مشير باسيل عون *


اجتهد اللبنانيّون اجتهاداً صادقاً في المعايشة، ولكنّ تصاريف الدهر أحبطتهم. فنادى بعضُهم بالانفصال، وآثر بعضُهم الانكفاء، وسُرَّ بعضُهم الآخر بأوهام الهيمنة. وبعدما أدمن اللبنانيّون اتّهامَ الدهر والأحوال والآخرين، انبرى منهم اليوم عددٌ غيرُ يسير يسمّي مصائب الدهر هذه بأسمائها. فاتّضح أنّ إخفاق المعايشة اللبنانيّة منذ منتصف القرن التاسع عشر علّتُه الأولى أطماعُ الآخرين بالأرض اللبنانيّة، وعلّتُه الثانية مفاسدُ معظم السياسيّين اللبنانيّين في إدارة الشأن العامّ اللبنانيّ، وعلّتُه الثالثة الطائفيّةُ يقبّحها تقاعسُ أكثر اللبنانيّين عن الاضطلاع بمسؤوليّة تأصيل المعايشة. ولقد سئم اللبنانيّون مقولةَ المؤامرة الخارجيّة ومقولةَ الفساد اللبنانيّ، ولو أنّ لكلتيهما أبشع العواقب على مشروع المعايشة اللبنانيّة الحضاريّ. فتبقى، والحال هذه، مقولةُ التأصيل قائمةً في موضع الاستحقاق الفكريّ الأخطر.
ذلك أنّ اللبنانيّين عاشوا معاً في الأزمنة الحديثة من غير أن يتفكّروا تفكّراً رصيناً في أصول المعايشة. فارتضوا لأنفسهم الخضوع للقدر المشترك، وأعرضوا عن مسؤوليّة النظر الفاحص الناقد المبتكر. ويعلم الجميع أنّ المعايشة اللبنانيّة قامت على تسويتين خطيرتين. التسوية الأولى تنفي الولاء الخارجيّ (لا للغرب ولا للشرق، لا لفرنسا ولا لسوريا، لا للنظام المسيحيّ ولا للنظام الإسلاميّ) من غير أن تُثبت معاني الولاء اللبنانيّ، فيما التسوية الثانية جمعت اللبنانيّين في حقول المعاملات المدنيّة وفصلت بينهم في قطاع الأحوال الشخصيّة. وفي موازاة هاتين التسويتين، أنكر اللبنانيّون المسيحيّون واللبنانيّون المسلمون واقعَ الفكرة العَلمانيّة المبثوثة في المجتمع اللبنانيّ منذ عصر النهضة العربيّة الأولى. فأصرّوا على استثناء اللبنانيّين العَلمانيّين من دائرة الاعتراف الوطنيّ والاجتماعيّ والثقافيّ والقانونيّ. فأتت أدبيّات المعايشة اللبنانيّة مقتصرةً أشدّ الاقتصار على الطرفين المسيحيّ والإسلاميّ.
ويبدو لي أنّ هذا الإنكار المرَضيّ مرتبطٌ بتقصير ثقافيّ فاضح في تأصيل المعايشة، أي في استخراج الأصول الفكريّة العميقة الخليقة بتبرير ضرورة الحفاظ على التنوّع في المجتمع اللبنانيّ. وممّا يعاينه المرءُ المتفحّص لأدبيّات المعايشة اللبنانيّة أنّ الاجتهاد الفكريّ اللبنانيّ في الإتيان بمثل هذا التبرير اقتصر على الكلام اللاهوتيّ والكلام السياسيّ، وندر في الكلام الفلسفيّ، وانتفى انتفاءً كاملاً من الكلام القانونيّ الحقوقيّ. وليس يعسر على الباحث اللبنانيّ أن يعثر على المحاولات اللاهوتيّة المسيحيّة والإسلاميّة في تبرير المعايشة اللبنانيّة. ولقد بلغ بعضُها شأواً بعيداً في استنطاق الأصول الكتابيّة في المسيحيّة وفي الإسلام. غير أنّ هذه المحاولات اللاهوتيّة ابتُليت بمآزق شتّى، منها مخاطرُ الاعتراف اللاهوتيّ بغنى الوحي الإلهيّ وشرعيّة تنوّعه التاريخيّ، وهيمنةُ المؤسّسة الدينيّة على الخطاب الدينيّ التجديديّ في لبنان، وعجزُ الكلام اللاهوتيّ عن الانخراط في اختبارات الإنسان اللبنانيّ الوجوديّة، وإعراضُ العامّة عن الثقافة اللاهوتيّة الرصينة.
