حبيب فياض


لم يعد مجدياً بعد اليوم حديث الفريق الحاكم في لبنان عن محاولة انقلابية تقوم بها قوى المعارضة من خلال لجوئها الى خيار الشارع، ذلك أن الشارع نفسه قد كشف أول من أمس، ومن خلال اضخم تجمع بشري يشهده لبنان، أن الاكثرية الشعبية تصطف خلف المعارضة في مطالبها وتوجهاتها.
وبذلك يكون كل تحرك ينفذه فريق المعارضة متصفاً تلقائياً بالشرعية المستمدة منه بما هو أكثرية، إذ لا يمكن، بحسب المعايير الديموقراطية، أي مطلب تنادي به الاكثرية، اية اكثرية، إلا أن يكون مشروعاً ومحقاً، وبالتالي سيكون الفريق الآخر، في المقلب الآخر، ومهما بلغت كثرته، في مصاف الاقلية التي يجب أن تنصاع لمطالب الاكثرية، او التفاهم معها على الأقل، وإلا كان بقاؤها في السلطة مشبوهاً وتعسفياً.
كما لم تعد تنفع، من الآن فصاعداً، محاولات السلطة إدراج تحركات المعارضة في خانة «الفوضى» و«الغوغائية» و«ضرب السلم الاهلي» والتهويل من مخاطر نزولها الى الشارع ولجوئها اليه. لقد نظمت قوى المعارضة أكبر تجمع بشري يشهده لبنان، وعبّر المشاركون عن مطالبهم بطريقة سلمية حضارية من دون حصول اي خلل او فوضى، وهذا دليل واضح على وعي وانضباط ومناقبية الشارع الذي يقف خلف هذه المعارضة، الأمر الذي أفقد السلطة ورقة تهويلية كانت تتمترس خلفها.
وأيضاً لم يعد باستطاعة السلطة بعد تظاهرة الأول من كانون الاول، الاصطياد بالماء الطائفي العكر والعمل على إضفاء اللون الواحد على مكونات المعارضة، اذ كشف المحتشدون المنتشرون بين «الساحتين»، أن المعارضين للحكومة يعكسون ألوان الطيف اللبناني بكل تنوعاته الحزبية والمذهبية والسياسية. وبالتالي فإن المعارضة وطنية بامتياز.
لقد أعاد نزول المعارضة الى الشارع تأليف التوازنات القائمة في لبنان، وأتاح اعادة تظهير القوى بما يتناسب مع التمثيل الحقيقي المستمد شرعيته من تأييد الشارع، وأظهر تواضع مطالب المعارضة قياساً الى حجمها الحقيقي، اذ من المفترض أن يمهد ذلك كله الى تصحيح الخلل التمثيلي في السلطة، وانتقال المعارضة من المطالبة بالقرار «المعطل» الى المشاركة بالقرار الفعلي للبلاد، والتحول من الدعوة الى قانون انتخابي جديد الى إجراء انتخابات مبكرة وجديدة.
لقد نجحت المعارضة من خلال الشارع، في وضع قطار التغيير الحكومي على السكة الصحيحة. ويبدو أن الطريق باتجاه المحطة الاخيرة لن تخلو من مفاجآت مدروسة بدقة وعناية، الأمر الذي سيضع السلطة بين خيارين: إما الاستجابة الهادئة والإيجابية لمطالب الفريق المعارض وإما السقوط المدوّي تحت وطأة الشارع.
إن أكثر القراءات تفاؤلاً إزاء «السلطة» ومستقبلها لا تستطيع إنكار ما افرزته تظاهرات يوم الجمعة الماضي من أن البلد موزع بين كثرة تمثلها السلطة وأكثرية تمثلها المعارضة، وإذا كان لبنان بالفعل لا يدار إلا عن طريق التوافق، فلتتفق هذه الكثرة مع تلك الأكثرية على المشاركة في الحكم والقرار.
لن يكون في استطاعة فريق السلطة الاستمرار في الهروب الى الأمام، اذ إن التغيير الذي يهرب منه سيصطدم به في نهاية الامر. ولا شك في أن مجرى الحياة السياسية في لبنان بدأ يخضع لمنطق آخر غير الذي كان سائداً، فوصول المعارضة الى حكومة وحدة وطنية تقوم على المشاركة والجمع، أقرب الى التحقق من خيار فريق السلطة الاستمرار بحكومة مرفوضة اكثرياً وتقوم على الاستئثار والتفرقة.
اذا كان تمدد الفريق الحاكم في لبنان قد حصل في ظل تمدد المشروع الاميركي في المنطقة، أليس من الطبيعي أن يتراجع هذا الفريق وينحسر مع تراجع المشروع الذي جاء به الى السلطة؟!