مشير باسيل عون *


يشهد المجتمع اللبنانيّ في هذه الأزمنة الأخيرة توتّراً سياسيّاًَ واجتماعيّاً وفكريّاً قلّ نظيره في التاريخ السياسيّ اللبنانيّ الحديث. ومع أنّ لكلّ محطّة تاريخيّة لبنانيّة شدّتها وصعوبتها ومأزقها، فإنّ تشابك الأحداث السياسيّة الأخيرة في لبنان ينبئ بأنّ المحنة السياسيّة الأخيرة هي من أخطر الشدائد التي ألمّت بلبنان. وليس الموضع هنا موضع التبصّر النافذ في مطاوي الحدث السياسيّ الراهن. فالمسافة التاريخيّة ما زالت قصيرة المدى، والانعتاق الموضوعيّ من سطوة الانفعال الآنيّ ما انفكّ بعيد المنال، والقدرة على الحكم السياسيّ الصائب ما فتئت في طور النشوء. بيد أنّ أخطر ما يمكن أن يتناوله الإدراك السياسيّ المحايد في معترك التوتّر السياسيّ اللبنانيّ هو التصلّب الإيديولوجيّ الذي يصيب الصرحَ الجامعيّ ويُنهك الفعلَ الجامعيّ ويثبّط المسعى الفكريّ. فالجامعات اللبنانيّة أضحت اليوم مسرحَ التصارع بين الأحزاب السياسيّة المؤدلجة حتّى العمى الفكريّ، عوضاً من أن تظلّ هي موضع التفاعل بين التيّارات الفكريّة السياسيّة اللبنانيّة. ولذلك يسأل الباحث الجامعيّ الذي لا ينتمي انتماءَ المبايعة والخضوع والائتمار، يسأل عن معنى الحياد السياسيّ في الصرح الجامعيّ، ويسأل عن شرعيّة المقاومة الفكريّة الجامعيّة، ويسأل عن فاعليّة الإسهام الجامعيّ في إحياء العمل السياسيّ والالتزام السياسيّ.
ومن بدائه الأمور أن تظلّ الجامعة في لبنان منتدىً للتلاقي الإنسانيّ الجريء، ومنفسحاً للتفاعل الفكريّ الخلاّق، وحقلاً للتلاقح الثقافيّ المثمر. ذلك أنّ الجامعة، في صلب جوهرها، تؤمن بحرّيّة الفكر، وتُقرّ بإمكانات شتّى لتجلّيات الحقيقة الفكريّة في مختلف أوضاع الوجود الإنسانيّ التاريخيّ. وللحقيقة الإنسانيّة خصوصيّتها الثقافيّة في موقع تجلّيها اللبنانيّ. وهي خصوصيّةٌ يجب على اللبنانيّين الإقلاع عن تمجيدها على غير مبرّر ولا جدوى. وممّا لا شكّ فيه أنّ حرّيّة الفكر هي التي تضمن التنوّع في مختلف تجلّياته. ومن أخطر تجلّيات التنوّع الفكريّ الاختلافُ في المذاهب السياسيّة. وليس هذا الاختلاف سوى الدليل الدامغ على خصوبة الفكر. وبناءً عليه، فإنّ جميع أهل الفكر في لبنان يصرّون على القول بأنّ الجامعة ينبغي لها أن تؤمن بحرّيّة الفكر، وبأنّ حرّيّة الفكر هي التي تضمن التنوّع، وبأنّ التنوّع هو الذي يضمن شرعيّة الاختلاف بين المذاهب السياسيّة ويُبطل كلّ ضروب الإقصاء.
