في ذكرى مرور عام على غياب الصديق سليمان تقي الدين نتوقّف، في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ الوطن، عند مجموعة من القيم التي دافع عنها طوال مسيرة حياته الغنية بالعطاء.

1ــ دافع عن لبنان الدولة، ورأى أن المهمَّات العاجلةَ اليوم تكمن في مواجهة حالة الانهيار القائم على أساسٍ من تسويةٍ سياسية تحصّن لبنان في وجه مخاطر انحلاله النهائي ككيان إقليمي وإعادة رسم سياسته بما يتفق وتعزيزَ الموقف العربي وتدعيمَ مواقع الصمود فيه والاسهامَ في تطوير خطط التضامن والتنسيق العربيين لمواجهة مخاطر المرحلة المقبلة.
ولاحظ أننا لا نعيش أزمة حكم وأزمة نظام سياسي من النوع المعروف لأزمات الحكم، بل نعيش غمار صراعات المنطقة وتفاعلاتها الدولية ونتصدى لمهمة إعادة تأسيس كيان الدولة الإقليمي مرتبطاً بالتوافق على صيغة نظام سياسي جديد أو ميثاق وطني جديد وفي ظل موازين قوى مختلفة.
ولقد حدد مفكّرنا الكبير الشروط والقواعد الأساسية للديمقراطية الوطنية:
أــ أن تقوم سلطةُ الدولة، فوق جميع السلطات اصلاً وعلى حسابها، بالتعبير عن مصالح مشتركة توحد اللبنانيين كمواطنين على المستوى السياسي.
ب ــ يفترض هذا الدور أن تتعامل الدولة مع المواطن بوصفه فرداً مجرداً عن حقوق طائفته ومرتبته الاجتماعية وانتمائه السياسي العقائدي.
ج ــ أن تكون للدولة بالتالي هوية جماعية مستمدة من واقع شعبها وهذه الهوية هي النتاج الطبيعي لتاريخ هذا الشعب الاجتماعي، المعيش لا أن تفرض عليه هوية سياسية مهما كان نوعها.
د ــ أن تكون الحرية نطاقاً للفرد كشرط لحرية الجماعة التي ينتمي اليها. فلا قيمة للحرية المزعومة التي تعطى للجماعات، لا يملك افرادها حق الخروج على نظمها، أو الانتماء لها طوعاً.
ه ــ أن تكون الدولة صاحبة هوية مستقلة عن الجماعات التي يحكمها أسوة بمثال القاضي العادل...

