قاسم عز الدين*


ما زالت المعارضة تراهن على إصلاح ذات البين مع رجال الأزمة في السلطة، فالمراهنة متأصلة في فكرها السياسي سواء في نظرتها «إلى الشركاء في الوطن» او في رؤيتها «لتركيبة البلد». ما زالت تقيّد حركتها السياسية بقواعد لعبة أزمة دائمة كسرتها السلطة ورمتها خلف ظهرها: التعايش الطائفي، التفاهم بين زعماء الطوائف، المشاركة في تقسيم الحصص، الديموقراطية التوافقية في القرار. وتتخوف المعارضة من تغيير سياسات الأزمة الدائمة حرصاً على «الاعتدال والواقعية» في وقت حسمت فيه السلطة خياراتها السياسية تحت إدارة «المجتمع الدولي» وكادت تنجز تغييراً شاملاً مقلوباً يمكن أن يطيح ما بقي من هامش السيادة في شبه الدولة. تنشد الضغط في الشارع وصولاً الى «حكومة وحدة وطنية» وتأمل عرقلة زحف رجال السلطة الى «تلاقي مصالحهم» مع السياسات والاستراتيجيات الأميركية ــ الإسرائيلية ــ الفرنسية في المحيط الإقليمي برمّته، لكن هذه السياسات سرت في نسيج المجتمع اللبناني وقسمته شارعاً مقابل شارع وعصبيات مقابل عصبيات، وبات تغييرها محكوماً بإعادة بناء الدولة وإعادة بناء سياسات بديلة تعيد فرز الشوارع والعصبيات. فالخلاف السياسي بين السلطة والمعارضة هو في عمقه خلاف بين مقاربتين متناقضتين لا يحدّ منه تمثيل الشوارع. إنه تناقض بين مشروع سلطة يتبنّى فلسفة «المجتمع الدولي» في السياسة الخارجية للدولة وفي السياسة الدفاعية ــ الأمنية وفي السياسة الاقتصادية ــ الاجتماعية، وبين احتجاج المعارضة على هذا المشروع من دون أن تستطيع بلورة مشروع بديل في هذه السياسات أو حتى بلورة برنامج سياسي يفضي الى مشروع آخر في إعادة بناء الدولة، وهي لن تستطيع ــ على الأرجح ــ عرقلة زحف رجال السلطة ما لم تقتنع بإعادة البناء من الأعلى في الدولة، كما تبنى كل الدول التي يليق بها الاسم، وليس من الأدنى عبر تجميع العصبيات وتوافقها في الدولة ــ المزرعة. والأعلى هو، لا شـــــك، رؤية بديلة لمشروع السلطة في السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية والسياسة الاقتصادية ــ الاجتماعية ثم لأشكال التحكّم برقاب العباد ونهب الثروة العامة.
عملياً، أنجزت المقاومة الأساس الأولي في إعادة بناء الدولة بتحرير الأرض أولاً ثم بهزيمة العدوان الأميركي ــ الإسرائيلي (والحرب هي السياسات المكثّفة) وقد عبّرت هذه المقاومة عن دينامية شعب عظيم في بلد صغير خضّبته التجربة السياسية والقدرة على هزيمة الاستراتيجيات وسياسات الدول المسيطرة على «المجتمع الدولي» لكنها عبّرت في الوقت عينه عن فراغ الدولة وهشاشة السلطة وكذلك ضحالة ثقافتها السياسية حيث تطمح بالعودة الى ما قبل تجربة المقاومة وكأن شيئاً لم يكن «إسوة بغيرنا». بيد أن التجربة الناجحة للمقاومة ترمي عليها مسؤوليات تاريخية جديدة في إعادة بناء الدولة من الموقع الظافر الذي وصلت إليه في حماية المصالح الوطنية (ما العمل لا يوجد غير أرتين!).
ــ تتبنى السلطة مقولة «محور الشر الإيراني ــ السوري»، حيث يطمح «محور الخير» الأميركي ــ الإسرائيلي ــ الفرنسي إلى زج البلدين في استراتيجيته وسياسته في العراق وفلسطين وفي لبنان، فلا يكفي قول المعارضة بالتحالف مع إيران وسوريا في مناكفة مجانية مع رجال السلطة، بل ينبغي بناء رؤية سياسية تلحظ التكافؤ في المصالح المشتركة وتحفظ المصالح الوطنية اللبنانية أخذاً في الحساب كارثة الوصاية السورية ــ اللبنانية على لبنان وسوريا. ولا تقتصر المصالح الوطنية المشتركة على «الممانعة» بل تتعداها الى سياسات متكافئة في الإنتاج المشترك والتبادل والتقنيات وإعادة التأهيل... كما لا تقتصر حصراً على البلدين بل تشمل باقي البلدان العربية والإسلامية المحيطة لكن على قاعدة حفظ المصالح الوطنية في البناء المشترك لا على قاعدة الريع العقاري والريع المصرفي.
ــ تتبنى السلطة نظرية استيراد العدالة من «المجتمع الدولي» وتعتمد «المحكمة الدولية» سياسة خارجية أحادية للدولة «بتلاقي مصالح» الثأر «ومن بعده الطوفان». ولا يمكن تغيير هذه السذاجة المشبوهة بغير بناء رؤية بديلة في سياسة خارجية ندية مع الدول المسيطرة على مجلس الأمن تشمل حماية المصلحة الوطنية، كما يجب أن تكون العلاقات الطبيعية بين الدول، وتشمل تحييد المحكمة الدولية عن استراتيجياتها باللجوء الى المجتمع الدولي الذي يتألف من الجمعية العامة للأمم المتحدة ولا سيما الدول المتحمسة لكشف الحقيقة المجردة.
ــ تتبنى السلطة فلسفة «المعونات المالية والاقتصادية» لحل أزمة الإفلاس والأزمة الاقتصادية ــ الاجتماعية الخانقة التي تسببت بها. تمنّن الخلق بشطارتها في استيراد قروض ميسّرة وديون إضافية هدرت أضعاف أضعافها في سلة ما زالت مثقوبة على وسعها. وفي واقع الأمر تتجسد الشطارة في إخفاء ما تشترطه «المعونات» أولاً مقابل سياسة اقتصادية ــ اجتماعية تقضي على البقية الباقية من القطاعات الإنتاجية الضعيفة (فتح السوق أمام الزراعة والصناعات الغذائية) ــ وثانياً مقابل التخلّي عما بقي من مرافق القطاع العام: الكهرباء، المطار، شركة الطيران، الهاتف الثابت، الكازينو ولاحقاً في عام 2012 المياه، وثالثاً مقابل التخلي عن الخدمات العامة وفق «الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات»: الضمان الاجتماعي والصحي، التعليم، الطبابة، موظفي الدولة عدا الأمن والجيش... وكل ذلك مربوط بشروط سياسية أهمها سياسة «المشاركة في الاستقرار» مقابل التهديد الإسرائيلي، وكذلك «التخلي عن نبذ العنف» والمحافظة على الستاتيكو في السياسة الدفاعية. وفي هذا الواقع السياسي المدمر لسيادة الدولة واستقلالها السياسي، لا تستطيع المعارضة الاكتفاء بالاحتجاج ورفض التدخلات الخارجية، بل عليها بلورة برنامج سياسي آخر على مرأى ومسمع كل المواطنين وبمشاركة القطاعات الإنتاجية المتضررة والفئات الاجتماعية المهمّشة. فالسياسة البديلة لها مقـــــــــومات نجاحها على أرض الواقع في الطاقات الـــــــوافرة المعــــــــطلة بين اللبنانيين المقيمين والمهاجرين، وفي إمكان بناء علاقات منفعة متـــــــبـــــــــادلة مع العديد من البلدان العربـــــــيــــــة والإسلامية و«العالم الثالث»، بل أيضاً في مبدأ اتفاقــــــــات الشراكة الأوروبية مع لبنان حيث يفترض أن يشارك «المجتمع الدولي» في إعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية والقوى العاملة ونقـــــل التقنيات وكذلك المشاركة في المحافظة على سيادة الدولة واستقلالها.
لا تستطيع المعارضة المراهنة على عقلانية السلطة بالعودة الى «التوافق والمشاركة»، فقد سبق السيف العذل، وهي إن نجحت اليوم في المساومة في الشارع فستعود إليه كل يوم من أجل مساومات متتابعة. فليكن الخلاف السياسي على مشروع السلطة بهدر المصلحة الوطنية ودولة المزرعة مقابل مشروع بديل لإعادة بناء الدولة وحفظ الحقوق والمصلحة الوطنية، وليحكم الشعب بالوسائل الديموقراطية بين أكثرية حاكمة وأقلية معارضة، فمن جرؤ بالمقاومة وهزيمة العدوان يمكنه أن يجرؤ بالسياسة وإعادة بناء الدولة، إنما لكي يتمكن الشعب من الحكم، ينبغي تقديم رؤى وخيارات وبرامج سياسية غير المألوف الآسن الذي يسمى تعسفاً «صناديق الاقتراع» لاختيار أولاد الزعماء وأحفادهم في مجلس النواب. فتفكيك الأزمة الراهنة يبدأ بإحالة مشروعين في مقاربتين للمحكمة الدولية، على الاستفتاء الشعبي العام ثم انتخاب رئيس للجمهورية بالاقتراع الشعبي المباشر على أساس برنامج حكم. ويبدأ كذلك بتغيير الخطاب السياسي المعارض إلى خطاب إعادة بناء سياسات بديلة في السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية والسياسة الاقتصادية ــ الاجتماعية على السواء. فالماء الذي تسبح فيه المعارضة يتجاوز الشوارع بل يتجاوز حدود لبنان، فكل الفئات الاجتماعية المهمشة وكل القطاعات المتضررة يمكنها المساهمة بمشروع بديل، وفي أولها الخبراء وأصحاب الاختصاص في لبنان وخارجه. يقول مثل في ضيعة جاك شيراك «لا يمكن أن تقلي العجة من غير أن تكسر البيض». إنسرت لماذاتقيّد المعارضة حركتها السياسية بقواعد أزمة دائمة تجاوزتها السلطة؟
* كاتب وباحث لبناني