من المعروف أن الدول الغربية المصنعة أنشأت مراكز بحوث اجتماعية، والاستشراق منها، لغايات استعمارية، قدمت خدمات لا تقدر بثمن للمستعمر، إذ زوّدته بمعارف عن المرشح للاستعمار مكنته من احتلال معظم بقاع العالم وإدامة ذلك لقرون.

هذه الحقيقة لا تنفي أهمية إقامة مثل هذه المراكز، حتى في الدول المستعمَرة سابقاً والمرشحة للاستعمار مجدداً، بحلله الجديدة.

من المعروف أيضاً، أن كلفة إدارة هذه المراكز مرتفعة للغاية، وتعد، من منظور تجاري، مشاريع خاسرة، ولذا تلقى عليها مهام جسام وخطيرة ضمن إطار الغايات التي أنشأت لتنفيذها. فمن منظور دافعي الضرائب، لا بد من تسويغ مثل هذه المصاريف غير المربحة والتي لا تعود بفائدة منظورة عليهم أو على دولهم.
لذلك، فإننا نقوِّم من هذا المنظور أعمال مراكز البحوث الاجتماعية وتقاريرها، العلنية طبعاً - ومن ينسى استخدام وكالة الاستخبارات المركزية علوم الإنثروبولوجيا على سبيل المثال، لتمكين احتلال واشنطن العراق. ولأننا نعيش في منطقة، السلام فيها، منذ أكثر من مئة وخمسين عاماً، ليست سوى الفترة الواقعة بين حربين، أو أكثر، فلا خيار أمامنا سوى عد تلك التقارير، أو لنقل: أكثرها، أحد أشكال الحروب النفسية، المصاحبة للحروب المادية؛ إنه الإعلام الحربي.
ضمن هذا الإطار، كثيراً ما يسمع المرء عن «مركز مستقل»، وهي مقولة تفوق في سماجتها وتضليلها ادعاء «الصحافة المستقلة». ليس ثمة من مشروع في هذا العالم مستقل عن مموله أو مموليه. حتى مراكز البحوث الطبيعية تخدم أهداف مموليها الرئيسيين، وهم في نهاية المطاف كبار الصناعيين ورأس المال المالي. لذلك وجب عدُّ التقارير المضللة لتلك المراكز إحدى روافد الإعلام الحربي... والحقيقة هي أول ضحايا الحرب، حتى قبل إطلاق الطلقة الأولى.
آخذين هذه الحقائق البديهية في الاعتبار، على المراقب للأحداث في منطقتنا، أن يكون شديد الحذر في كيفية التعامل مع التقارير العلنية الصادرة عن تلك المراكز، «أجنبية» كانت أو عربية. ربما من الأجدى للراغب في معرفة مختلف التحليلات الاطلاع أيضاً، بل أولاً وقبل كل شيء، على تقارير المحللين العاملين في مراكز الأبحاث المستقلة عن تمويل حيتان رأس المال، أي تلك التي تموِّلها الاشتراكات في نشراتها، وإسهامات الكاتبين فيها والذين لا يتقاضون معاشات شهرية، وإن فعلوا، فرمزية فقط.
والأمر ذاته ينطبق على مراكز بحثية في بلادنا. فإذا كان الهدف منها تمويل أبحاث تسوغ، إما صراحة أو مواربة، المنظومة الفكرية للنظام القائم، فإن إشراف ناشط سياسي أو أكثر عليها، يعد خطراً مضاعفاً. فالسياسي، من منظور القيم اللاأخلاقية، يأتي، كما نعلم، في المرتبة الثانية، بعد المحامي، وقبل المومس! فالسياسة تعني دهاء الوصول إلى منصب ومن ثم الاحتفاظ به، وعندما يستحيل باحثاً فذلك يعني دهاء لي عنق الحقائق بما يخدم فكر الممول. مسؤولية التضليل، الغبي، هذا، تقع في المقام الأول على البحاثة المشاركين في المشروع الذين يطوعون معارفهم العلمية التي اكتسبوها في مؤسسات قد يكون بعضها محترماً، لخدمة أهداف غير محترمة. وثمن ذلك المعاشات-الرشى. فليس ثمة من شرح آخر لدفع المعاشات المرتفعة للغاية للبحاثة التي تفوق أضعاف الدخل المتوسط في بلد ما سوى أنها رِشى. ومن هنا نفهم قول زميل عالم بريطاني معلقاً على تدخل السياسيين في جدول أبحاث المؤسسات البحثية: العلماء مومسات، لكن من حقهم أن يبيعوا أنفسهم بالطريقة التي يرونها مناسبة. أما البحاثة العرب من الصنف آنف الذكر الذين يسخِّرون معارفهم المكتسبة لخدمة غايات لاعلمية، فهم ليسوا من هذا الصنف.
وللحديث بقية.