زياد حافظ*


أثار تقرير لجنة بيكر ــ هاملتون عن الواقع العراقي عاصفة في الولايات المتحدة بين النخب الحاكمة سواء كانت في الإدارة أو في مراكز الأبحاث والفكر (think tanks) التي نظّرت للحرب على العراق واحتلاله. والتقرير يفضح عدة أمور كانت قد سوّقتها الإدارة عبر وسائل الإعلام وتلك المراكز حول جدوى «المغامرة المحسوبة» التي تبيّن أنها كانت فاقدة للواقعية وكأن الإدارة تتحرك في فراغ مطلق غير آبهة برأي شعوب المنطقة ومصالحها. لن أستفيض في سرد السجال الدائر حالياً في الأروقة الأميركية لأن مختلف وسائل الإعلام قامت بذلك. لكن ما سأشير إليه هو محصلة مشاهد وتعليقات وحوارات مع معلّقين مطّلعين على خفايا الأمور يمكن الاستخلاص منها توجّهات الخطاب الجديد الذي تعدّه النخب الحاكمة للخروج من الورطة العراقية التي أخذت أبعاد كارثية بالنسبة إلى مستقبل وجود ونفوذ الولايات المتحدة في المنطقة في المدى القريب والمنظور.
جميع الفرقاء المعنيين بالسياسة الخارجية في الولايات المتحدة يبحثون عن مخرج «معقول» يقلّل من حجم الكارثة التي حلّت بالسياسة الخارجية الأميركية. وعلى ما يبدو هناك توجّه، قد تسلكه الإدارة الحالية (وربما المقبلة مهما كان انتماؤها السياسي)، نحو تحميل العراقيين مسؤولية تدهور الأمور في العراق و«نفض اليد» من المأزق العراقي. ولكن قبل ذلك، وتلبية لرغبات الرئيس الأميركي وبقايا فلول المحافظين الجدد الذين أصبحوا خارج الإدارة ولكن ما زالوا يحتلّون مواقع إعلامية بارزة، ستبادر الإدارة إلى دفع المزيد من الجنود إلى معركة بغداد المتعثرة لضبط الأمن. وحجم القوات الإضافية المطلوبة يراوح بين عشرين وثلاثين ألف جندي، إضافة إلى الثمانية آلاف الموجودين حالياً في بغداد. وسيرافق ذلك الانتشار الجديد الذي يؤذي جهوزية القوات الأميركية لانتشار جديد سواء في العراق أو في مكان آخر (ربما أفغانستان) أو أي موقع تدخّل ممكن في العالم، سيرافق ذلك الانتشار الجديد تحديد «معالم في الطريق» إذا جاز الكلام للحكومة العراقية. أي بمعنى آخر ستحدد الإدارة الأميركية للحكومة العراقية التزامات من إجراءات عدة (بما فيها قانون نفطي جديد يتيح للشركات الأميركية العملاقة «الاستثمار» في الحقول العراقية!) لتفي بها وضمن مهل محددة وإلاّ فقدت دعم الإدارة لها. وتتوقع تلك النخب بما فيها بعض من ساهم في إعداد تقرير بيكر وهاملتون أن يفشل التموضع والانتشار الجديد الأميركي في بغداد، وبإمكان الإدارة عندئذ الادعاء أنها بذلت كل ما في وسعها لتحقيق «الاستقرار» (لاحظ أن عبارة «النصر» غائبة) وأن الفشل هو مسؤولية الحكومة العراقية بشكل خاص والعراقيين بشكل عام. فالعراقيون هم المعنيون أولاً وأخيراً بحفظ الأمن ونشر الديموقراطية وأن الفشل السائد يعود إلى عدم نضج المجتمع العراقي وإن كان هذا الكلام لا يخلو من المغالطات في حق العراقيين وشيء من العنصرية المتعالية تجاه شعوب المنطقة. هذا ما تعتقده تلك النخب هو ما قد يحفظ ماء الوجه للإدارة ويسمح بمباشرة الخروج من المستنقع العراقي!
أما إذا استمرّ الرئيس بوش بالمكابرة والتعنّت فإن البيئة المسيطرة قد تملك عندئذ حججاً لفرض الانسحاب حفاظاً على المصلحة الاستراتيجية والأمن القومي. وإن الفترة الزمنية المقبلة ستشهد المزيد من الضعف لدى الرئيس بوش لمنعه من المكابرة والتعنت ــ أي هناك ما يشبه الانقلاب المقنّع على سياسة الإدارة تقوده النخب والكونغرس ووسائل الإعلام الأميركي. وهذا الانقلاب قد يأخذ شكلاً مباشراً كالمحاكمة إذا ما بانت نيّة بوش الإقدام على حماقة جديدة في المنطقة كضرب إيران نووياً. بعض العالمين بخفايا الأمور في الولايات المتحدة يقولون إن بوش اتخذ هذا القرار من دون تحديد الفترة الزمنية. ولكن مع التغيير الذي حصل في وزارة الدفاع فمن المستبعد أن يوافق روبرت غيتز الوزير الجديد على تلك الخطوة ولكن يقول العالمون بأنه لا يمكن إغفال الحماقة إذا ما اعتبر بوش أنه ليس لديه ما يمكن أن يخسره.
