ناصيف قزّي *


أيُّ مسيحيَّة هي مسيحيَّتي... أتلك التي تَبسِطُ حدودَها وِسعَ الإيمان بالإله الشخص، أم تلك التي تَحفُر في غياهب الأزمنة بحثاً عن الأصنام؟ أتلك التي تسمو بالإنسان إلى مراقي القيمة، أم تلك التي تشيِّئ البشر أفراداً وجماعات؟
أسئلةٌ... طالما طرَحتُها على نفسي، أمام مشاهد الدم والدموع، وكلِّ العذابات التي مرَّ بها شعبُنا، ولا يزال... منذ أن كان لبنانُ في اللهب.
أسئلةٌ... أعودُ لأطرحَها ثانيةً على نفسي، وعلى من حولي، بعد ما شهدناه في الأيام الأخيرة، من أعمال عدائيَّة، بَلغت حدَّ الرصاص، في غير مكان من لبنان، ومنها تلك التي مارسَها مواطنون مسيحيّون من فريق سياسيّ سلطويّ، ضدَّ مواطنين مسيحيّين آخرين سلميِّين، معترضين على حكومة لادستوريَّة.
أسئلةٌ... أطرحُها على نفسي قبل أن أطرحَها على كنيستي... كنيستي المارونيَّة تحديداً، الخارجة لتوّها من مجمعٍ بطريركي دهري، يُفتَرَضُ أن يكون قد أزال بعضَ الضباب الذي لفَّ جماعةً مسيحيَّةً مشرقيَّة، بنتيجة ما أوقعها فيه بعضُ ساستها من رهاناتٍ ومغالطات... كنيستي المارونيَّة التي تغصُّ بطريركيَّتُها بالزائرين المتبرِّكين صُبحَ مساء... البطريركيَّة التي قيل عنها يوماً، في زمن الكاردينال بولس المعوشي، إنَّها «صخرةُ الخلاص».
قد يكونُ من المهمّ أن يدرك أهل الحلِّ والربط، في الشرق كما في الغرب، مبادئ كنيستنا ونداءاتها لأجل لبنان ومواقفَها من مشاريع الحلولِ كافة. غير أن أهمّ من ذلك هو أن يَعيَ أهلُ البيت من الموارنة أولاً، ومعهم بقية المسيحيّين، ولا سيما منهم فريق السلطة، تعاليمَ تلك الكنيسة وإرشادَها ومقرّراتِ مجامعِها... فهل تُراهم مدركين؟
هل يدركُ هؤلاء ما معنى أن نكون مسيحيّين في هذا المشرق؟ هل يدركون أهميَّة لبنان الحضاريَّة ورسالتَه ورسوليَّتَه، وبخاصةٍ في ظل ما يحاكُ لمنطقتِنا من مشاريع ومخطّطات؟
وهل نسي المسيحيّون ما حلَّ بنا وبجبلِنا الأشمّ، منذ أواسط القرن التاسع عشر، من نكبات، وقد تكرَّر ذلك في النصف الثاني من القرن الماضي، ولم ينته فصولاً بعد... ناهيك عمّا عرفناه، مع غيرنا من أبناء الوطن، طوال قرون الظلم والظلاميَّة من المماليك إلى بني عثمان، من اضطهادات؟ هل نسي هؤلاء كم كانت مكلفة على مجتمعنا، سياساتُ التمحورِ في ذلك الزمن، من «تكفير البطريرك للإنكليز» نزولاً عند رغبة الفرنسيّين، وغَيرة هؤلاء علينا ورغبتِهم في «استبدالنا بمسلمين من الجزائر»؟
هل نسي المسيحيّون كم كلَّفتنا سياسات المحاور العربيَّة والدوليَّة، من «الجمهورية العربيَّة المتحدة» ومشروع الوحدة المتعثِّرة، إلى «حرب الخليج الثانية» و«النظام العالمي الجديد»، مروراً بـ«اتفاقيَّة القاهرة» و«حريَّة العمل الفدائي»، وبـ«كامب دايفد» و«مشاريع الاستسلام»، وبـ«حرب الخليج الأولى» واجتياح إسرائيل للبنان... وكيف كنّا، في كل مرة، ندفع الثمن؟
هكذا، وعلى عكس ما يَظنُّ بعضُنا، وباستثناء ما فعله تجاه لبنان رجالاتٌ كبار أمثال الجنرال ديغول، بُعيد العدوان الإسرائيلي على مطار بيروت الدولي عام 1968، والرئيس فرنسوا ميتران في أواخر الثمانينيَّات، فالسياسة الفرنسيَّة، على ما قاله العلامة الماروني الخوري يواكيم مبارك، «لم تكن يوماً سياسة مسيحيَّة تجاه لبنان»، ولا هي اليوم سياسة قد تخدم مصلحة لبنان. فسياسة فرنسا في الشرق الأوسط هي سياسة «تصريف منتجاتها»، كما يزعم الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وإن بدا أخيراً شديد التأثر في حديثه عن لبنان... هو المرتبطُ، على ما يبدو، بأفراد عائلةٍ من لبنان ليس إلاّ...! رحم الله الأكاديمي الفرنسي الكبير جان فرنسوا دونيو ــ وقد رحل هو الآخر منذ بضعة أيام ــ الذي وقف في الجمعيّة العامة الفرنسيَّة عام 1991، منتقداً السياسة الأميركيَّة ومدافعاً عن لبنان وحقّ لبنان في السيادة والحريَّة والاستقلال... هو الذي ما تردَّدَ يوماً، باسم فرنسا القيم الحضاريَّة العظيمة، في الدفاع عن الشعوب المقهورة، من أميركا اللاتينيَّة إلى أفغانستان.
والأميركيون الغيارى على لبنان وديموقراطيته، هل يتنبَّهون إلى المسيحيَّة والمسيحيين في هذا المشرق، هم الذين جاؤوا غير مرة لنقلنا بالبواخر إلى كندا؟
وهل من أحد يستطيع أن يعطينا دليلاً على عكس تلك السياسة؟
في الواقع، إنَّ الرصاصات التي أطلِقتْ على المتظاهرين في الشوارع، هي التي أعادت إلى ذاكرتنا أياماً سوداءَ ومخططاتٍ ظننّا أنها ذهبت إلى غير رجعة.
ألم تستهدف تلك الرصاصات التي أصابت مارك وجورج وسهام وغيرهم، ألم تستهدف، بالإضافة إلى السلم الأهلي، الإرشادَ الرسولي والمجمعَ البطريركي الماروني... وكلَّ إسهاماتِ الكنيسة في العقود الأخيرة؟
وهل يَعقُل أن يسيرَ بعضُنا في سياساتٍ تتناقضُ مع الانفتاح على المحيط والتفاعل معه، سعياً إلى شراكة حقيقيَّة بنّاءَة؟
وهل يكون سلام مع الآخرين إن لم يكن هناك سلام في النفس...!؟
وأين نحن من ذلك... والشرُّ نائمٌ في مكان ما... داخل البيت.
ثم، ماذا عن القيم المسيحيَّة... أتراها حيَّة في ربوعنا؟
وقبل أن نسأل عمّن أعاق مبادرة المطارنة الموارنة للخروج من الأزمة المستفحلة وإبرام «وثيقة الشرف» المقترحة، نتساءل عما إذا كان الفريق الحاكم اليوم، والمتسلِّط منذ عام 1992، قد بنى بالفعل دولة، أو هو حقاً راغبٌ في ذلك؟
وإذا كان الأمر قد حصل فعلاً، فلماذا يُعيدنا بعضُ رموز السلطة، إذاً، إلى أزمنة الفتن والحروب وهواجس القنص والخطف على الهويَّة... وقد كشفت الوقائعُ المتلفزة والمشاهداتُ والتصريحاتُ العنتريَّةُ والتحريضيَّةُ كلَّ شيء؟
وهل يعلم هذا البعض، ومِن ورائِه كلُّ الفريق الحاكم، ما معنى الديموقراطية؟ وفي أسوأ الحالات، أيجوز أن يُمنع تحرّك شعبي ديموقراطي، بالعنف المدبَّر سلفاً، وأحياناً بقوة السلاح، ومن جانب أفرقاء سياسيّين مشاركين في السلطة؟
وبالمقابل، هل يعقُل أن تَصمت الكنيسة إزاء ما جرى من انتهاكاتٍ خطيرة، وأنها إذا ما تحدَّثت عن الموضوع، وضعت الجلاّد والضحيَّة في المقام نفسه؟
وهنا، لا بد لنا من أن نتساءَل، ما إذا كانت الأحاديث التي تدور غالباً بين صاحب الغبطة وبعض السياسيين الموارنة المداومين في الصرح، سياسيي الزمن الرديء، «الفريسيّين الجدد»، الذين يجيئونهُ ليلَ نهار، دأبهم في ذلك تلفيق الأكاذيب وبث السموم من على درج الصرح! ما إذا كانت تلك الأحاديث تتوافق فعلاً مع رأي صاحب الغبطة؟ وهل نصدِّق أن ما يتلى أمام الكاميرات في الخارج، مغايرٌ لما يُبحث في الداخل؟
وليُسمَح لنا هنا أن نعود بالذاكرة، ليس إلى «اتفاق الطائف» وملابساته، ولا إلى «قانون الانتخاب» المهرَّب، ولا إلى بقية الانتهاكات الدستورية الفاقعة، التي يُنكرها هؤلاء، بل إلى «مصالحة الجبل» بالتحديد، تلك التي يوهمون الناس بإيجابيّاتها، ويعملون وكأن عودة المهجَّرين قد أنجزَت بالفعل... والناس من أقوالهم وأفعالهم براء.
