع النظام الرأسمالي، فإن أكثر تعبيراتها وضوحاً جاءت مع انهيار المنظومة الاشتراكية وظهور ثورة المعلوماتية والاتصال وما أفرزته من واقع اقتصادي واجتماعي جديد بعد اكتمال عملية توحيد السوق العالمية للقوانين الرأسمالية.
ومنذ ذلك التاريخ والفكر السياسي العالمي يشهد انزياحاً نحو اليمين، فالاشتراكية تحولت نحو المحافظة حين قبلت ما كانت ترفضه سابقاً (دولة الرفاه الاجتماعي) والمحافظة أصبحت يميناً حين قبلت أيضاً ما كانت ترفضه سابقاً (الرأسمالية التنافسية)، واليمين التقليدي تحول إلى يمين راديكالي (الليبرالية الجديدة) بعد الانقلاب التاريخي على دولة الرفاه الكينزية.
وعلى أهمية هذه العوامل وما أدته من دور مهم في ترسيخ اللبرلة في الحياة الاقتصادية الإسرائيلية، لم يكن لها التأثير نفسه الذي أحدثته في القارة الأوروبية، فإسرائيل تفتقر إلى تلك البنى الاجتماعية ــ الاقتصادية التقليدية التي ميزت التاريخ الأوروبي (الإقطاع، النبالة) لكونها دولة حديثة لم تقم من رحم تحولات اجتماعية سياسية اقتصادية، بل قامت كدولة استعمارية استيطانية، شكلت الأرض العنصر الرئيسي في عملية البناء الاقتصادي، ولهذا كان اقتصادها قائماً على الاقتصاد الزراعي ــ الاستيطاني.
بدأت أزمة اليسار الإسرائيلي سياسياً عام 1977 حين صعد اليمين للمرة الأولى إلى سدة الحكم، لكن جذور هذه الأزمة بدأت بعد عام 1967 حين بدأ الاقتصاد الإسرائيلي بالاندماج في الاقتصاد العالمي، والخطوة الأولى لعملية العبور هذه كانت تتطلب تجاوز اقتصاد اليشوف الاستيطاني أولاً عبر عمليات الخصخصة وتوسيع باب الاقتصاد الإسرائيلي وفتحه على مصراعيه لتوطيد بنى صناعية وتجارية لها علاقة مباشرة باقتصاد السوق الرأسمالي. ومع ارتفاع مستوى المعيشة وتوسع الطبقة الوسطى بدأ تمييز الحزب عن الدولة، إذ لم يعد الحزب (العمل) الممثل الوحيد للقواعد الاجتماعية والاقتصادية، وكان من نتيجة فك الارتباط الاقتصادي بين الحزب والدولة هزيمة اليسار سياسياً عام 1977.
واستمرت العملية بتقليص دور الدولة والهستدروت في الاقتصاد، الأمر الذي أدى إلى نشوء فئات سياسية تجمع بين اليمين الاجتماعي الاقتصادي والسياسي إلى جانب فئات سياسية تؤيد توسيع اقتصاد السوق.
لقد أدى تغير قوى الإنتاج ووسائله بنتيجة تغير نمط الإنتاج من النمط الزراعي إلى النمط الصناعي، إلى تغير في النخب السياسية لمصلحة تلك الفئات الجديدة المرتبطة صناعياً وتجارياً باقتصاد السوق العالمي، ذلك التبدل الذي نظر إليه اليساريون على أنه تعبير عن القانون الماركسي الذي لا يعتبر التاريخ إلا نتيجة عملية ديالكتيكية بين القوى الاقتصادية (البنية التحتية) والنظام الاجتماعي السياسي (البنية الفوقية)، أي إن نمط الإنتاج يحدد في النهاية بنية العلاقات السياسية الفوقية.
هذه التغيرات الاقتصادية أدت إلى تقارب كبير بين اليمين واليسار ولا سيما عند الحزبين الكبيرين العمل والليكــــــــــــــــــود اللذين أصبحا يتقاسمان التمثيل السياسي للطبقة الوسطى الكبيرة، فالتلاقي الحاصل في المبنى التحتي أدى إلى تلاق من نوع آخر في المبنى الفوقي، ولم يعد عندها الاقتصاد يدخل في دائرة التحديد الجوهري لماهية اليسار واليمين.
