أرنست خوري *


بينما كانت استطلاعات الرأي ترجح نسباً متساوية بين مرشحي الرئاسة الإكوادورية، اليساري رافاييل كوريا واليميني الفارو نوبوا، جاءت النتيجة مختلفة كلياً، حيث أظهرت فارقاً كبيراً مكّن كوريا من تبوّء منصب الرئاسة خلفاً للرئيس الحالي الفريدو بالاسيو، وهو ما يظهر أنّ الشعب الإكوادوري بات يتطلع نحو تغيير جوهري، مفضلاً الثورة التي تعهد المرشح اليساري الشاب تحقيقها على المزاعم التي اعتاد سماعها من القوى اليمينية الحاكمة.
وينظر الكثيرون الى كوريا نظرة إيجابية، خصوصاً أنّه سعى خلال تولّيه وزارة المال الى اتخاذ إجراءات بهدف توفير ضمانات اجتماعية للفقراء في البلاد، بالإضافة الى مشاركة المرأة وسكان الإكوادور الأصليين في الحياة العامة، وإلى سعيه للحد من الهجرة (نحو مليوني إكوادوري يعيشون في إسبانيا والولايات المتحدة).
ويرفض كوريا توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع واشنطن، مطالباً إياها بإغلاق القاعدة العسكرية في بلاده، وواصفاً الرئيس الأميركي بالـ«أحمق»، في وقت وعد فيه بإلغاء اجراءات الدولرة التي وافق عليها الرئيس السابق جميل معوض اللبناني الأصل.
وعلى الرغم من كونه يحمل شهادة في الدكتوراه في الاقتصاد، ويتمتع بحيوية الشباب طاقةً، فإنّ الرئيس الجديد يفتقد أي خبرة سياسية، وخاصة في بلد شهد العديد من التوترات خلال العقد الأخير، بحيث عرف ثمانية رؤساء خلال اقل من عشر سنوات.
من جهته، حاول الملياردير اليميني الفريدو نوبوا الوصول الى سدة الرئاسة ثلاث مرات متتالية، حيث يخوض حملته الانتخابية بمظهر محدد: انجيل، هدايا، مساعدات طبية، واعداً بتأمين المنازل وإيجاد فرص العمل وزيادة الأجور، مردداً «على غرار المسيح، كل ما اطمح اليه هو الخدمة»، الأمر الذي بات خبزاً يومياً للمواطن الإكوادوري الذي لم يعد يهمه ماذا يقول هذا المرشح أو ذاك، بل ما يمكن تحقيقه.
وفيما يسعى كوريا الى إحداث تغييرات جذرية في البلاد، جاء خطاب النصر أمس مطمئناً بعض الشيء، حيث أكد أنّه «سيستقبل هذا الانتصار بصفاء وتواضع»، مؤكداً صداقته للرئيس الفنزويلي هوغو شافيز.
ورأى كوريا فوزه بمثابة «رسالة واضحة للطبقة السياسية التقليدية» داعياً الى اجراء اصلاحات في الحياة السياسية الإكوادورية لتـــــــــــفادي حالة عدم الاســـــــتـــــــقرار الســـــائدة حالياً، من خــــــــــلال الدعوة الى وضع دستور جديد للبلاد.
وجاء انتخاب كوريا ليعزز محور اليسار في اميركا اللاتينية، حيث تشهد الولايات المتحدة تراجعاً في نفوذها التاريخي ومصالحها التي غالباً ما كانت تتحقق عن طريق أنظمة عسكرية شبه فاشية.
وفيما انضم كوريا الى نادي رؤساء دول أميركا اللاتينية اليساريين، بعد فنزويلا والارجنتين والبرازيل وبوليفيا وكوبا وتشيلي ونيكارغوا واوروغواي، يبدو هذا النادي منوعاً في طريقة المواجهة، بين شافيز او الرئيس البوليفي ايفو موراليس اللـــــــــــذين يعتمدان سياسة متشددة حيال الولايات المتحدة، وبين التشيلية ميشال باشليه التي ترأس ائتلافاً من الاشتراكيين والديموقراطيين المسيحيين، والمعتدل البرازيلي لولا دا ســـــــــــيلـــــــــفـــــا الذي اعيد انتخابه في البرازيل.
ويقول المحلل فلاديمير سييرا من جامعة كويتــــــــــــــو الكاثوليكية، إن انتصار كوريا في مواجهة الملياردير اليميـــــــــــــــني الفارو موبوا يؤثر سلباً في الاستــــــــــــراتيجية الاميركية في المنطقة، ويضيف «كانت الولايات المتحـــــــــــــدة تنوي انشاء مجموعة متينة مع الرئيس الكولومبي الفارو اوريبي والبيروفي آلان غارسيا ونوبوا في مواجهة محور فنزويلا ــ بوليفيا»، معتبراً أن فوز كوريا «يجــــــــــعل مراقــــــــــــبة وإدارة السياسة في المنطقة امراً معقداً» بالنسبة الى الولايات المتحدة.
وقال سييرا إن انضمام كوريا الذي رأى في توقــــــــــــيع كل من البيرو وكولومبيا اتفاق تبادل حر مع الولايات المتحدة «طعنة» لدول مجموعة «كان» الاقــــــــــــــتصادية (بوليفيا وكولومبيا والبيرو والاكوادور)، الى «السوق المشتركة لدول اميركا الجنوبية»، سيؤدي الى مزيد من تراجع النفوذ الاميركي في المنطقة.
وكانت فنزويلا بقيادة شافيز قد خرجت قبل سنة من مجموعة «كان» لتنضم الى «السوق المشتركة لدول اميركا الجنوبية» الى جانب الأرجنتين والبرازيل وباراغوي وأوروغواي.
ورغم مجاهرة كوريا بصداقته مع شافيز وإعلانه أن فنزويلا ستموّل الدين الاكوادوري الضخم، فإن التزامه سياسة شبيهة بسياسة كاراكاس ليس امراً مؤكداً، حيث إنّه لن يكون نسخة جديدة من شافيز ولا من فيديل كاسترو، وهو يرغب في تطوير علاقات مع كل دول المنطقة بما فيها الحكومات اليمينية.
على العموم، ومع التباينات الموجودة بين معسكرات اليسار المختلفة التي باتت قاب قوسين عن «احتلال» جنوب القارة الأميركية، أصبح محسوماً أنّ «مبدأ مونرو» صار له معنى جديد: نعم عادت أميركا للأميركيين، عادت ثروات الدول الأميركية لشعوبها، ولم تعد كما نظّر مونرو في نهاية القرن التاسع عشر للأميركيين...الـشماليين.
* باحث لبناني