هذا في المبدأ السليم. أمّا في الواقع، فإنّ الخصوصيّة الطائفيّة اللبنانيّة لا تني تُضفي على الفعل الجامعيّ اللبنانيّ غشاءً من الغموض وتقيّده بأثقال الإرباك. فالجامعة في لبنان هي الصورة المطابقة للواقع الطائفيّ اللبنانيّ. وقد يعسر على الجسم الجامعيّ أن يلتزم الحيادَ السياسيّ، لأنّ التوتّر المتفاقم في المجتمع اللبنانيّ يصيبُ الفعل الجامعيّ في عمق قوامه وصميم حراكه. وإذا تغاضى العقلُ الجامعيّ اللبنانيّ عن انفعالات الطلّاب الغرائزيّة، فإنّه لا يستطيع أن يبرّر لأساتذة الجامعة ومفكّريها وباحثيها ومسؤوليها الاستسلامَ لوجدانيّات الأمانة للمذهب السياسيّ والمواظبة على العصبيّة الحزبيّة. وما دامت الصروح الجامعيّة اللبنانيّة لم تدرك بعد أنّ الفكر الجامعيّ أسمى من الفكر السياسيّ، وأنّ الفكر السياسيّ الفلسفيّ أرفع من الفكر السياسيّ الحزبيّ، وأنّ الفكر السياسيّ الفلسفيّ العَلمانيّ أرحب من الفكر السياسيّ الفلسفيّ الطائفيّ، لن يستطيع طلاّب الجامعات اللبنانيّة أن ينعتقوا من سطوة المبايعة السياسيّة على عقولهم وأرواحهم وأجسادهم. وكما أنّ الواقع الاجتماعيّ الثقافيّ السياسيّ في لبنان ليس كالواقع الاجتماعيّ الثقافيّ السياسيّ في أوروبا، كذلك الجامعة في لبنان ليست كالجامعة في أوروبا. وإذا ما صحّ أنّ الجامعة في أوروبا استطاعت أن تبرّر لذاتها فعلَ المبايعة السياسيّة، فإنّ العقل الجامعيّ اللبنانيّ لن يستطيع أن يبرّر للجامعات اللبنانيّة شيئاً من هذه المبايعة لأنّ المجتمع اللبنانيّ المقيّد بسلاسل الطائفيّة الظالمة بات يُعوزه اليوم تطهيرٌ للوجدان من أثقال السياسة اللبنانيّة الطائفيّة، فيما المجتمع الأوروبي المتحرّر من آفات الطائفيّة يحتاج إلى شيء من الالتزام السياسيّ الأخلاقيّ في سبيل الحفاظ على بنيةٍ تنظيميّة في المجتمع الغربيّ المتقدّم تتيح للوجدان الفرديّ أن يتحسّس قضايا الإنسانيّة المعذّبة في مطلع الألف الثالث وينتصر لها ويناضل من أجلها.
وإذا ما أراد الجامعيّون اللبنانيّون أن يتّعظوا بأمثولات التزام الجامعيّين الفرنسيّين السياسيّ وأن يقارنوا بينها وبين إقبالهم على شيء من الالتزام الجامعيّ في المجتمع اللبنانيّ، وجدوا أنّ الالتزام الجامعيّ الفرنسيّ تجلّى في النقد الفلسفيّ السياسيّ للأحزاب السياسيّة اليمينيّة واليساريّة، فيما الالتزام الجامعيّ اللبنانيّ غالباً ما انعقد على الدفاع المستميت عن الذاتيّة السياسيّة الحزبيّة. فالتوَت المفاهيم، وتشوّهت الأدلّة، وانحرفت البناءات الفكريّة عن مقاصدها المعرفيّة الشريفة. ولشدّة ما التصقت الطائفيّة بالجسم الجامعيّ اللبنانيّ، انقلب استخدام المقولات والكلمات تسخيراً فاضحاً لمصالح الإيديولوجيا السياسيّة الحزبيّة.
وينضاف إلى هذا الاختلاف الجوهريّ بين الالتزامَين اللبنانيّ والأوروبي اختلافٌ آخر يصيب الوجدان الجامعيّ. فإذا كان الالتزام السياسيّ الجامعيّ في أوروبا قائماً على مساندة التصوّر الحزبيّ، فلأنّ الحزب السياسيّ في أوروبا يخضع لتأثير الفكر السياسيّ، والفكر السياسيّ يخضع لتأثير الفكر الفلسفيّ، والفكر الفلسفيّ يخضع للمراجعة النقديّة التي تُعرّي العمارةَ الفلسفيّة حتّى أقصى مفترضاتها المعرفيّة المكتومة. أمّا المبايعة السياسيّة الجامعيّة في لبنان، فإنّها تدّعي الرغبة الصادقة في مناصرة التصوّر الحزبيّ. غير أنّ أغلب الأحزاب السياسيّة اللبنانيّة تنهض إمّا على قبائليّة طائفيّة تتصوّن للحفاظ على الذات الطائفيّة، وإمّا على إيديولوجيا دينيّة أصوليّة، وإمّا على إيديولوجيا قوميّة تسلّطيّة، وإمّا على تكتّل منفعيّ مخترق للطوائف. ولذلك تنقلب المعادلةُ الفكريّة انقلاباً فاضحاً، فإذا بالمراجعة النقديّة هي التي تخضع لثوابت الفكر الفلسفيّ المزعوم، وإذا بالفكر الفلسفيّ المزعوم هو الذي يخضع للفكر السياسيّ المهيمن، وإذا بالفكر السياسيّ المهيمن هو الذي يخضع لمصالح الحزب السياسيّ، وإذا بالحزب السياسيّ هو الذي يخضع لمنطق الولاء المطلق للزعيم أو العيلة أو العشيرة.