فماذا تُراها قد حملت زيارة البطريرك الماروني للجبل عام 2001، أو ما اتفق على تسميته «مصالحة الجبل»، سوى عودة القلَّة القليلة من المهجّرين المسيحيّين حتى الساعة. ماذا تُراها قد حملت تلك الزيارة، سوى تكريس زعامة وليد جنبلاط على موارنة الجبل؟
قد يؤذي هذا الكلام بعضَ الناس، وأنا منهم... ولكن، أليس هذا ما كان يبتغيه بعض الأتباع من الساسة الموارنة، سعاة البريد بين المختارة وبكركي، من الجبل ومن خارجه، وهم كُثُر؟ أليس هذا ما يعملون أيضاً بهَدْيِه اليوم، باستزلامهم لهذا أو ذاك من «بكوات» وشيوخ الزمن الهزيل، متجاهلين كل المشاريع المشبوهة وفي مقدمها التوطين، الذي قد يؤدي إلى التقسيم؟ أليس هذا ما كان يشتهيه ويعمل لأجله بعض أمراء الحرب؟
واليوم، أليسَ من حقِّنا أن نسأل الكنيسة، كنيستنا المارونيَّة بالتحديد، بعد ما شهدناه بالأمس القريب من أعمال شغبٍ وعنف دموي، عن عودة الصليب الذي ليس كالصليب، وعما إذا كان حقاً رمزاً لمسيحيَّتِنا؟ لقد تضاربت الإجابات عن هذه المسألة التي نخشى أن تتناغم مع ما يتربص بالوطن من مخططات ومؤامرات. فإذا كان الأمر بالإيجاب، فليسجِّلوا في دفاترهم أنّني، مع الكثيرين من أبناء ملَّتي، ومنهم كلّ أولئك الأبرياء الذين نزفوا دماً على قارعة الطريق، لا لشيء إلا لأنهم محتجّون سلميّون ديموقراطيون، فليسجِّلوا أننا جميعاً مرتدّون وخارجون عن تلك المسيحية؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فليعيدوا إذاً الصليب إلى مكانه، وليضعوه حيث يجب أن يكون، وليعملوا بموجب ما يرمز إليه من طهر ومحبة وفداء؟ ثم، لتسترجع الكنيسة، وقبل فوات الأوان، القرار الذي يوحِّد اللبنانيين بموجب مبادرتها، ولترفع عنا المذلَّة والتبعيَّة وذهنيَّة الحرب.
فمسيحيَّتُنا... هي قبول الآخر. أياً يكن هذا الآخر، في دينه أو في انتمائه السياسي.
مسيحيَّتُنا... هي مسيحيَّة يوحنا بولس الثاني الهامس في أذن محمد أقجا مسامحاً...
مسيحيَّتُنا... هي مسيحيَّة الـ Abbé Pierre ــ الذي شيِّع الأسبوع الفائت في باريس ــ في نُصرتِه المعوزين والمشرَّدين والمعذَّبين والمتألِّمين من أبناء الأرض، إلى أيِّ دينٍ انتموا أو عرقٍ أو مكان...
