وليد شرارة


ابتعاد قطاعات لا يستهان بها من الشعوب الغربية عن المشاركة السياسية، وخاصة في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية، ظاهرة أثارت اهتمام عدد كبير من الخبراء والباحثين منذ مدة غير قصيرة. التفسير الذي توصل إليه غالبية هؤلاء هو أن القطاعات المذكورة تشكو من انحطاط السياسة في بلدانها، أي من عدم تعبيرها عما تعتبره المصلحة الوطنية العامة والحد الأدنى من المبادئ والقيم، ومن كونها باتت أسيرة للمصالح الضيقة للنخب السياسية الحاكمة أو تلك المعارضة. والمواقف التي عبّرت عنها المرشحة الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال خلال زيارتها المنطقة مثال جديد على بؤس أو انحطاط السياسة بالمعنى المشار إليه سالفاً. ليس من المبالغة القول إن سيغولين رويال لا تفقه الكثير عن شؤون المنطقة وشجونها وهي قررت زيارتها عملاً بنصائح مستشاريها وانطلاقاً من حسابات انتخابية صرفة فقضية «الشرق الأوسط»، كما تسمى في فرنسا، باتت منذ سنوات قضية داخلية في هذا البلد بحكم وجود طائفة يهودية ذات نفوذ وتأثير ونسبة كبيرة من المواطنين الفرنسيين المسلمين من ذوي الأصول العربية الذين يزداد انخراطهم في الحياة الاجتماعية والسياسية الفرنسية، وبسبب العلاقات التاريخية لفرنسا مع المنطقة وتطلعها إلى تعظيم نفوذها ومصالحها فيها. الغالبية الساحقة في النخبة السياسية الفرنسية تخلت عن «وهم» السياسة العربية لفرنسا وارتضت خفض سقف الطموح الاستقلالي لبلدها واعتماد منطق الشراكة مع الولايات المتحدة ولو من الموقع الأدنى.
هناك بعض الفرق بين مرشحي اليمين التــــــــقليدي والاشتــــــــــراكيين من جهة، ومرشح كــــــــــنيكولا ساركوزي من جهـــــــــــة أخرى، وهـــــــــــو مجرد نسخة فرنسية عن المحافظين الجدد يدعو للالتحاق غير المشروط بالسياسة الأميركية، لكن الأولـين لا يفوّتون مناسبة للتأكيد أن سياستهم الخارجية لن يقودها «الحنين الماضوي الى العظمة».
سيغولين رويال لا تشذّ عن هذا الخط. بعض المعلّقين العرب رأى في استعدادها للقاء مجرد ممثلين عن حزب الله أو عن حماس (عادت وتراجعت عن هذا الاستعداد بالنسبة إلى حماس) تمايزاً عن المواقف الفرنسية والأوروبية الرسمية، وهو أمر يجانب الواقع، إذ دافع هذا الاستعداد في الحقيقة هو الرغبة في صيد أصوات المواطنين ذوي الأصول العربية الذين يتمتع حزب الله في أوساطهم بشعبية قل نظيرها. وقد كانت عدة دراسات قد أظهرت أن أحد أسباب هزيمة المرشح الاشتراكي الفرنسي للانتخابات الرئاسية عام 2002 ليونيل جوسبان هو عدم تصويت المواطنين ذوي الأصول العربية له، وهم جزء من الجمهور الانتخابي التقليدي لليسار. تكرمت رويال على العرب والمسلمين بمقابلتها لجنة برلمانية لبنانية تضم ممثلاً عن حزب الله، ما أثار عاصفة انتقادات في فرنسا، ثم ذهبت الى اسرائيل حيث قدمت الالتزامات الجدية بمعارضة المشروع النووي السلمي الإيراني وبدعم بناء جدار الفصل العنصري شرط «تعديل» مساره.
وعلى الرغم من هذه الالتزامات الجدية، لم تــــــــنجح في استرضاء المنظمات الصهيونية الفرنسية لدرجة ضمان دعمها خلال الحملة الانتخابية. هذه المــــــنــــــــظمة تــــــتلقى اليوم «العروض» من اليمين واليسار. وبعد تصريحات رويال البائسة والغبية عن المشروع النووي الإيــــــــــراني انبرى نيكولا ساركوزي يستنكر اللقاء مع ممثلين عن حـــــــــــزب الله ويقارن بين الحزب والنازية.
الاختلافات بين البرامج السياسية للأحزاب الفرنسية أصبحت محدودة جداً وبات أحد المجالات النادرة للتنافس والمزايدة بينها هو دعم اسرائيل.