ليلى نقولا الرحباني *


إنه يوم الثلاثاء في الثالث والعشرين من كانون الثاني 2007، يوم نزل الشعب الجائع والمهمّش الى الطرق، نزل ليقول «لا».... «لا» لاستمرار السلطة الحاكمة في تهميش الشعب وإفقاره وتجويعه، «لا» لاستمرار سياسات التعدي على المواطنين في لقمة عيشهم وكرامتهم... «لا» للاستمرار بانتهاك القوانين وخرق الدستور. يوم أراده الشعب صرخة مدوية، أراده يوماً مشهوداً له في تاريخ لبنان الحديث، حيث ينزل المواطنون الى الشارع بكل حضارة وديموقراطية وسلمية. لكن ميليشيات السلطة، وهي ميليشيات الماضي والحاضر والمستقبل، انقضّت على المواطنين العزّل ورمتهم بالرصاص والحجارة والعصي، وانكبّت تكيل الاتهامات للجيش اللبناني بالتقصير والتواطؤ مع «الشعب»!!.
لم تستطع الميليشيات الحاكمة تقبّل النجاح الذي حققته المعارضة في إضراب يوم الثلاثاء، فحاولت إفشاله بمختلف وسائل الترهيب والاعتداءات، مفجّرة حقدها الخميس الذي تلاه، رصاصاً وسواطير وعصياً وحرق سيارات، مستعيدة مشهد القنص من على سطوح البنايات وزوايا الزواريب في مناطق من بيروت. وهكذا بدت العاصمة وبعض المناطق الأخرى لساعات وكأنها ساحات حرب أعادت الى الذاكرة صورة بيروت منتصف السبعينيات بما فيها من أعمال القنص والخطف على الهوية وخطوط التماس.
خلال ساعات قليلة انتشر عشرات المسلحين من قوى السلطة وأطلقوا النار على معارضين لهم وعلى الجيش اللبناني «يؤدّبونه» على ردعه المسلحين المعتدين، والفصل بين المتشاجرين، وتوقيف مطلقي الرصاص! لقد ارتكب الجيش اللبناني جريمة لا تغتفر بنظر السادة «أصحاب المعالي» وأمراء الحرب والميليشيات الذين يحنّون الى اليوم الذي يعودون فيه الى الشوارع، يُرهبون الناس، ويفرضون «الخوّات» ويقطّعون أوصال الوطن، ويقيمون «الأمن الذاتي». ردّ فريق السلطة بالرصاص على إضراب المعارضة الثلاثاء!!!. هذا ما أعلنه النائب جنبلاط في اتصالات متوترة مع فضائيات عربية معتبراً أن ما حصل هو رد على ثلاثاء المعارضة مطالباً إياها بالخروج من بيروت. لقد حاولت السلطة من خلال أعمال العنف التي لجأت إليها يوم الثلاثاء افتعال اقتتال مسيحي ــ مسيحي، يعيد الى الأذهان المآسي التي عاشها المسيحيون في التسعين من القرن الماضي، لكنها باءت بالفشل، لأن الحرب تحتاج الى طرفين للاقتتال، بينما الإجرام لا يحتاج إلا طرفاً واحداً، وهذا ما أظهر جلياً «إجرام السلطة وميليشياتها» بعدما تبين أن مناصري التيار الوطني الحر نزلوا الى الشوارع عزّلاً، يجابهون الرصاص بصدورهم.
وبعدما أسقط بيد السلطة من إثارة اقتتالات داخل الطائفة الواحدة، بسبب سلمية أنصار المعارضة، كان لا بد من اللجوء الى الفتنة السنية ــ الشيعية التي قد تجد صدى لها في المنطقة بأكملها.
أظهر الأسبوع الثالث من كانون الثاني أن العلاقة بين الميليشيات والقوى الشرعية، وحجم الهوة بينهما لم تزل كما كانت منذ الحرب الأهلية. فالعلاقة الملتبسة التي سادت بينهم، وخاصة العلاقة بين الجيش اللبناني والميليشيات التي حكمت لبنان واستبدت به خلال الحرب الأهلية، ما زالت كما هي، على ما يبدو، على الرغم من الكلام المنمق والايجابي الذي أطلقه أمراء الحرب على الجيش اللبناني في الآونة الأخيرة، وقولهم بضرورة بسط سلطة الدولة على كل تراب الوطن، والذي لم يكن خافياً على أحد الأهداف الحقيقية الكامنة وراء هذه التصريحات.
إن مطلقي هذه العبارات المستجدة، التي تتكرر منذ انتهاء حرب تموز 2006، لا يستطيعون خداع أحد بها، إنهم يرددون عبارات الترحيب بالجيش «الوطني» وثقتهم بقدرته، لأنهم يأملون أنهم قد يستعملونه يوماً لضرب المقاومة ونزع سلاح حزب الله، ولولا ذلك لما ترددوا يوماً بحلّ هذا الجيش وتسريح عناصره، ليستطيعوا بناء قواتهم الخاصة وتشكيل أمن خاص وذاتي، متذرعين بحجج واهية منها الكلفة المادية الكبيرة التي تُنفق على الجيش، وهو قول ردده تيار المستقبل بشدة خلال حقبة الوصاية السورية على لبنان، فقد ضيّقوا على الجيش في الحقوق والرواتب والتطويع، ومن منا لا يذكر قصة رفض وزير المال آنذاك فؤاد السنيورة إعطاء الجيش اللبناني ثمن شراء 200 آلية عسكرية.
