توفيق المديني*


انتهت قمة بكين، التي لا سابق لها بين الصين وإفريقيا، إذ تأمل الصين أن تقدم نفسها على أنها الشريك الصادق للبلدان الإفريقية الفقيرة، في خضم جدل في نيات العملاق الآسيوي للوصول إلى الموارد الطبيعية والحلفاء السياسيين في منطقة تضم دولاً لديها سجل سيئ في مجال حقوق الإنسان. وستقدم الصين نحو عشرة مليارات دولار في شكل قروض وائتمانات لإفريقيا وإعفاءات جمركية خلال السنوات الثلاث المقبلة، وستزيد المساعدات إلى الضعفين بحلول عام 2009. يذكر أن التجارة بين الصين وإفريقيا ارتفعت إلى نحو 50 مليار دولار هذا العام من 11 مليار دولار عام 2001.
العلاقات الحقيقية جاءت منذ تأسيس الصين الشعبية بقيادة الزعيم الراحل ماوتسي تونغ في عام 1949. ومنذ ذلك التاريخ ما انفكت العلاقات الصينية ــ الإفريقية تتعمق في شكل كبير.
في زمن الحرب الباردة حين كان الصراع الدولي محتدماً على إفريقيا، كان دور الصين الشيوعية في إفريقيا مُحَجّماً، بسبب تأييد واشنطن والأنظمة الإفريقية التي تدور في فلكها للصين الوطنية التي انتقلت إلى تايوان الحالية. ومع بداية السبعينيات من القرن الماضي، عملت الصين على تقديم نفسها إلى شعوب بلدان العالم الثالث بوصفها حلقة مهمة في النضال لمقاومة الاستعمار والهيمنة ونموذجاً لقدرة حركة تحريرية شعبية على تأكيد الهوية الوطنية والاستقلال.
وفيما كان الاتحاد السوفياتي سابقاً يقدم الدعم لحركات التحرر الوطني في القارة الإفريقية، كانت الصين تدعم حركات وطنية أخرى، ولا سيما في جنوب إفريقيا وزيمبابوي ومناطق إفريقية لا تتبنّى الإيديولوجيا السوفياتية، وترفض سياسة الهيمنة، التي تعني في القاموس الصيني آنذاك، رفض سياسة النظام الدولي الثنائي القطبية، باعتباره نظام هيمنة مضاد لمصالح الشعوب النامية.
في العقد الأخير من القرن العشرين، وبعد انتقال الصين إلى ما يشبه النظام الرأسمالي في الاقتصاد والانفتاح الكبير على العالم، تخلت الصين عن سياسة إقامة المشروعات الكبيرة في إفريقيا، وأصبحت تركّز على العلاقات التجارية. ولذلك شهدت الصادرات الصينية إلى إفريقيا طفرة قوية في السنوات الأخيرة. فكان الحجم الإجمالي للتجارة البينية الصينية ــ الإفريقية في عام 2000 حوالى 10،6 مليار دولار، وقفز في عام 2002 إلى نحو 12،39 مليار دولار، ثم بلغ 13،4 مليار دولار في عام 2003، إلا أن هذا الحجم شهد طفرة قوية في عام 2004، إذ بلغ نحو 29،46 مليار دولار بنسبة زيادة بلغت 58،9% عن العام السابق.
لا جدال في قوة الصعود الصيني: فما بين عامي 2002 و2003، ازدادت التجارة الصينية ــ الإفريقية بنحو 50% و60% في العام اللاحق. فقامت الصين في الفترة من منتصف عام 2004 إلى أيار 2005 بتقديم مساعدات مالية لنحو 46 دولة إفريقية، تقدر قيمتها بنحو 1,690 مليار دولار، بزيادة بلغت 167 مليون دولار عن العام السابق، لتنفيذ مشروعات تعاون تكنولوجي في 27 دولة، وتقديم سلع وبضائع لنحو 26 دولة إفريقية. وأبرمت الصين عقود إقراض مع أربع دول إفريقية بإجمالي 1،458 مليار دولار لتنفيذ مشروعات في مجالات: رصف الطرق، وبناء المدارس، والمستشفيات، والرعاية الاجتماعية، ومحطات المياه والصرف الصحي في المناطق الريفية النائية، وذلك بفائدة سنوية لا تزيد على 1،5% مع سماح عشر سنوات لهذه الدول لتسديد هذه القروض.