وفي الاختلاف الثالث الذي يُبطل مقارنةَ الاقتداء بالالتزام السياسيّ في الجامعة الأوروبيّة تبرز بروزاً مقلقاً مخاوفُ الانفتاح الفكريّ الذي قد يُفضي إلى التضحيّة بالذات الفرديّة والجماعيّة. فالالتزام السياسيّ في الصرح الجامعيّ الأوروبيّ، حين يبلغ به الانتقادُ الذاتيّ حدود المسّ بمفترضات الفكر الفلسفيّ الذي يغتذي منه فكرُ الأحزاب السياسيّ، لا يسترهب البتّة أخطار الإقصاء الجسديّ والانحسار العدديّ والذوبان والتلاشي والاقتلاع القاطع. أمّا الالتزام السياسيّ في الصرح الجامعيّ اللبنانيّ، فإنّه يسترهب هذه الأخطار كلّها لأنّه التزامٌ مقيَّدٌ بضرورات الحفاظ على الوجود الجسديّ للطوائف اللبنانيّة، وبضرورات الدفاع عن حقوق المشاركة السياسيّة لهذه الطوائف. ولذلك يندر أن ينهض في الصرح الجامعيّ اللبنانيّ التزامٌ فكريّ سياسيّ يجرؤ على افتضاح آليّات التفكير السياسيّ الطائفيّ في أبعد خلفيّاته الدينيّة انحجاباً عن الوعي اللبنانيّ. وخلاصة القول أنّ الصرح الجامعيّ اللبنانيّ يتنازعه موقفان متقابلان في الالتزام السياسيّ. فهو إمّا أن يلتزم التزامَ الإعراض عن جميع ألوان المبايعة السياسيّة، فينتقد هذه المبايعة انتقاداً صارماً يُظهر مخاطر الالتواءات الطائفيّة التي تستوطن الولاءات الحزبيّة اللبنانيّة، ويُفصح عن الرغبة في البلوغ إلى نضج فكريّ أصيل يُلزمه المحايدة السياسيّة، وإمّا أن ينخرط في مشروع الالتزام السياسيّ انخراطاً كاملاً يؤهّله لأن يحيي الفكرَ الفلسفيّ في لبنان، ويقوّم الفكرَ السياسيّ في لبنان، وينزّه الفكرَ الحزبيّ في لبنان، ويُفضي به إلى صياغة مشروع سياسيّ عَلمانيّ مدنيّ يحرّر السياسة اللبنانيّة من آفات الطائفيّة البغضاء. فإمّا الانكفاء السياسيّ الناقد، وإمّا الالتزام السياسيّ الناقد. وفي كلتا الحالتين يجب الاعتصام بالنقد الذاتيّ والنقد الموضوعيّ.
وإذا ما أتى الأمر على هذا النحو، كان على الصرح الجامعيّ اللبنانيّ أن يجتنب الولاءات السياسيّة اللبنانيّة على اختلاف منازعها وتنوّع مطامحها. وليس أجدى على الفعل الجامعيّ اللبنانيّ من الإكباب الصبور على شرعة حقوق الإنسان يستلهم روحيّتها ونصوصها والمواثيق المستولدة منها، فيدخلها إدخالاً حصيفاً فطناً في دوائر التشريع اللبنانيّ، وفي آليات التربية اللبنانيّة وموادّها ومناهجها، وفي بنى المجتمع اللبنانيّ برمّته حتّى تسري سرياناً فاعلاً في شرايين الذهنيّة اللبنانيّة. ومتى تغيّرت الذهنيّة اللبنانيّة استقام الفعلُ السياسيّ، واستطاعت الجامعة تبرير التزامها السياسيّ على الطريقة الأوروبيّة. وأمّا المضامين السياسيّة المرتبطة بإيديولوجيّات الأحزاب وانتماءاتها ومناهجها، فليس للجامعة أن تنحاز إليها أو أن تقيس عليها مسلكها، لأنّ انحياز الجامعة السياسيّ إبطالٌ للفعل الجامعيّ في سموّ دعوته الثقافيّة.
وأمّا إذا ارتضى الفاعلُ الجامعيّ أن يكون لفعله شيءٌ من الأثر السياسيّ الطيّب، فله أن يلتزم التزاماً سياسيّاً واحداً لن يعثر عليه في أيّة مبايعة حزبيّة مهما سمت مقولاتُها ونبهت معانيها واستقامت مسالكُها. وهو التزامٌ عنيتُ به السعي الحثيث إلى تصويب الفهم السياسيّ للإنسان اللبنانيّ، وتوجيه المدارك اللبنانيّة الفرديّة والجماعيّة نحو الشرعة الكونيّة لحقوق الإنسان. ولا عجب، من ثمّ، أن يأتي الالتزام الجامعيّ اللبنانيّ تنديداً صارماً بجميع التواءات الفكر السياسيّ اللبنانيّ. ولذلك ليس للجامعة من التزام سياسيّ في لبنان سوى الالتزام الذي يجعلها تصحّح الاعوجاج الحزبيّ اللبنانيّ، وتقاوم الشرّ الطائفيّ اللبنانيّ، وتناصر شرعة حقوق الإنسان الكونيّة، وفي مقدّمة هذه الحقوق تنتصب حرّيّة الفكر.
* أستاذ الفلسفة والحوار -
في جامعة الروح القدس (الكسليك)