إن المأساة التي حلّت بلبنان بعد التسوية التي تمت في الطائف، هي انتقال الميليشيات وأمرائها من الشوارع الى المؤسسات الدستورية ونقل حروب العصابات إليها، فدمرتها تدميراً منهجياً منظّماً، وتحالفت مع قوى الرأسمالية المتوحشة، قوى المال والأعمال، فنهبت الدولة وقوّضت المؤسسات جاعلة منها هياكل فارغة تكتظ بالمناصرين والمقاتلين الذين تخلّوا عن البزات العسكرية ولبسوا البدلات الرسمية ظاهرياً، فما إن احتدم الصراع السياسي واهتزت عروش السلاطين حتى رأينا البزات العسكرية الميليشياوية والأسلحة تظهر مجدداً فتملأ الشوارع، وينتشر «القبضايات» ناشرين الخوف والقلق بين المواطنين. لقد استعاد اللبنانيون عموماً صور مآسٍ لم تفارقهم بعد، واستعاد المسيحيون ذكرى مآسي «التهجير» الذي أُجبروا عليه من أجل قيام الدويلات الطائفية، و«الانتفاضات» العبثية التي راح ضحيتها أبناؤهم بحجة توحيد البندقية... ولم ينسَ كثير من اللبنانيين السفير الأميركي جون ماكارثي وهو يتكلم من إهدن مع قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، بعد انتخاب رينيه معوض رئيساً للجمهورية فور انتهاء مؤتمر الطائف في تشرين الأول من عام 1989. كان السفير ماكارثي يحثّ السيد جعجع على الوفاء بوعده والتحرك ضد نظام الجنرال ميشال عون. لم ينسَ اللبنانيون شهداء الجيش اللبناني الذين سقطوا على يد الميليشيات وبالأخص أولئك الأسرى من الجيش الذين استشهدوا وهم مربوطو الأيدي ومعصوبو الأعين في عمشيت. بكلام آخر، إن الحرب التي دارت رحاها عام 1990 لم تكن حرباً بين مسيحيين أو ضد العماد عون بشكل خاص، بل كانت معركة الميليشيات ضد الجيش، ضد قيام الدولة.
لكن الغريب ان الميليشيات التي تسلّمت السلطة في لبنان لم تستطع تجاوز حقدها على الجيش اللبناني، والعماد ميشال عون على وجه الخصوص، فلهذا الحقد أسبابه التاريخية وجذوره العميقة في ماضيها، فبينهما حروب أراد خلالها زعماء الميليشيات بناء دويلاتهم على حساب لبنان ــ الدولة، لكن الجيش كان بالمرصاد. فالزعيم الدرزي وليد جنبلاط أنّى له أن ينسى معركة «سوق الغرب» مثلاً، التي حرمه خلالها الجيش اللبناني من إقامة الدويلة الدرزية، إذ يذكر مؤرخو حقبة الحرب اللبنانية أن رئيس الجمهورية أمين الجميل آنذاك استدعى قائد اللواء الثامن العقيد ميشال عون خلال المعركة طالباً منه الانسحاب من سوق الغرب، بحجة أن القصر الجمهوري سينتقل الى بكفيا، ووزارة الدفاع الى روميه، فردّ عليه عون: «يا بتبقى سوق الغرب وبيبقى لبنان، يا برجع محمّل... ويا فخامة الرئيس ما حدا بيقدر يزحزحك من بعبدا ما دام أنا موجود بسوق الغرب». ونظر عون الى الموفد الأميركي الذي كان حاضراً الاجتماع وقال له: «إن الخط الأحمر الذي تتحدثون عنه، رسمه جنودي بدمهم، وليست أقلامكم وتصريحاتكم».
وفي ذاكرة اللبنانيين أيضاً حرب لا تُنسى قادها زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ضد العلم اللبناني عام 1986، معلناً «الإدارة المدنية»، ورافعاً علم حزبه ومطلقاً مواقف رفض من خلالها الاعتراف بالاستقلال والعلم والجيش اللبنانيين.
ولا ينسى اللبنانيون أيضاً ما صرّح به النائب وليد حنبلاط عام 1990 في معرض ردّه على وزير الدفاع آنذاك ألبير منصور قائلاً: «يجب أن يكون الجيش اللبناني فرقة على الأقل في الفيلق السوري الموجود في لبنان»، وعندما طُلب من الميليشيات تسليم أسلحتها بعد انتهاء الحرب، اختار جنبلاط تسليم سلاحه الى الجيش السوري مفضلاً إياه على الجيش اللبناني. هذا غيض من فيض حقد ميليشيات السلطة على الشرعية اللبنانية، على الجيش، وعلى العماد ميشال عون.
وقصتهم مع الجنرال عون طويلة، تبدأ منذ ما قبل معركة سوق الغرب 1983، وتمتد الى تسلّمه قيادة الجيش وتولّيه رئاسة الحكومة ثم عودته من المنفى حتى الآن.
* باحثة لبنانية