لا مناص من ربط شعار الديمقراطية السياسية بشعار المساواة الاجتماعية

2ــ تعمّق في فهم الحركات الأصولية ولاحظ أن صعودها اليوم هو رد فعل على تراجع التيار الوحدوي وفشل سياسات التنمية والتحديث فضلاً عن كونها رد فعل على سياسات القهر الإسرائيلي والتسلط الغربي. وهذه الأصولية تدخل متكيفة الى المسرح السياسي في أكثر من بلد عربي، ما يعني ان الجهد الأساسي المطلوب هو استيعابها في إطار المؤسسات حتى لا تؤدي الى تفكيك المجتمعات التي نشأت فيها. وقد رأى ان الحركات الدينية في لبنان من أبرز العقبات في وجه الحل الديمقراطي. فمطلب هذه الحركات هو دولة دينية، وإخضاع الفريق الآخر لمنطقها وتصورها السياسي والثقافي. وتستمد هذه الحركات زخمها اليوم من توازن قلق يستقطب منطقة الشرق الأوسط كلها، ما يضعف إمكانات احتوائها كتيار سياسي داخل حدود دولة إقليمية صغيرة كلبنان.
والرد على هذه الحركات يرتكز على رؤيا إنسانية علمانية غير معادية للإسلام، والقيام بلون من الإصلاح الديني يلغي تراكم الممارسات السياسية المنافية لروحه السمحاء. والمطلوب تصحيح علاقة الفرد بالمجتمع وبالدولة. ولا مناص بالتالي من ربط شعار الديمقراطية السياسية بشعار المساواة الاجتماعية بحدها الأدنى، أي بحقوق اجتماعية للمواطن على الدولة كما هو حاصل بالديمقراطيات الغربية.
ان المشروع الديمقراطي العلماني، برأي راحلنا الكبير، هو وحده الذي يفتح الأفق لاستعادة الوحدة المجتمعية. هذا المشروع لا يتوقف عند شعار الغاء الطائفية فحسب، وانما يسعى لمعالجة جذورها في المجتمع، لا على مستوى الدولة فقط. انه برنامج يطاول البنى الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والإعلامية والإدارية، وتعديل نظام التمثيل السياسي. إن الديمقراطية المرجوة هي المبنية على إقرار وحماية حقوق الانسان بوصفه مواطناً فرداً بصرف النظر عن اية تحديدات أخرى هي وحدها طريق العبور إلى بناء الوطن.
3 ــ انشغل راحلنا في المرحلة المتأخرة من حياته بأولوية الحوار بين جميع اللبنانيين من مواقع ومداخل مختلفة، ومنها الحوار بين الأديان والجماعات الطائفية. وفي هذه المسيرة يصف نفسه بانه كان تجريبياً ما جعله يغتني من رؤية المجتمع الإنساني في تنوعه وحقائقه النسبية والحاجة الدائمة لقبول الآخر وقبول تصوراته عن نفسه والكون والله والسلوكيات التي لا تخرج من دائرة الرأي الى دائرة الاخضاع. ومنذ نهاية الحروب المركبة التي عشنا مآسيها وقف سليل العائلة الكريمة على منابر كثيرة يدعو لتجديد المشروع اللبناني. وكان شجاعاً في نقده الذاتي ونقد اطروحات مختلف القوى المتصارعة. لقد كان كتابه «المشروع اللبناني الصعب» وكتابه الآخر «اليسار اللبناني وتجربة الحرب» نموذج الشجاعة في تخطي الخطأ، وهذا أمر قلّما يحصل في لبنان وفي عالمنا العربي الأوسع.
4ــ من موقع ايمانه بعلمنة الدولة والمجتمع والتربية والثقافة، وانطلاقاً من فكره البراغماتي أيّد اتفاق الطائف كتسوية سياسية قادرة على وقف الحرب وإعادة هياكل الدولة ومؤسساتها باعتبار ذلك الهدف الوطني الحاسم للبنانيين، ولكنه رأى أنّ هذا الاتفاق يحتاج لكي يمثّل مدخلاً حقيقياً الى بناء دولة قوية قادرة عادلة منفتحة على التطور لاستيعاب المعطيات الاجتماعية والسياسية على نحو سلمي وديمقراطي، الى قوى سياسية من نوع جديد. في ضوء ذلك أكدّ أن الحوار المطلوب هو الذي يتوجه لتقديم الاجابات الواضحة عما عدّه اتفاق الطائف ركائز تثبيت الكيان وهويته القومية وبناء الدولة العادلة وتعزيز العيش المشترك ورسم اطر الصراع الديمقراطي بين اللبنانيين على فكرة الأفضل في نظامهم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي.
5ــ في موازاة قلقه المعرفي المنطلق من هاجس التغيير فقد حمل هم اصلاح القضاء باعتبار ان القضاء هو أساس دولة القانون والمؤسسات. سبعة مؤلفات كتبها في هذا المجال، وعشرات المقالات والمحاضرات ركزها على المحاكم واستقلال المحاماة وواقع وآفاق السلطة القضائية واستقلالها. لقد كان واضحاً لديه انه لا علمانية ولا ديمقراطية ولا جمهورية ولا مؤسسات دستورية بمعزل عن دولة القانون. وربما كان انتماؤه الى عائلة عريقة بممارسة القضاء من الحوافز التي حملته لمعالجة مشكلات هذا القطاع.
أيها الحفل الكريم،
في الوقت المحدد لي لا مجال لأن أفي راحلنا الكبير حقه. ولكن حسبي أن أقول إن سليمان تقي الدين كان خير خلف للسلف الصالح الذي كافح لقيام الوطن اللبناني وترسيخ بنيانه على أسس الحرية والكرامة وحقوق الانسان. لقد اعترف، في كلمته التي القاها في الحركة الثقافية – انطلياس، في يوم تكريمه كعلم ثقافة في المهرجان اللبناني للكتاب (آذار عام 2015)، أنّه أراد لبنان أكثر جمالاً، وان يضيف اليه معاني إنسانية، ويعترف انه فشل، لكن الحقيقة أن راحلنا كان قيمة وطنية كبرى، وان أفكاره الطليعية التي تركها ستبقى منارة للشعب اللبناني، وانه نجح في توجيه بوصلة الخلاص لمجتمعنا: علمنة الدولة والمجتمع والتربية والثقافية في لبنان سيد حر ومستقل متحالف مع محيطه العربي في مواجهة التخلف والاخطار المختلفة.
أعمق مشاعر التضامن أقدمها إلى عائلته الصغيرة وإلى عائلة تقي الدين العريقة وإلى بلدة بعقلين الأبية، وإلى كل أصدقاء ومحبي سليمان تقي الدين، وأنا على يقين أن امثاله سيبقون خالدين في ضمير الشعب والوطن.
(كلمة في ذكرى مرور سنة على غياب المحامي سليمان تقي الدين ــ الأونسكو 28/4/2016)
* أستاذ جامعي