زياد سعيد


تكاد المخارج المنطقية أن تكون معدومة، فساكن القصر أو محتله «مرتاح» وهو يعد بمواصلة تعنّته. وليس في الأفق ما يشير الى ان هذا المحتل في وارد التخلي عن تعنّته. محتل القصر الذي هو نفسه حبيس التعنّت، وحبيس الاستئثار الذي قاد نحو حشر البلد في الزاوية الأصعب، ماضٍ في تنفيذ الدور الموكل إليه، غير آبه بما يمكن أن يجرّه على البلد من احتمالات لا أقلّها التبديد النهائي لما تبقى من مقومات السلم الأهلي.
محتل القصر «مرتاح»، وبين التحريض المذهبي والآخر يختلس النظر الى جموع المعتصمين، وهو إذ يفعل فإنه يتابع ما سبق لأسلافه فعله حين مارسوا مع شركاء الأمس البعثيين اختلاس الدولة وفكرتها.
لعل ما يزيد في تفاقم الأزمة التي تعصف بالبلد، ويحول دون إيجاد المخرج اللائق، أو المناسب، الذي يحفظ للبلد سلمه الأهلي وكذلك طبيعته «التوافقية» التي قام عليها، يعود في جزء منه، الى تواضع قدرات الفريق الحاكم وقلة حيلته السياسية، وخصوصاً أن معظم أركانه يتحدّر من مواقع وظيفية تابعة، فهذا الفريق في تطوعه لمهمة كبيرة بهذا الحجم وهذا المضمون، وتطال أساسيات لبنانية كيانية، يُدخل المصير الوطني الهش في امتحان بالغ العسر، وهو امتحان سوف يكون له ما بعده، سواء على حاضره الصعب أو مستقبله الأصعب، وخصوصاً ان قوى السلطة ماضية في دفاعها عن مواقعها مستخدمةً وسائل وأساليب تقوم على التحريض والشحن المذهبي الصرف، وهو ما يتبدى يومياً سواء من خلال الحملة الإعلامية المنظمة التي تتولاها وسائلها، أو من خلال فبركة واستحضار جماعات المشايخ ورجال الدين، وجعلهم متاريس تطلق من ورائها النيران التي أصابت إحدى صلياتها المواطن أحمد محمود.
الاستئثار الفج هو مكمن المشكلة ومعقدها، وكل كلام آخر هدفه التعمية ليس إلا، فـ«الدولة» كهدف معلن لقوى الأكثرية الانقلابية، دولة لفظية تستبطن تمديد القبض أو الإمساك بمفاصل السلطة، تلك التي لم يتغير جوهرها الأصلي منذ الصيغة التي نظمت أو استولدت الاجتماع اللبناني، لتأسره في قوالب صراعية خاصة، تقوم على الطائفية والعشائرية وغيرها من أشكال الاجتماع التافه، بما يضمن دوام السيطرة الى أطول فترة ممكنة. الإحياء الجاري للعصبيات واحد من روافد هذا الهدف الذي يسعى اليوم وبوضوح كلي الى تحقيق ما عجزت عنه آلة الحرب الاسرائيلية في حربها الأخيرة على لبنان.
تقترح «الأكثرية» على لبنان تغيير هويته العربية، أي بتعبير آخر أقل ديبلوماسية، تغيير جلده، اللافت والواضح أن ما تقترحه هذه الأكثرية هو بالضبط ما تحاوله الإدارة الأميركية، وتسعى إليه عبر اقتراح الحرب الشاملة التي أغرقت كل المنطقة العربية وتهدد بإغراق بقية العالم أو بعضه.
تغيير الجلد مهمة شاقة وعسيرة، ولأنها كذلك فالأكيد أنها محكومة بالفشل، وهناك في التاريخ سوابق كثيرة تؤكد استحالتها. تغيير الجلد يستلزم إلغاء التاريخ، أو محوه، وليس هناك من أمثلة يعتدّ بها، فكل الأمثلة التي جربت سلوك هذا السبيل أفضت الى الفشل المحقق والذريع.
يستحيل تصديق محاولات البعض رد التهمة، أو القول إن التطابق هذا بين المشروعين لا يعدو ان يكون وليد صدفة، إذ لا يخفى أن للصدفة قوانينها المختلفة.
شريط الوقائع التي أوصلت الى هذا الانسداد المتعمّد، يوضح ان «رجلنا» لا يملك أن يقرر شيئاً، إنه مجرد ناطق، وصوت من يملك القرار، ولهذا السبب الجوهري يستحق بعض العطف، فالرجل مجرد صورة عن حاكم أصلي، له موقع خاص يمنعه من الظهور، فيما «رجلنا» الذي بدأ صوته يعلو مجرد موظف جعلته «المهمة» يتصدّر المشهد. الرجل محكوم، وهو في مجمل ما يقوم به إنما ينفذ أمراً صدر، إلا أن العبرة في التنفيذ المتقن، الذي يضمن استكمال الإيقاع الاقتصادي بإيقاع سياسي مماثل.