من المبكر الحديث عن تغيرات وشيكة في حركة الرساميل الدولية، فالتركّز الشديد لا يزال باتجاه الغرب والدول الرأسمالية في أوروبا وأميركا، إلا أن الأزمات التي تمرّ بها اقتصادات هذه الدول (وخصوصاً منطقة اليورو) بدأت تدفع باتجاه البحث عن مراكز جديدة للاستثمار و»توظيف الأموال». البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية (وهو بنك أسّسته الصين للحدّ من سيطرة الولايات المتحدة واليابان على أسواق آسيا عبر ذراعهما الاقتصادي المسمّى بنك التنمية الآسيوي) هو أحد هذه المشاريع والتعويل عليه ينبع من تركيزه على الاقتصاد الحقيقي، إذ إن الأموال التي «توظّف فيه» لا تذهب لشراء سندات دين لا يعرف إن كانت ستُسَدّد أم لا، وبالتالي «عوائده» ستكون «مضمونة» بالنسبة إلى الدول المساهمة فيه، وهذا أمر أساسي في ظلّ عدم رغبة تلك الدول بالمزيد من التعويل على الفقاعات المالية التي أدخلتها ولما تزل في أزمات بنيوية.


البنك يشبه من حيث آلية عمله البنوك الدولية الأخرى التي تموّل عمليات الإقراض للاقتصادات النامية والضعيفة، ولكنه من حيث الموقع الذي يشغله يعبّر عن انزياح حقيقي للكتلة المالية الدولية الباحثة عن أسواق جديدة. فالبنك الدولي مثلاً يتركّز عمله على أسواق شبيهة بالأسواق الآسيوية التي ينوي البنك الصيني الوليد التوسّع من خلالها غير انه يفعل ذلك - أي البنك الدولي- انطلاقاً من الأولويات التي تضعها الغالبية المسيطرة عليه، وبما أنّ هذه الغالبية غربية فهي حتماً ستكون انتقائية في اختيارها للدول التي تحتاج إلى أموال الإقراض. وحتى عندما تذهب الأموال إلى دول ليست على وفاق مع المراكز الرأسمالية في أميركا وأوروبا فإن المسارات التي توضع لها - أي للأموال - تكون مشروطة ومحدّدة سلفاً، وهذا ما يدفع بتلك الدول إلى التخلّي عن التعامل مع المؤسسات النقدية الدولية المهيمن عليها غربياً، واعتماد سبل أخرى للتمويل، هذا إن لم تمتنع أساساً عن الدفع - كما فعلت الأرجنتين - وتكتفي بالصيغ الإقليمية التي توفّر لها «مروحة تمويل واسعة» وغير مشروطة (في حالة الارجنتين تم الاعتماد على فنزويلا الحليف الإقليمي القوي والدولة الغنية بالنفط والعضو في مؤسّسة أوبك).

تبيّن لواشنطن أنها لم تعد
قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة للأسواق الدولية
في هذه الحالة، تصبح المنافسة المحتدِمة حالياً بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى على إنشاء بنوك للتنمية فرصة لتنويع سلّة الإقراض، فبدلاً من الاتكال على مركز واحد للتمويل تتوسّع العملية أكثر ويزداد الاعتماد فيها على المحافظ النقدية الصاعدة، وبالتالي تتقلّص القدرة على التحكّم بالأسواق واحتكارها. وهو بالضبط ما فعلته الصين حين أنهت احتكار الغرب لتسويق المنتجات الصناعية، ولكنها تُقدِم الآن على ما هو أهمّ وأوسع من مجرّد منافسة على الأسواق، فتَنقُل عبر إنشائها بنك الاستثمار الآسيوي الإشراف على المؤسّسات النقدية الدولية من الغرب إلى «الجنوب». هذا الانتقال ينهي عصراً كاملاً من تركّز الثروة بيد الغرب ويفتح المجال أمام صعود قوى أخرى مهتمّة بتنمية مناطق الجنوب ولكن عبر أدوات لا تخضع للأولويات الغربية الخاصّة بالنّهب والسيطرة واحتكار الأسواق الدولية.

