قاسم عزّ الدين *


ثمة مفارقة في الواقع السياسي اللبناني أقرب الى التراجيديا الإغريقية. فكل شعوب الارض تهلل لانتصار لبنان بمواجهة الحرب الأميركية ـــ الاسرائيلية عدا قسم من اللبنانيين يندب استقواء الانتصار عليه نفسياً. كلها تتباهى «بغيفارا» زمانه يصنع المارد الأهوج الذي يخبط في الكون خبط عشواء عدا طبقة سياسية حاكمة متحكمة لا يصل مدى رؤيتها أبعد من مصالح التكتلات العصبية في مواجهة بعضها بعضاً، فتستقوي بالمارد المضروب على قفاه ضد الانتصار. لكن هذا الشرخ التراجيدي ليس قدراً ناجماً عن «طبيعة التعدد الطائفي ـــ المذهبي» فمعظم بلدان العالم متعددة «بالطبيعة» وقد ابتدع رجال الدولة في بعضها حلولاً فوق الانقسمات العصبية وعلى حساب اقتحامها سياسة الدولة وما اختراع الدولة أصلاً في كل البلدان إلا لعزل الطبيعة البرية عن ادارة السياسات الوطنية. وفي لبنان اعتمدت الطبقة السياسية الحاكمة اختراعاً مقلوباً سمّته «صيغة التعايش» وهو في طبيعته نظام سياسي ـــ اجتماعي ناظم لزحف العصبيات على الدولة وعلى بعضها بعضاً ما أفضى ويفضي الى فراغ الدولة فيفضي بدوره الى انقسامات عصبية لا متناهية. والحال هذه تخلت الطبقة السياسية الحاكمة عن وظيفتها الطبيعية في بناء الدولة منذ الاستقلال السياسي فأجج فراغ الدولة الانقسامات العصبية وجذب في الوقت عينه توسع نفوذ الدول القريبة والبعيدة في السياسات المحلية وهو أمر في طبيعة الدول لا يستهوله غير السياسي المشبع بخرافات «عدم التدخل في الشؤون الداخلية»، فكل الدول تتنافس بشراسة على احتلال فراغ ما في الدول الأخرى.
جاءت الحكومة الحالية الوليدة «بثورة الأرز» في أعقاب مرحلة طويلة تشاركت فيها الطبقة السياسية والوصاية السورية في تحطيم شبه الدولة وجعلتها أثراً بعد عين لكنها عوض ان تلتقط الفرصة لإعادة بناء الدولة ذهبت جرياً في الاتجاه المعاكس. أضافت الى فراغ الدولة المزمن استجلاب وضع اليد الاستعمارية في تقرير سياسات يفترض أن تقررها أي دولة شبه مستقلة وهي السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية والسياسة الاقتصادية ـــ الاجتماعية فباتت تقتصر وظيفتها على ترويج ما تقرر اليد الاستعمارية في هذه السياسات الثلاث وتجتهد في تكتيل العصبيات مستغلة الأزمات المعيشية والسياسية التي صنعتها الطبقة السياسية الحاكمة بل اتخذت من استجلاب وضع اليد الاستعمارية منهجاً في الإدارة الذاتية وثقافة سياسية معللة «بتلاقي المصالح» على نقيض سياسة أي دولة تبحث عن حماية الحد الأدنى من مصالحها الوطنية:
1 ـــ إن الاطمئنان المريب لقرارات «المجتمع الدولي» وتقديس سياساته هو بحد ذاته مجاهرة بالتنازل عن المصالح الوطنية لليد الاستعمارية فهو مجتمع يقوم بفلسفته وتكوينه على تآلف وتلاقي مصالح الدول الصناعية القوية وليس بينه وبين الدول المتوسطة والضعيفة عنوان عريض في «تلاقي المصالح» بل تعايش اضطراري جائر يعترف الكثير من أقطابه بشيخوخته ومعاييره المزدوجة. وقد ابتلع هذا «المجتمع» الكثير من حقوق الدول الضعيفة ونفذ غالباً الى هضم المصالح الوطنية «بتلاقي المصالح» وهو أمر شديد التعقيد والخطورة يستوجب التشكيك في كل نقطة وفاصلة الى أبعد حدود الشك ضماناً لنجاح مصلحة ما وضماناً لعدم هدر المصالح الوطنية في استغلال المصلحة نفسها.
2 ـــ إن المقارنة بين «محور سوري ـــ ايراني» ولا «محور أميركي ـــ اسرائيلي ـــ فرنسي» هي أيضاً مجاهرة بالتنازل عن المصالح الوطنية لليد الاستعمارية. فالاقتحام لتوسيع النفوذ في اطار الحقل الجغرافي ـــ التاريخي الواحد (المحيط الاقليمي) هو من حيث المبدأ قابل للضبط والحد من إلحاق الاذى بأن تتحمل الدولة مسؤولية السياسات الوطنية والارتقاء نحو تبادل المنفعة وتبادل النفوذ، وعلى النقيض من ذلك فإن اقتحام الدول الصناعية القوية هو بطبيعته استراتيجيات الاكتساح في الهوية الوطنية، وفي الخريطة الجغرافية والبشرية ولاسيما ان استراتيجياتها المتجددة لا تخفي أبعادها وآثارها في التهميش المعولم وفي الحروب الاستباقية.
أفضى وضع اليد الاستعمارية على سياسات الدولة الى جدولة وبرمجة، قرارات واجراءات تتكامل فيما بينها في السياسة الخارجية (الانحياز الى استراتيجيات دول الحروب) وفي السياسة الدفاعية (الانحياز الى الغاء الردع) وفي السياسة الاقتصادية ـــ الاجتماعية (الانحياز الى حرية المال والقروض والريع العقاري). وقد نجحت الحكومة الحالية بإيهام الكثير من اللبنانيين بنجاعة هذه السياسات والإجراءات لمستقبل أفضل دون أن تقدم إليهم غير مقولات عمومية شديدة الالتباس حول اهمية السلام والاستقرار والازدهار الموعود. وفي هذا السياق لا يشكل «الثلث المعطل» في «حكومة الوحدة الوطنية» غير مطلب شديد التواضع اذ يمكنه في أحسن الأحوال تعطيل زحف الحكومة في استجلاب وضع اليد الاستعمارية ولا يمكنه تعطيل هذه اليد في سياسات الدولة وفي هدر المصالح الوطنية. وقد باتت آليات هذه السياسات تتقدم من تلقاء ذاتها فليس من سبيل للحد من خطورة آثارها غير مسار سياسي آخر في الحكومة وخارجها. فتوظيف انتصار لبنان هو معيار نجاح سياسة الحكومة او فشلها وفي هذا الإطار يدخل «الثلث الضامن» وتدخل باقي الاصلاحات السياسية مثل قانون الانتخاب وغيره، إنما المسار البديل هو مسار اعادة بناء الدولة باستبدال السياسات الحالية بسياسات المصالح الوطنية، فوق الانقسامات العصبية وعدم الانصياع للتهويل في «طبيعة لبنان» فالغالبية الساحقة من اللبنانيين تطمح لحياة افضل وقد انطلى على قسم منها وهم «السلام والازدهار» حيث لم تر ضوءاً في آخر النفق وهو ليس شأن رجال السياسة وحدهم بل هو في المقام الاول شأن عام بين المواطنين. و«النخب الثقافية» والحركة الاجتماعية.
* كاتب لبناني