وأمّا المحاولات السياسيّة في تبرير المعايشة اللبنانيّة، فخضعت معظمُها لقيود الانتماءات الحزبيّة التي أملتها، ما أفقدها قدرتَها على الإقناع الموضوعيّ المحايد. وينضاف إلى هذه الثغرة الموضوعيّة أنّ الخطاب السياسيّ اللبنانيّ مستعبَدٌ كلّ الاستعباد لتصوّرات إيديولوجيّة متطرّفة تستغلّ مقولة المعايشة اللبنانيّة في سبيل مآرب التسلّط المقيت والمنفعة البحتة. وفيما يظنّ المرءُ أنّ الفلسفة اللبنانيّة قد تكون في منأى عن الارتهان للسلطة الدينيّة والانجراف في انحرافات الكلام الإيديولوجيّ السياسيّ، يتّضح أنّ الفلاسفة اللبنانيّين، على ندرتهم، وقفوا موقفَين متناقضَين من مسألة التبرير الفكريّ للمعايشة اللبنانيّة. فالفلاسفة المتديّنون، من مسيحيّين ومسلمين، رأوا في اللاهوت الطائفيّ أفضل سبيل لتبرير المعايشة اللبنانيّة، فأتى تبريرهم الفلسفيّ ترجمةً فلسفيّةً لخطاب لاهوتيّ طائفيّ مقيّد بسلاسل الخضوع لمقولات المبايعة الدينيّة ولمشيئات السلطة الدينيّة. وأمّا الفلاسفة العَلمانيّون، فآثروا الإعراض عن مثل هذا التبرير ليقينهم أنّ تبرير التنوّع الدينيّ مخالف لأصول المحايدة العَلمانيّة المنشودة في لبنان. فالذين حاولوا من الطائفيّين ما أفلحوا، والذين كان في إمكانهم الإفلاح من العَلمانيّين، أعرضوا عن اقتناع ويقين. وينتهي الأمر باللبنانيّين إلى معاينة العجز الفادح في الاجتهاد الحقوقيّ القانونيّ. وفي هذا صلبُ الإعضال اللبنانيّ، إذ إنّ المعايشة اللبنانيّة لا يمكنها أن تنهض على الإجماع النظريّ في الأصول والمبادئ والقيَم، بل تُعوزها الرعاية الفطنة لمعاني الاختلاف في القوانين والتدابير والأوضاع الحياتيّة العمليّة. ولذلك يجدر النظر في مسألة التقصير اللبنانيّ في حقول التشريع المشترك. فجميع اللبنانيّين ينادون بمبدأ الحرّيّة، غير أنّ قلّة نادرة منهم يجرؤون على الاعتراف الصادق بحقّ الإنسان اللبنانيّ في موقف اللاإيمان والحياد العَلمانيّ، وبحقّ الإنسان اللبنانيّ في قانون مدنيّ للزواج يحترم اقتناعات المرأة اللبنانيّة العَلمانيّة والرجل اللبنانيّ العَلمانيّ. وجميع اللبنانيّين ينتصرون لقيمة المساواة، بيد أنّ رهطاً يسيراً منهم يُقرّون بصحّة التمثيل غير الطائفيّ في إدارات الدولة وميادينها الرسميّة ومنتدياتها التمثيليّة. وجميع اللبنانيّين يعظّمون مثُل الأخوّة الإنسانيّة، إلاّ أنّ نفراً ضئيلاً منهم يستلهمون مضامين الأخوّة في تصوّرهم لمعتقدات الآخرين الدينيّة ومذاهبهم الفكريّة وانتماءاتهم الدينيّة، وفي تضامنهم الصادق مع هؤلاء الآخرين، وفي مساندتهم الفاعلة لهم.
ومن ثمّ، فإنّ معضلة المعايشة اللبنانيّة تقوم في معاثر الانتقال من دائرة الاعتراف النظريّ بالمبادئ الروحيّة والقيَم الإنسانيّة إلى دائرة التطبيق الفعليّ في مصطرع الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والقانونيّة. ولذلك يعسر على اللبنانيّين أن ينقذوا مبدأ المعايشة اللبنانيّة الحضاريّة إنْ هم أعرضوا عن مناقشة كيفيّات الانتقال هذا. وقبل أن يُكبّوا على هذه المناقشة، ينبغي لهم أن يسارعوا إلى الاعتراف بحقّ اللبنانيّين العَلمانيّين في المشاركة الحقيقيّة حتّى تنتقل المعايشة من الثنائيّة الدينيّة الضيّقة إلى الثلاثيّة الثقافيّة الأرحب. ومن أفعل الطرُق في مناقشة هذه الكيفيّات الإكبابُ على مقولة التسامح التي تنغرس انغراساً عميقاً في تضاعيف الرسالة المسيحيّة والدعوة الإسلاميّة والمقترح العَلمانيّ. والغاية من هذا الإكباب الاجتهادُ في تأصيل المعايشة اللبنانيّة تأصيلاً يرعى رعايةً فاعلةً حقول التشريع اللبنانيّ في الاجتماع والسياسة والقانون.
ويضيق بي المقام هنا إنْ وددتُ التبسّط في استجلاء موقع التسامح من الأنظومة الدينيّة المسيحيّة والأنظومة الدينيّة الإسلاميّة والأنظومة العَلمانيّة. فالإقرار القرآنيّ بالتنوّع الأصليّ في الخليقة وبالتعارف كغاية الغايات في الوجود التاريخيّ إنّما يكفي للدلالة على أنّ مقولة التسامح هي القاعدة الأساسيّة في رعاية التنوّع الإنسانيّ. والاعتراف الإنجيليّ بتنوّع المواهب في هدي الروح الإلهيّ لأهل البشر وإقامة الدينونة على أعمال المحبّة لا على صواب النطق اللاهوتيّ يضمنان لمقولة التسامح الموضع الأسنى في التصوّر المسيحيّ للمعاملات الإنسانيّة. والإصرار العَلمانيّ على فطرة الحرّيّة في الكينونة الإنسانيّة، وهي الفطرة السابقة لكلّ أصناف الانتماء والتديّن والمشايعة، قادرٌ ببلاغة بداهته على تبرير الاستناد المطلق إلى ناموس التسامح في علاقات الأفراد والمجتمعات.
بيد أنّ الإجماع المسيحيّ الإسلاميّ العَلمانيّ على مقولة التسامح أمرٌ، والتبصّر في حدود التسامح ورسومه العمليّة في نطاق المعايشة اللبنانيّة أمرٌ آخر. وما التخبّط المتعاظم اليوم في لــــــــبنان سوى الدليـل الدامغ على اختلاف اللبنانيّين في إدراك حدود التسامح التي تضمن للمعايشة الاستمرار والمنعة والازدهار. وإذا ما شاء المرء أن يخوض في تفاصيل الإعضال اللبنانيّ، تبيّن له أنّ اللبنانيّين لا يقولون إلاّ بمعايشة لبنانيّة تصون لهم ذاتيّاتهم الجماعيّة المتصلّبة في تضامنها القبليّ وتلاصقها الانقباضيّ، فيما الحاجة إلى معايشة تُعرّض الذات المسيحيّة والذات الإسلاميّة والذات العَلمانيّة لمساءلات الغيريّة واستنهاضاتها وبركاتها المحيية. ولكنّ الانفتاح الذاتيّ لا يستقيم في لبنان إلاّ إذا أدركت كلُّ جماعة أنّ مغامرة التعرّض لأشعّة المغايرة تضمنها مقولةٌ في التسامح تنتشب انتشاباً راسخاً في عمق الوعي اللبنانيّ. ذلك أنّ الانفتاح والتعرّض ينقلبان انتحاراً ما لم يستندا إلى ضمانة التسامح.