مسيحيَّتُنا... هي مسيحيّة الأم تيريزا والأخت أمانويل اللتين أعطتا البشرية عطاءات وعطاءات، من كلكوتا في الهند إلى القاهرة وإسطنبول، من دون حساب.
مسيحيَّتنا، هي مسيحيَّة المطران يوسف الخوري والخوري يواكيم مبارك والمطران سليم الغزال والخورأسقف يوحنا الحلو، وغيرهم من الآباء الذين عاشوا لبنان الرسالة بالقول والفعل...
مسيحيَّتُنا... هي مسيحيَّة أساقفة وارسو وغدانسك في بولونيا زمن التحرّر... وكلُّ أولئك الرسل من «لاهوت التحرير» في أميركا اللاتينيَّة والأسقف روميرو إلى إفريقيا السوداء وديسموند توتو...
مسيحيَّتُنا ليست مناطقيَّة ولا مذهبيَّة... ولا حتى فدراليَّة... فهي لا تكون ذاتَها إلا حيث هو الآخر.
مسيحيَّتنا هذه، هي نفسُها مسيحيَّةُ ذاك الذي وقف يوماً في عِظَةِ الاثنين، بُعيد حرب تموز العدوانيَّة، قارئاً إنجيل الدينونة ومناشداً المسيحيّين مساعدة إخوانهم في الوطن، شاهداً بذلك على مسيحيَّته في هذا المشرق عملاً بالإرشاد الرسولي. إنها مسيحيةُ الجنرال عون الذي يذكِّر دوماً بكنيسة الإيمان والمحبة والرجاء... القائد الذي يُدرك تماماً معنى «الشهادة الخلاصيَّة» ومعنى «ان نكون من التراب وإليه نعود»... وحبذا لو أدرك ذلك الآخرون.
وإذا كان بعض المستنيرين قد اعتبر أن مسيرة التيّار الوطني الحرّ على مستوى الوطن والمحيط العربي، هي امتدادٌ لعطاءات روّاد النهضة العربيَّة في أواسط القرن التاسع عشر، وهم محقّون في ذلك، فإننا نرى، وليسمَعْنا الأقربون والأبعدون، أنَّ الجنرال عون، في «وثيقة التفاهم» مع حزب الله، ومن ثمَّ بالموقف التاريخيّ الذي أعقب حرب تموز العدوانيَّة، لم يوقف الفتنة بين اللبنانيين فحسب، بل أعاد إلى المسيحيين في هذا المشرق موقعهم الوطنيّ الطبيعي، وأسهم في تصويب الخطاب العربي والإسلامي تجاههم، وأخرجهم من «ذهنيَّة العمالة والتبعيَّة» التي لا يزال البعض مصراً على سجنِهم وراء قضبانها.
إن ما حقّقته مسيرة الجنرال عون للمسيحيين وللمسلمين، في زمن قياسيّ، هو أكبر بكثير مما استطاعت ان تُحَقِّقَه عقودٌ من الحوار المسيحي ــ الإسلامي الجامدِ في شكليّاته... والأدبيات.
إن التعدي على هذه الإنجازات الكبيرة، ليس جريمة في حق لبنان ودوره ومنعته ومسيحيّيه ومسلميه، بل في حق المسيحيَّة والإسلام معاً في هذا الشرق... وفي العالم.
أدعوكم جميعاً، وبكل محبّة وتجرّد، إلى التمعّن في ما أقول، عبرَ إعادة قراءة هذا الخطاب السياسي بعيداً من التفاهات اليوميَّة والأحقاد... وإذ أعتبر أن الحقدَ ليس من المسيحيَّة في شيء، فلا أظنُّ أنّي مخطئ في ما أقول.
باختصار، مسيحيَّتُنا هي مسيحيَّةُ الخدِّ الأيسر. وإذا كان لدى الكنيسة، أو لدى أيّ فريق سياسيّ مسيحيّ، مفهومٌ آخر للمسيحيَّة... فليطلعنا عليه.
تلك هي مسيحيَّتنا إذاً... إنها مسيحيَّةُ الخد الأيسر... المسيحيَّةُ التي لا بد من أن تنكسرَ عندها يد الشرّ والجريمة والتفرقة.
* أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانيَّة