خورشيد دلي *


سعى البابا بنديكتوس السادس عشر في أثناء زيارته لتركيا إلى تقديم صورة مغايرة لنظرته السابقة إلى الإسلام، وخاصة تصريحاته في أيلول الماضي عندما ربط بين الإسلام والعنف خلال حديث له في جامعة راتيسبون الألمانية، تلك التصريحات التي أثارت الغضب في العالم الإسلامي. فخلافاً لهـــــــــذه النظرة، استشهد البابا في تركيا بأحاديث قديـــــــــــمة تشير إلى كرم المسلمين وتعاونهم مع المسيحيين، داعياً إلى حوار صادق بين المسلمين والمسيحيين وإلى استكمال الحوار بيــــــــــنــــــــــهما، مع ضرورة الاعتراف باختلاف خصوصيات كل طرف عن الآخر. بل ذهب البابا إلى حد وصف الإسلام بدين محبة وتسامح بعد أقل من ثلاثة أشهر على استشهاده بأحاديث عن ان الإسلام دين الجهاد بالسيف والقتل.
لا شك في أن هدف البابا من وراء هذه التصريحات هو تحسين صورته أمام العالم الإسلامي وربما تخـــــــــفيف الاحتقان في الشارع التركي الذي خرج في تظاهرات احتجاجية قبل أسبوع من الــــــــزيارة، والتي كانت الأولى له إلى بلد إسلامي منذ تسلمه منصبه في سدة الفاتيكان في نيسان عام 2005، وعليه فإن الزيارة بالنسبة إلى البابا كانـــــــت فرصة كبيرة لتقديم صورة أكثر تفــــــــــهماً وقبولاً من العالم الإسلامي، وكانت فرصة لتأســـــــــــيس حـــــــــــوار مركّب: بيــــــن المسيحية والإسلام من جهة، ومـــــــن جهة ثانية بين الكنيسة المسيحية الكاثولـــــــيكية المتمثلة بالفاتيكان، ومقرها روما، والكنيسة المسيحية الأرثوذكسية المتمثلة بمركزها التاريخي اسطنبول والتي تضاهي في تــــــــــاريخيتها ومكانتها الدينية عند الأرثوذكس مكانــــــــــة الفاتيكان عند الكاثوليك. ومع أن تركيا وافقـــــــت على الحوار المسيحي ــ المسيحي على أراضيها، فإنها تخشى في العمق من ان يكون التوحيد بين الكـــــــــنيستين بمثابة اتفاق مسيحي ضدها على شكل ضغوط لإجبار أنقرة على الاعتراف بـــــــــمسكونية بطريركية الأرثوذكس، وهو الأمر الذي ترفضه تركيا وتراه بمثابة إقامة دولــــــة ضمن دولة، بل وفي الشعور، وربما اللاشـــــــعور، العودة إلى لحظة تاريخية تعود إلى عام 1543، أي لحـــــــظة دخول الأتراك المسلمين مدينة (القسطنطينية) لتصبح لاحقاً اسطنبول التي وصفها البابا بالجسر بين الثقافات.
وإدراكاً منه لتداخل الإشكاليات والحساسيات، حاول البابا أن التوفيق في زياراته بين الأماكن المسيحية والإسلامية، وكذلك الموازنة في لقاءاته بين الشخصيات والمؤسسات التي تمثّل الديانتين. كما حاول ان يوازن بين تصريحاته الرسولية البابوية وتصريحاته السياسية عن حفظ الأمن والسلام في العالم، من دون ان ينسى مغازلة الأتراك عندما زار قبر كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية واستشهد بأقواله (سلام في الداخل سلام في العالم).