وعلى هذا النحو يغدو التسامح هو القبول المطلق بالذات وبالآخر وبمغامرة التواصل المحيي بين الذات والآخر. وتجنّباً للإغراق في النظر الأثيريّ، ينبغي التطرّق إلى الحقول الاجتماعيّة والسياسيّة والقانونيّة التي تضمن للمعايشة اللبنانيّة أن تتعافى وتنمو. وإنّي أسوق هنا بعض الأمثلة التي يتوق إلى تحقيقها كثيرٌ من اللبنانيّين ويدرك أثرَها الطيّب الداني والقاصي. ففي الحقل الاجتماعيّ يقتضي تأصيلُ المعايشة اللبنانيّة على قاعدة التسامح أن يصوغ القانونيّون اللبنانيّون من التشريعات ما يحرّم كلّ ضرب من ضروب الفتاوى المسيحيّة أو الإسلاميّة التي تقيّد الإنسان اللبنانيّ في التعبير عن حاجاته واختباراته ومطامحه. وإذا ثبت أنّ للمسيحيّين والمسلمين والعَلمانيّين تقاليدهم وأعرافهم وأساليبهم وممارساتهم، وجب على الجميع احترام هذا التنوّع والابتهاج به في كلّ بقعة من البقاع اللبنانيّة، وذلك بمعزل عن الجوّ الثقافيّ السائد والمزاج الاجتماعيّ الغالب والانحياز السياسيّ الضاغط.وأمّا في الحقل السياسيّ، فإنّ المعايشة اللبنانيّة ينبغي أن تتجاوز مشكلة التنازع بين حقوق الطوائف وحقوق الأفراد، إذ لا يُعقل أن يُحرم الأفراد من مبدأ المساواة لحجّة الحصص الطائفيّة. وليس توزيع المناصب السياسيّة الأساسيّة على زعماء التسلّط الطائفيّ هو الذي يكفل حسن المعايشة، بل الاجتهاد في تشريع سياسيّ مسيحيّ إسلاميّ عَلمانيّ يُبطِل الطائفيّة الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة ويستبدلها بنظام سياسيّ عَلمانيّ مدنيّ يشفي اللبنانيّين من عصبيّاتهم. وكذلك القول في الحقل القانونيّ حيث ينبغي للتشريع اللبنانيّ أن يستنبط أحكاماً تضبط الاجتماع اللبنانيّ في سياق انتماء الفرد إلى إنسانيّته المحضة، لا إلى طائفته أو عشيرته أو مذهبه.
وربّ معترض يذهب إلى التشكيك في إمكان هذا التأصيل. وقد يكون محقّاً في سياق القرائن اللبنانيّة الراهنة. ولكنّي أسأل نفسي واللبنانيّين هل يجوز الإبقاء على الزيف التعايشيّ اللبنانيّ، والوضع الإقليميّ برمّته يُنذر بأوخم العواقب؟ فربّما لم يبقَ أمام اللبنانيّين سوى طريق من طريقين. فإمّا الإقبال على مسألة التأصيل، وإمّا الاعتراف بالعجز والقبول بصيَغ الانفصال والإدارة الذاتيّة. وفي الحالتَين ينبغي استشارة اللبنانيّين كلّهم واستفتاؤهم. ومع أنّ اختبارات المجتمعات الإنسانيّة الأخرى أظهرت إلى اليوم صعوبة التشريع المسيحيّ الإسلاميّ العَلمانيّ المشترك، ينبغي للّبنانيّين أن ينهضوا بمثل هذه التجربة قبل أن يُضطرّوا إلى الانفصال. ذلك أنّ معايشتهم التاريخيّة ما انفكّت عفويّةً هشّةً سطحيّةً. فلا يجوز لهم أن يبرّروا إخفاقهم ويدّعوا أنّهم أدّوا قسطهم للعُلَى. فاللبنانيّون أخفقوا لأنّهم لم يتعايشوا كما ينبغي، لا لأنّهم تعايشوا كما تيسّر لهم. فهلاّ اقتنع اللبنانيّون بأنّ المعايشة الحقيقيّة تقتضي التشريع المشترك، وهو من أعسر المهمّات الحضاريّة؟ وهل يؤمن اللبنانيّون بأنّ التشريع المسيحيّ الإسلاميّ العَلمانيّ ممكنٌ في نطاق المعايشة اللبنانيّة، أم هم أضحوا يرتابون في إمكانات التلاقي الحضاريّ على الأرض اللبنانيّة؟
* أستاذ الفلسفة والحوار في جامعة الروح القدس (الكسليك)