زياد سعيد


الأرجح أن ما يزيد مفاقمة الأزمة اللبنانية، ويجعلها على هذا القدر اللافت من الاستعصاء، يعود في واحد من وجوهه، إلى التباس الحدود الفاصلة بين قوى السلطة وبعض المعارضة. فالمشتركات الضمنية أو المعلنة بين فريقي الأزمة تكاد توازي الاختلافات. بل إن هذه المشتركات هي على قدر من الجوهرية يجعلها تضاهي الاختلافات.
غياب الحدود الفاصلة، أو التباسها، ينال من صورة المعارضة، ويضعف قدرتها على فرض إرادتها. الذي توجبه خيارات مغامرة ومقامرة، لا تخفي سعيها إلى الإفادة القصوى من مناخ الهجمة الأميركية، والبناء عليها. استمرار الالتباس، يزيد من قدرات فريق السلطة على تمويه تآمره على موقع البلد وهويته. ومواصلة الإصرار على تجاهل مشروعية العناوين والشعارات التي أملت على المعارضة تصعيد تحركها، وتنفيذ قرارها الإجباري باللجوء إلى الشارع، بعد تعذر السبل السياسية الأخرى.
يقود ما سبق إلى ضرورة الإقرار بحقيقة أساسية تسم الصراع المحتدم اليوم، وفحواها أن المعارضة المتشكلة اليوم تحتاج إلى أن تحوز صفتها الكاملة، كمعارضة مدركة لمعنى معركتها. وهذا لا يتم من دون تطعيم لازم، للبرنامج الوطني و«التحرري» الذي ترفعه، بمضامين أكثر وضوحاً تقطع مع النظام السياسي الطائفي القائم. فثمة الكثير من الجوامع الإشكالية التي تحتاج إلى التبديد.
الأرجح أن للتطلب السياسي الذي تبديه قوى المعارضة ما يبرّره، وخصوصاً أن الفريق الآخر ماضٍ في رهاناته المشبوهة والحمقاء، التي كبدت البلد خسائر لا تحصى في السياسة والاقتصاد، وأيضاً في الاجتماع، الذي بات في وضع، يحتاج الى إعادة اختراع، وهي مهمة ربما كانت تفوق قدرة وإمكانات التشكيلات الراهنة المكونة للمعارضة.
ببساطة لا تعوزها الدلائل، يمكن القطع، والقول إن مستوى الحملة التي تشنها قوى السلطة، التي هي في الوقت عينه قوى النظام، قد تخطت أهداف الحفاظ على المواقع، كما تخطت أيضاً هدف تحسين، أو تحصين، قدرات السيطرة المباشرة أو غير المباشرة. بل يمكن القول، بلا أدنى تردد، إنها في ما تحاوله، من إندراج علني وسافر مع الهجمة الأميركية، تهدف إلى تحقيق ما يتجاوز التفرد والاستئثار في القرار، أو المصير اللبناني. والأرجح أنها لن تتورع عن الإتيان بما يتجاوز ما عرف عنها حتى اليوم.
في مسعى إضافي للهرب، يروج أقطاب في السلطة لكلام مفعم بالخفة عن عجز المعارضة وانسداد الأفق أمام تحركها الشعبي الذي بدأته قبل أكثر من ثلاثة أسابيع. المعنى الحقيقي الواجب تلمسه من هذا الكلام أنه يكشف عن طبيعة الإفلاس الذي تعانيه قوى المقلب الآخر، تلك المتمترسة خلف سياج الشحن المذهبي المقيت. فأزمة تلك القوى انها ما زالت على الخطاب السياسي الأجوف ذاته. حتى إن التنويعات القليلة المستدخلة تكاد أن تكون بلا معنى، وخصوصاً أنها تنويعات تمليها الخسارات، وفي مقدمها خسارة الرهان على العدوان الإسرائيلي.
لا يجب أن يغيب عن البال، أن ثمة ميزان قوى عربي ودولي، ومعادلات نابعة من هذا الميزان، تحكم كل المبادرات الساعية إلى إنتاج «الحلول». وهو الميزان نفسه الذي يحكم مبادرة عمرو موسى.
الرهان على ابتكار «حل» خارج الموازين هو ضرب من الخيال. ومن الضروري التنبه إلى أنه لا يمكن مقابلة الميزان العربي ذي الأرجحية السعودية إلا بإصرار مماثل للإصرار الذي ووجه به العدوان الإسرائيلي.
صحيح أن الميزان اللبناني قد بدأ يختل لمصلحة فريق المعارضة، إلا أن الطريق لا تزال طويلة أمام مهمة استنقاذ البلد، التي تستوجب الاعتراف باستحالة الرهان على إعادة ابتناء النصاب السياسي نفسه.