الهلع الأميركي

هذه الخطوة لم تمرّ من دون أن تحدث جَلَبة في المراكز الرأسمالية المسيطرة وخصوصاً في الولايات المتحدة. فقد فوجئت الأخيرة عقب دعوة الصين العديدَ من الدول للانضمام إلى البنك بتلبية حلفاء أقوياء لها مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا للدعوة، وتبين لها أنها لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة للأسواق الدولية، إذ بات الجميع وليس فقط خصومُها السياسيون في حاجة إلى تنويع مصادر التمويل، وهذا يدخل في إطار المنافسة التي تقوم عليها الفكرة الرأسمالية أساساً. لكن في أميركا من لا يزال يعتقد بالعلاقة بين التوسّع الرأسمالي والاحتكار ويدعو إلى عدم الفصل بينهما رغم افتقاده الأدوات اللازمة لهذا الربط، وحتى لو وجدها فلن يستطيع إجبار الآخرين على التقيّد بها، بدليل عدم استطاعة أميركا إقناع أقرب حلفائها بالبقاء خارج الإطار الجديد الذي أنشأته الصين لمنافسة الولايات المتحدة في «مجال التنمية». وبدل أن تتفهّم واشنطن هذه الحقيقة وتُقرّ بعجزها عن مجاراة القوى الجديدة الباحثة عن تراكم رأسمالي «لا مكان فيه للاحتكار» نراها تهرب إلى الأمام، فتشجّع اليابان خصم الصين اللدود ليس فقط على عدم الانضمام إلى البنك الذي انضمّت إليه أعتى الرأسماليات الدولية (ألمانيا وسواها) بل أيضاً على منع الاحتكام إلى الطرق السلمية في فضّ المنازعات الحدودية مع الصين (وخصوصاً حول الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي). وهذا في الحقيقة إطار قديم للصراع ولكنه يصلح من وجهة النظر الأميركية لاستنزاف الصين من الناحية الاقتصادية عبر دفعها لسباق تسلّح مع اليابان، الأمر الذي سينعكس على أولوياتها الاقتصادية ويدفعها للتركيز على الإنفاق الدفاعي بدل الاهتمام بالتنمية الداخلية وخلق الفوائض التي تساعد في التوسّع الرأسمالي في المحيط. هذا التوسّع هو الذي يقلق الولايات المتحدة ويجعلها تتمسّك بالإطار القديم للصراع رغم عدم جدوى الاعتماد عليه في كثير من الأحيان. واتكالها عليه مرتبط بطبيعة التهديد الذي تراه داهماً ولا يقلّ عن التهديد العسكري نفسه، فالسيطرة الاقتصادية حالياً هي الأساس وعليها يتوقّف حجم النفوذ السياسي من عدمه، وخصوصاً في مناطق تشهد تحوّلات اقتصادية وسياسية كبيرة مثل جنوب شرقي آسيا. بهذا المعنى لا تعود المنافسة التي تدعو إليها الصين وسواها من القوى الصاعدة أداةً صالحة للحفاظ على المصالح والنفوذ، وتصبح العودة إلى الإطار القديم وإن عن طريق وكلاء هذه المرّة هي الخيار الأفضل بالنسبة إلى الولايات المتحدة في ظلّ انعدام القدرة على منافسة الصين مباشرةً في محيطها الحيوي.