أما بالنسبة إلى تركيا، فجاءت الزيارة في توقيت حساس جداً، قبل أيام من القمة الأوروبية التي سيجري فيها بحث مصير مفاوضات العضوية الأوروبــــــــــية لتركيا. ومع ان رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان استطاع ان يحصل على موقف نظري من البابا بإعلان الأخير مساندة الجهود التركية الساعية للانضمام إلى العضوية الأوروبية، خلافاً لموقفــــــــــــــه السابق الرافض لمثل هذه العضوية.. فإن فرحة الأتراك بموقف البابا هذا، لم تكتمل وسرعان ما أصـــــــــيبوا بخيبة أمل عندما أعلنت المفوضية الأوروبية في أثناء الزيارة تعليق مفاوضات عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي أرخى بظلاله على زيارة البابا من جهة، ومن جهــــــــــة ثانية أجهض إعلان المفوضية الأوروبية الرغبة التركية في استثمار زيارة البابا لمصلحة بعث رسالة (حضارية) إلى الدول الأوروبية مفادها أن تركيا (حضارية) إلى درجة ان البابا، رأس الكنيسة في الفاتيكان، وافق على هذه العضوية بعد حديث دام عقوداً، فحواه ان الاتحاد الأوروبي في العمق ناد مسيحي لا يقــــــــــبل في عضويته دولة مختلفة معه حضارياً، ليكتـــــــــشف (الأتراك المسلمون) أن الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية لدى الاتحاد الأوروبي لا تقل أهمية عن البعد الحضاري الديني، بل قد تكون أقوى منه في ظل الحروب العلنية والخفية الجارية على رقعة الشرق الأوسط.
من يقرأ سلوك الفاتيكان تجاه الإشارات السلبية التي صدرت عشية زيارة البابا من تظاهرات وتصريحات منددة بمواقف البابا، وانصراف مسؤولين أتراك عن لقاء البابا قبل العدول عن مواقفهم، سيدرك أن الفاتيكان تعامل مع هذه الإشارات السلبية إيجاباً، على أنها إشكاليات بسيطـــــــــــــة لن تؤثر على الزيارة وأهدافها. وفي محطات زيارته، استغل البابا الفرصة لتحسين صورته أمام المسلمين وإعطاء صورة أكثر تفهماً لموقفه من الإسلام والمسلمين، وفي التأسيس لحوار أعمق بين المسيحيين والمسلمين. ولعل الهدف الأهم للزيارة كان توحيد الكنيستين المسيحــــــــــــيتين لـــــــــيكون البابا بنديكتوس السادس عشر أول من ينجح في رأب الصدع والانقسام بين الكنستين منذ نحو ألف عام، وهذه مهمة فشــــــــــــــــل فيها من قبل البابا بولس السادس عندما زار تركيا لهذه الغاية عام 1967.
باختصار، يمكن القول إن البابا بزيارته إلى تركيا في هذا التوقيت، نجح في تقديم صورة جديدة لنفسه إسلامياً، كما نجح في الظهور بمظهر رجل الوحدة مسيحياً، فيما على الجانب التركي تبدو الصورة غير إيجابية ان لم نقل سلبية، إذ لم تنجح الزيارة في أن تكون ورقة جديدة لدعم عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي كما كان يأمل الأتراك، على الرغم من التصريحات الإيجابية للبابا في هذا الصدد. ولعل هذه الزيارة ستفسح المجال للمزيد من الانقسام والجدل في الساحة التركية بين القوى الإسلامية والقومية المتشددة من جهة، والقوى المعتدلة المتمثلة في حزب العدالة والتنمية من جهة ثانية، والنخبة العلمانية من جهة ثالثة.. وخطورة هذا الانقسام، أنه يأتي قبل أشهر قليلة من الانتخابات النيابية والرئاسية، ويرى البعض أن الخاسر الأكبر من زيارة البابا سيكون رئيس الوزراء التركي رجب اردوغان الذي استقبل البابا بابتسامة عريضة في مطار اسطنبول بعد حديث عن أنه لن يستقبله.. ويضيف هؤلاء، أن اردوغان بابتسامته خلال الاستقبال، وسّع المسافة بينه وبين تطلعه إلى الجلوس في قصر تشانقايا الرئاسي خلال انتخابات العام المقبل.
* كاتب سوري