زياد سعيد


يبقى أن الفرد الإنساني هو في معنى ما وليد هواجسه. هي التي تسيّره وتتحكم في بعض أساسي من أفعاله، والتي قد لا تكون كذلك، أي صادرة عنه، إلا بمقدار. حيث يميل التفسير السائد إلى اعتبار الالتباس الحاصل هذا، التباس المسؤولية، شأنه في ذلك شأن أغلب الأفكار ذات المنشأ الديني التي تقوم، أو تعتمد، على التباس يزيد أو يعزز من إطلاقيتها. وهو، أي الالتباس، إذ يطبع هوية الأفعال التي يأتيها هذا الفرد أو ذاك، فإنه ربما، هو المسؤول عن تأسيس وإتاحة القول بفكرة الغفران. هذه الفكرة التي لا معنى لها إلا في كونها تنطوي، هي الأخرى، على تبريرية مفتوحة الحساب، من حيث مقدرتها على التسويغ السابق، واللاحق، لعظائم الأفعال، وبالتحديد منها تلك التي تكون في جوهرها الحقيقي ارتكابات فعلية تتعدى فاعلها المسكين الذي جعلته هواجسه الموروثة أو الطارئة مجرد أداة بسيطة محكومة بمصير محدد ومعروف.
لا يمكن للفرد، أي فرد، أن يتغير بالسرعة التي يبدو عليها رجالات السياسة اللبنانيين، وفي مقدمهم فؤاد السنيورة. فالمهمة تفوق إمكانات الرجل وقدراته، ولا يبدو أن «دولته» يملك مفاتيحها. التدقيق المتأني في تاريخ الرجل، وطبيعة معارفه، وقدراته، يقطع مع الحديث الظالم، الرائج اليوم عن تبدلات شخصيته وتالياً سياساته، علماً بأن لا شبهة على حقيقة امتلاكه لسياسات.
ما هو ثابت وأكيد أن الرجل لا يزال هو نفسه، لم يتغير ولم يتبدل. وهو أصلاً لا يملك إتيان التغيير، فهذا الفعل، ينطوي على قدر كبير من التعقيد، يحتاج معه إلى بنيان معرفي وثقافي، وربما مؤهلات أخرى، وهو ما لم يتسنَّ لـ«دولته» فرص تحصيله، في خضم شبه الغرق الوظيفي، الذي حاصره يوم كان يقتصر دوره كمحاسب شخصي عند «دولته» الراحل، بل إن واقعه الخاص هذا، أملى عليه تعليباً لا يملك أن يحيد عنه.
وبالمقابل فإن الأمر الأكيد والثابت، الذي لا يحتاج إلى تقديم البراهين لشدة وضوحها، أن الذي تغير هو السيد. فالسيد السابق الذي كانه رجل المخابرات السوري رستم غزالي استبدل بسيد آخر أميركي هو السفير جيفري فيلتمان، الذي لا يفعل غير متابعة مهمة سلفه، حليفه السابق غزالي، الذي يسجل له أنه أرسى الأسس والتقاليد التي ما زالت سارية المفعول، وقد تبقى إلى أجل غير قصير.
الرجل لا يزال هو هو، لم يتغير ولم يتبدل، ومن الظلم اتهامه بأمر لم يفعله، بل إن فؤاد السنيورة في إخلاصه لنفسه وتالياً لوظيفته، يجهد في ألا يفوت فرص التأكيد على وفائه، وانسجامه مع مقتضيات ما فطر عليه من سجايا. إنه في جهده اللافت، يؤكد على طبيعة الولاء المطلق الذي يكنه للسيد، سواء لذاك الراحل، أو لهذا الجديد الذي يبدو أكثر شباباً.
عشية التحضيرات للهجوم الأميركي على العراق، وجد من قال بنظرية تتأكد صحتها يوماً بعد آخر. النظرية هذه استندت الى ما يشبه الجزم بأن ديموقراطية الدبابات الموعودة مجرد كذبة اضافية، والغرض الحقيقي منها التبرير الشكلي لاحتلال لن يغادر بسهولة. ورأى أصحاب النظرية، وكانوا قلة، أن احتلال العراق هو مرحلة أولى في عملية لن تقف عند حدود البلد النفطي. سواء نجح الاحتلال أو فشل. وحذرت من أن أكلاف الفشل موازية لأكلاف النجاح. إن سعيه إلى التخفيف من فشله العام، كان وراء شن الحرب على لبنان، وهو الذي يفرض إصدار القرار 1737. وهو أيضاً الذي يملي عليه اليوم تسعير الوضع اللبناني، وفتحه على احتمالات الحرب الاهلية، بإغداق آيات الفخر اليومي على من كان طموحه يقتصر على فخر يُسبغ عليه من بعض أبناء الأحياء، الذين يهدد باستعمالهم لقطع الطريق في «الناعمة».
كلما ازداد تعثر المشروع الأميركي ارتفعت مستويات العنف في المنطقة.