الدفع باتجاه العسكرة

في هذا السياق، يأتي القول بأنّ المشاريع الاقتصادية الأميركية في آسيا باتت مهدّدة «بالتوسّع الصيني» الذي تعتقد واشنطن أنه «سيبتلع الأسواق»، وهو بالضبط التعبير الذي استخدمه وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر في معرض حديثه أخيراً عن التحديات التي تواجه اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادئ»، والمقصود بالشراكة هنا مشاريع التعاون الاقتصادي بين الولايات المتحدة واليابان في جنوب شرقي آسيا. يقول الرجل: «الوقت ينفد... نحن نرى منذ الآن دولاً في الإقليم (شرق آسيا) تحاول ابتلاع هذه الأسواق». ثم يردف: «إن فشل الولايات المتحدة في تنفيذ مشروعها للتجارة الحرة مع الإقليم يخرجنا من اللعبة... المشروع بالنسبة إلي بأهمية حاملة طائرات أخرى». هذا الوضوح يظهر إلى أيّ مدى تعتمد الولايات المتحدة في صراعها مع الصين على الأدوات القديمة، فكارتر يربط في كلامه بين الأمن القومي لأميركا وسيطرتها الاقتصادية على شرق آسيا، ولا يرى تعارضاً بين الاعتماد الأميركي المتزايد على «تسليح اليابان» - إشارته الرمزية إلى حاملة الطائرات تقع في هذا السياق - وحرية التجارة التي تسمح للصين في ظلّ نظام عالمي يقوم على المنافسة ومنع الاحتكار «بفعل ما تشاء» شريطة ألا يضرّ هذا الفعل بالمصالح الاقتصادية لشركائها التجاريين. هو يعبر - أي وزير الخارجية كارتر - عن سياسة الإدارة الحالية التي تركّز في هذه المرحلة على منطقة شرق آسيا حيث النفوذ الصيني الذي يمنع حلفاء أميركا التقليديين (اليابان وكوريا الجنوبية بدرجة أقلّ) من تحقيق التراكم الرأسمالي الذي تريده واشنطن، فالأرباح التي تُحقّقها المشاريع الصناعية هناك لم تعد تكفي الحاجة الأميركية، وبات من الضروري مضاعفتها عن طريق إجبار الحلفاء على الإذعان تماماً لرغبة واشنطن في «الصدام العسكري مع الصين». ورغم أنّ المصلحة اليابانية المباشرة تتعارض مع فكرة الصدام إلا أنها مضطرة إلى مسايرة الولايات المتحدة، على الأقلّ في رغبتها بجرّ الصين إلى سباق تسلّح، وهذا قد لا يفضي إلى حرب أو صدام مباشر ولكنه سيمنع بكين من استثمار مواردها وفوائضها المالية بالشكل الأمثل، ويبقيها رهينة هذا السباق الذي انجرّ إليه الاتحاد السوفياتي في الماضي، وكانت النتيجة انهياره وإبقاء روسيا التي ورثته خارج قطار التنمية والتصنيع لسنوات طويلة. بالطبع هذا لن يجعل الصين تتراجع عن مشروعها للتوسّع في آسيا ولكنه سيمنعها من الإبقاء على المنافسة التجارية كخيار وحيد في مواجهة أميركا وحلفائها في الإقليم، وفي هذه الحالة ستضطر إلى خوض معركة على أكثر من صعيد. فلديها من جهة الصراع على الأسواق والذي تبدو قادرة على حسمه أكثر من أميركا، ومن جهة أخرى هنالك النزاع الحدودي مع اليابان الذي تريد واشنطن تحويله إلى «صراع عسكري محدود» بما يضمن منع بكين من الوصول إلى المزيد من الأسواق والحدّ من قدرتها على استقطاب حلفاء الولايات المتحدة.

خاتمة

ورغم ذلك تواصل الصين صعودها الاقتصادي معتمدةً على المسار السلمي المرتكز إلى التنمية الداخلية، وتحاول توسيع هذا المسار عبر نقل تجربة النمو في الداخل إلى الإقليم من خلال مشاريع كالبنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية و«طريق الحرير» وغيرهما. هذا الصعود لم يعد فقط حاجة داخلية أملتها شروط التراكم الرأسمالي في الداخل بل أصبح ضرورة إقليمية في ظلّ انحسار هيمنة طرف بعينه على مجمل العملية الاقتصادية في العالم. فبعد صعود الصين ستصعد روسيا بعدما تكون قد انتهت من تأثير العقوبات الغربية على اقتصادها، وبعدهما ستفعل البرازيل وجنوب أفريقيا وهكذا دواليك، إلى أن يتأكّد للجميع أن التركّز الرأسمالي للثروة في الغرب لم يعد ينفع في تقديم حلول سلمية ومتّفق عليها للصراعات الدولية. وهذا يعني حكماً انتهاء الحقبة التي كان يقترن فيها التراكم الرأسمالي بالقوّة العسكرية التي تضع على الدول شروطاً معينة للوصول إلى الثروة، ويحصل بالتالي التفاوت الذي ميّز الحقبة السابقة من العلاقات الدولية واضعاً البيض كلّه في سلة واحدة. الآن وبفضل صعود الصين وغيرها لم يعد استخدام القوّة أو حتى التلويح بها مجدياً كما كان، وباتت إمكانية الوصول إلى الأسواق المالية أسهل من السابق، ولذلك بدأت الكتلة النقدية تتحرّك بسهولة أكثر باحثةً عن «استثمارات مضمونة» وبعيدة عن الاحتكار الذي كانت تمارسه الولايات المتحدة على نطاق واسع. ومن هذا المنطلق فإنّ انضمام حلفاء أميركا المباشرين إلى مشاريع تنمية تموّلها الصين يعد بكلّ المقاييس «تغيّراّ جذرياً» في طبيعة النظام الرأسمالي الدولي، فهذا الأخير أصبح مع هذه الخطوة متعدّداً بالفعل وخاضعاً تماماً لمنطق المنافسة الذي كانت تمنعه الولايات المتحدة، رغم أنه يشكّل جوهر الرأسمالية التي تعتنقها.
* كاتب سوري