ومع بدء عقد التسعينيات من القرن المنصرم ظهرت مرحلة سياسية جديدة نتيجة دخول إسرائيل العملية السلمية مع العرب، بحيث أصبح من الصعب بعد مدريد تحديد الألوان السياسية والحزبية، فالأجندة الإيديولوجية لمفهوم أرض إسرائيل ودولتها ومن ثم الدولة الفلسطينية المقبلة تراجعت عما سبق، وقد بدأ هذا التغيير في اليمين الصهيوني الذي كان يرفض فكرة الدولة الفلسطينية ثم قبل بها على أساس كيان سياسي ثم دولة منقوصة، ثم دولة مقطّعة منزوعة السيادة، والحقيقة أن موقف اليسار يتماهى مع موقف اليمين حيال هذه القضايا باستثناء بعض النقاط التي ليس لها أي أهمية سياسية أو جغرافية، فكلا الطرفين يؤكد أنه لا يوجد حل للقضية الفلسطينية وفق ما يطرحه الفلسطينيون والعرب، وأن الحل الوحيد هو الحل الدائم وفق الرؤية الإسرائيلية التي تؤكد ضرورة الانفصال عن الفلسطينيين لحل المسألة الديمغرافية وحفاظ إسرائيل بالتالي على هويتها وديموقراطيتها في آن واحد، وكلاهما متفق على الأراضي التي يجب على إسرائيل الإبقاء عليها تحت سيادتها.
إن هذه العوامل السياسية والاقتصادية، يضاف إليها هشاشة الانتماءات السياسية من جهة، وتقاسم اليسار واليمين التقليدي للوسط السياسي من جهة ثانية، سهّل عملية الانتقال بينهما، ويكفي أن يقوم بهذه المهمة حزب وسط كما هي الحال مع شينوي في الانتخابات الأخيرة الذي قام بعملية الفرز بين العمل والليكود نتج منها كاديما كتركيب جدلي للموضوع ونقيضه، وما كان لهذه العملية أن تتم لولا عدم وجود مشروعين سياسيين أو اقتصاديين متمايزين لليسار واليمين، بل هناك مشروع واحد، وما الاختلافات البسيطة بين الطرفين إلا تعبير عن موقع كل طرف في التشكيلة السياسية، أحدهما سلطة والآخر معارضة، وعندما يتم تبادل الأدوار السياسية يتم تبنّي المواقف نفسها لدى كلا الطرفين، الأمر الذي يعني أن ثمة حزب سلطة وحزب معارضة لا أقل ولا أكثر.
إن التعبير العملي عن هذا التماهي بين اليسار واليمين نجده في التشكيلات الحكومية التي تجمع العمل والليكود معاً، ففي حكومة أولمرت الحالية وقف عمير بيرتس على رأس حقيبة الدفاع، وهو الذي وصل إلى رئاسة العمل بسبب أجندته الاجتماعية، لكن قبوله وزارة الدفاع أكد غياب المشروع السياسي والاقتصادي لحزب العمل، بل يمكن القول أكثر من ذلك، ففي أثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان جاءت الأصوات الأكثر راديكالية المؤيدة للحرب من معاقل اليسار وتحديداً من حزب العمل وميرتس، أما رفض حركة ميرتس للحرب البرية على لبنان، فليس ناجماً ذلك من موقف أيديولوجي، وإنما نتيجة الأخبار السيئة الواردة من الجنوب اللبناني.
على أن أكثر الحالات تعبيراً عن مأزق اليسار الإسرائيلي وعلى رأسه حزب العمل، هي جعل المواقف الاستراتيجية في خدمة التكتيك الحزبي، وهو ما يمكن أن نسميه قلباً أيديولوجياً للممارسة السياسية، وهذا ما عبّر عنه بيرتس أخيراً حين قدم مشروعاً سياسياً من ثلاث مراحل مع الفلسطينيين، سرعان ما رفض من الكتلة الحاكمة لكونه يأتي في إطار التكتيك الحزبي الضيق، غايته مواجهة إيهود باراك وعامي إيالون في السباق الانتخابي إلى رئاسة حزب العمل، بعد تراجع شعبية بيرتس داخل حزبه، فما هو أساسي هو السلطة، ثم مزيد من السلطة بغض النظر عن الشعارات السياسية والأيديولوجية التي ميزت اليسار تاريخياً.
لقد أدى اتفاق اليسار واليمين إلى لاءات بوش الثلاث، وإلى السياسة الاقتصادية للدولة، والموقف من الأحزاب الدينية، والموقف من يهودية الدولة وديموقراطيتها، ووضع عرب الداخل، كل ذلك أدى إلى اختزال مفهوم اليسار واليمين من قيمة أيديولوجية إلى قيمة حزبية ضيقة تخضع للابتزازات الداخلية التي تحكمها في نهاية المطاف اعتبارات السلطة وحدها.
* كاتب سوري