معلوم باليقين، أن الدولة الوطنية لا تفرط في أرضها، وتخوض الحروب دفاعاً عن مواردها ولا تسلمها إلى الدول الآخرى بعقود إذعان، فيما تمنح السلطة المحتلة الأرض لمن يدفع أكثر في مزادات بيع تشبه تلك التي تقيمها شركات السمسرة.

لا نتحدث هنا عن احترام معايير حقوق الإنسان والديمقراطية وصناعة إنسان حر في وطن حر، وتوفير حياة معيشية كريمة ومناسبة لعموم الشعب، لكن الحديث قاصر على مفاهيم الوطنية الصماء التي تقتضي الحفاظ على الأرض، ولو حدث وجرى التفريط فيها تحت أي ذرائع يكون الثمن التخلي عن مقعد الحكم الوثير والمثول للمحاكمة أمام الشعب والتاريخ.
ما حدث في يوم 25 إبريل/ نيسان الجاري بالتزامن مع دعوات تظاهر القوى المدنية المعارضة، في ذكرى عيد تحرير سيناء، لا تفعله سوى سلطة محتلة. فقد استيقظ المصريون على احتلال قوات الأمن للشوارع في القاهرة وبعض المحافظات، ومداهمات منازل نشطاء وصحافيين ومحاميين، فضلاً عن عمليات قبض واسعة في الطريق لمجرد الاشتباه في أن المستهدف مواطن يرفض التفريط في أرضه، وقرر النزول من منزله للمشاركة في احتجاجات تطالب السلطة العسكرية الحاكمة، المدعومة من رجالات اللص المخلوع حسني مبارك، بالتراجع عن منح جزيرتي تيران وصنافير للسعودية مقابل حفنة ريالات.

لا دولة وطنية ترتكب الجريمة التي عاشها المصريون في 25 إبريل

لا دولة وطنية ترتكب الجريمة التي عاشها المصريون في 25 إبريل. السلطة الحاكمة تفرّط في أرض تتبع مصر تاريخياً، وترفض حتى أن يحتج المصريون على تفريطها وتهاونها في حقوق جميع المصريين، وفي سبيل ذلك تقمع الشباب الذين هم شرف الأمة وحاضرها وكل مستقبها. هم مبدعو الغد، فنانون ورسامون وكتاب وصحافيون ومهندسون وأطباء... هم قوة البناء الحقيقية من عمال المصانع وفلاحي الأرض، وجميعهم يحملون أفكاراً للمستقبل في مواجهة سدنة الماضي وخدم الرجعية والاستبداد. السلطة لأنها من الماضي انحازت إلى أنصارها، وكان بليغاً أن يتلحف بعض صبيانها ونسائها المدفوعين للتظاهر بإيعاز من قوى الأمن، بعلم دول أخرى (السعودية) في قلب العاصمة، فيما يمكن اعتباره عاراً جديداً يلحق بالسلطة التي تحتل حاضر المصريين بقوة السلاح وحده، بعد أن تراجعت شعبية الجنرال الحاكم العسكري للمحروسة، وتهاوى تأييده الشعبي إلى الحضيض قبل مرور سنتين على وصوله الحكم... بعدما ترسخ في وجدان المواطنين بما يشبه اليقين، الخذلان الكبير من الرجل الذي لم يحقق العيش ولا الحرية، وفشل حتى في الحفاظ على أرض الوطن كما تسلمها، ومنح بسهولة المضائق التي حارب لأجلها المصريين تحت رئاسة الزعيم جمال عبد الناصر، ودفع الشعب ثمن الحفاظ عليها من دماء خير أبنائه.
تحوّلت سلطات الأمن المصرية إلى ما يشبه عصابات عنف منظم رسمية ترعاها السلطة من أموال المواطنين. السلطة التي ترعبها مجرد دعوة الى التظاهر تدرك أن العصابات المدججة بالسلاح هي حمايتها الوحيدة في مواجهة غضب يتصاعد، ونفور عام وصل إلى حد أن بعضاً ممن يرفضون التنازل عن تيران وصنافير هم من داعميها السابقين.
القبض على الصحافيين والمحامين والنشطاء وصل ذروته في أزمة الجزيرتين. رعب سلطة عبد الفتاح السيسي من فتح ثواقب في جدار الأسوار التي شيدها أمام طموح المصريين في الكرامة والديمقراطية عن طريق التظاهر بإعداد كبيرة نسبياً أمام نقابة الصحافيين في الخامس عشر من إبريل في جمعة "الأرض عرض" دفعه إلى تحويل شوارع القاهرة إلى ثكنة عسكرية في عيد تحرير سيناء، خوفاً من امتداد حمى التظاهر والاحتجاج إلى الصفوف المتأخرة من الجماهير التي ترفض بطبيعة الحال التنازل عن الجزيرتين، وتشعر أن هناك شيئاً ما يدبّر بِلَيْل وفي الخفاء ضد مصالح الوطن العليا وحدوده المتعارف عليها قبل أن توجد دولة تسمّى السعودية في الأصل.
يدرك السيسي أن شعبيته تهاوت، وأن خطيئته في التفريط في تيران وصنافير قد تكون المسمار الأول في نعش نظامه الذي يحاول أن يستمد قوته من تحالف ممالك الصحراء لضخ أموال تنعش خزينة الدولة الخاوية.
المشهد المصري يومها، أوضح أن السلطة التي استمدت شرعيتها من القضاء على حكم الإخوان بتظاهرات مليونية في طريقها إلى الانهيار، لأن الأنظمة لا تحميها القوة العسكرية فقط، وإن نجحت في ذلك مرة أو مرات، فلن تبقى قادرة على مقاومة رياح الحرية، خاصة عندما يرتبط الأمر بالتفريط في الأرض.
* روائي وصحافي مصري