إفريقيا الوسطى وإفريقيا الغربية تقدمان مثالاً حياً على التغيير الحاصل. فقبل بضع سنوات كانت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا تقفان خلف فرنسا، وكانوا الممونين الأوائل لبلدان المنطقة. بيد أنه في عام 2003، تجاوزتهما الصين وظلت فرنسا في المقدمة، لكن لا مؤشر إلى أنها ستظل تحافظ على مركزها. ويلخص نائب وزير الخارجية الأميركي للشؤون الإفريقية وولتر كاسبتنر لصحيفة وول ستريت «الوجود الصيني انفجر بكل بساطة».
وفي نيجيريا، يشارك الصينيون في التنقيب عن النفط على طول الساحل بقيمة ملياري دولار. وفي موريتانيا يجري أيضاً التنقيب عن النفط... وفي السودان يديرون مصنعاً للبتروكيمياويات.
وأحياناً تأخذ الصين مكان الدول الغربية بعد حصول أزمة كما هي الحال في زيمبابوي في عام 2002 عندما بادر الزعيم روبرت موغابي إلى القيام بإصلاح زراعي شامل لإعادة توزيع الأراضي الزراعية على السود، بعد طرد البيض منها. فعندما أقرت الدول الغربية عقوبات على نظام موغابي، ظهر الصينيون في العاصمة هاراري ومعهم المشاريع المتعددة. وبعد أربع سنوات: النتائج تتحدث عن نفسها، الصينيون موجودون في قطاعات المناجم والنقل وإنتاج الكهرباء وتوزيعها والاتصالات. وتجسيداً لهذه العلاقات فقد أُقيم خط جوي مباشر بين العاصمتين.
في أثيوبيا، السيناريو مشابه. فبعد نهاية الحرب بين أثيوبيا وإريتريا في عام 1990، فرّ الأنكلوساكسونيون من البلاد، وحلّ الصينيون محلهم. وكانت النتيجة تقديم قروض، وإرساء تعاون. واحتلت الصين مركزاً مهماً في اقتصاد أثيوبيا، سواء في صناعة الأدوية، أو التنقيب عن النفط، أو بناء الأوتوسترادات. وفرضت الشركات الصينية نفسها في أديس أبابا، إذ تم بناء أكبر ســــــفـــــارة صينية في القارة الإفريقية.
الصين تريد أن تنقب عن النفط الإفريقي من الغابون إلى موريتانيا مروراً بأنغولا ونيجيريا لتغذية نموها الاقتصادي. ومنذ سنوات أصبحت الصين المستورد الأول للنفط السوداني، والأمر عينه بالنسبة إلى النفط الأنغولي. وتستورد الصين ما يقارب 30% من حاجياتها النفطية من إفريقيا وهذا ما يجعلها ربما في تصادم مع الولايات المتحدة الأميركية، التي تريد أيضاً تقليص تبعيتها لنفط الشرق الأوسط، والتي أصبحت ترى في النفط الإفريقي بديلاً منه، ولا سيما نفط نيجيريا وأنغولا مروراً بغينيا الاستوائية وهي مناطق استراتيجية غنية بالنفط.
الحضور الصيني أصبح مقلقاً للقوى الغربية، لأنه لم يعد مقتصراً على شراء المواد الأولية أو تزوّد النفط، بل إن الشركات الصينية دخلت حلبة المنافسة الدولية مع الشركات الغربية، وبدأت تفوز بعروض قوية.
*كاتب تونسي