بالمقابل هناك داخل القوى اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة والمقرّبة من فلول المحافظين الجدد واللوبي الصهيوني من يقلّل من أهمية التقرير ويتنبأ بتحويل التقرير إلى سلة الإهمال وأن الحديث عنه لن يستمّر أكثر من أسبوع. هذا ما قاله طوني بلاكي كبير المحررين في صحيفة «واشنطن تايمز» المقرّبة من اللوبي الصهيوني وأحد أبواق المحافظين الجدد. لكن على ما يبدو ليس هناك من يشاطره ذلك الرأي من القيادات الديموقراطية وحتى الجمهورية. فالزلزال الذي أحدثته الانتخابات النصفية ما زالت تداعياته تنجر على كل المستويات السياسية داخل الولايات المتحدة وخارجها. فالمأزق العراقي خرج عن سيطرة النخب الحاكمة ووسائل إعلامها المتعاطفة معها ليصبح موضوع النقاش داخل كل أسرة في الولايات المتحدة. ولقد كشف تقرير بيكر وهاملتون حدود سياسة القوة المفرطة بل كشف عورتها العسكرية والاستخبارية والسياسية المتعالية التي استهترت برأي أقرب حلفاء الولايات المتحدة سواء في أوروبا أو في المنطقة العربية. فالتقرير يوصي بالعودة إلى «الدبلوماسية» وتجنيد الحلفاء في المنطقة والعالم والمؤسسات الدولية. وهذا ما لا تريده بقايا المحافظين الجدد وبعض الدول العربية. فهناك مجهود كبير يبذل لمنع الإدارة من التفاوض مع كل من إيران وسوريا بحجة عدم جدوى التفاوض مع أعداء الولايات المتحدة في المنطقة. لكن موقف بيكر كان حاسماً في هذا الموضوع وهو أن الولايات المتحدة تفاوضت لأكثر من أربعين سنة مع من كانت تعتبره عدوّها الوجودي أي الاتحاد السوفيتي الذي كان يملك ترسانة نووية موجّهة ضد أميركا وحلفائها. وبالتالي لا يجب التقليل من قيمة التفاوض مع كل من إيران وسوريا وإن كان هناك إقرار بأن قدرة الأذى لكل من الدولتين الإقليميتين أكثر من قدرتهما على المساعدة في المأزق العراقي. وينعكس ذلك الأمر على المشهد اللبناني حيث بات واضحاً أن الحل لن يأتي إلا بتوافق إقليمي وأميركي. ففريق الأكثرية في الحكومة «المستقيلة ــ المستمرة» لا يملك قراره وبالتالي هو رهين التوافق أو المواجهة الإقليمية الدولية التي يراهن عليها البعض في أركان الحكومة. على كل حال، الرهان على تصلّب أميركي يقابله في الولايات المتحدة إصرار على ضرورة التغيير في المسار والاستراتيجيا والأهداف الممكن تحقيقها. إن منتقدي التقرير لم ولن يوفروا سهماً للقضاء على التوصيات ويراهنون على تعنّت بوش. وعلى ما يبدو أن مهمة بيكر لن تقتصر على التقرير بل قد ينذر بوش من عواقب التعنّت وخاصة أن بيكر يحظى بدعم تحالف شركات ومؤسسات المجمع العسكري الصناعي والشركات النفطية العملاقة والوطنيين الواقعيين من داخل الحزب الجمهوري. وهذه القوى هي التي تصنع القرارات الاستراتيجية والرؤساء في الولايات المتحدة وبالتالي تجاهلها يشكل انتحاراً سياسياً إن لم يكن أكثر من ذلك!
فإذا كانت إدانة سياسة بوش في الشرق الأوسط أمراً مفروغاً منه إلاّ أن السياسات البديلة ما زالت غائبة. وما دام بوش موجوداً في البيت الأبيض فمن الصعب أن تتبلور رؤية بديلة. إذاً الوظيفة غير المعلنة لتقرير بيكر هي إيجاد صيغة لتقطيع الوقت إلى أن تأتي قيادة جديدة إلى البيت الأبيض برؤية مختلفة أو غير معنية بإرث بوش ــ هذا إذا لم يقدم بوش على إيجاد أمر واقع جديد يتكفّله الرئيس المقبل كائناً من كان. هناك قناعة عند النخب الحاكمة أن فعّالية الإدارة الحالية أصبحت شبه معدومة إذا ما أرادت أخذ موافقة الكونغرس الأميركي لأي توجه جديد. المعلومات المتوافرة تفيد أن نوعاً من التفاهم الضمني موجود بين الكونغرس بأغلبيته الديموقراطية الجديدة والبيت الأبيض يشمل عدم عرقلة تمويل الجيش الأميركي في العراق ما دام التوافق على حلٍّ ما بعيد المنال. ولكن ذلك الاتفاق لن يبقى موجوداً إذا ما اقتنعت القيادات الديموقراطية في الكونغرس بأن بوش مقبل على مغامرات جديدة. في مطلق الأحوال الكلام على هزيمة الولايات المتحدة أصبح شائعاً وأنه لا يوجد حلّ عسكري للأزمة العراقية بما فيها النزاعات المذهبية القائمة.
*كاتب لبناني مقيم في الولايات المتحدة