إيلي نجم*


على العقل النقدي أن يبحث عن المصادرات الكامنة وراء ما تعتبره الإيديولوجيات تحصيلاً حاصلاً وفوق الشبهات.
يبدو أنّ التمييز بين مفهومَي الاحتلال الإنكليزيّ والأميركيّ للعراق والوجود الإنكليزيّ والأميركيّ فيه دخل قاموس السياسة العراقيّة والعربيّة والدَوليّة. فماذا عن هذا التمييز؟ وهل ثمّة ما يقابله ويؤسّس له في الواقع، أم الأمر لا يعدو كونه عدواناً إمبرياليّاً غربيّاً على العراق العريق بتراثه وحضارته؟
لعلّ الجميع يوافق على أنّ الاحتلال هو وجود مرفوض، فيما يبدو أنّ الجميع لا يوافق على أنّ الوجود هو على الدوام احتلال مقبول. فالرفض في القضيّة الأولى والقبول في الثانية أتاحا هذا التمييز بين الاحتلال والوجود. ولئن كان الموجود يحتلّ بالمعنى الحصريّ، ومن حيث هو موجود، حيّزاً في المكان الذي يحلّ فيه، فإنّ مفهوم الوجود الذي أقامه العقل انطلاقاً من الموجود غدا مرادفاً لمفهوم الاحتلال الذي أقامه العقل عينه انطلاقاً من المحتلّ. وبالتالي، فالموجود محتلّ، والوجود احتلال. وإذا كان الأمر على هذا النحو، فلماذا نميّز إذاً بين المفهومَين؟
قبل الجواب عن هذا السؤال، لا بدّ من الإشارة إلى منظومتين إيديولوجيّتين تتنازعان على الفوز بتأييد الناس وتسعيان إلى تقييدهم: إيديولوجيا التفارق والتمايز والاختلاف، وإيديولوجيا الترادف والتعادل والتماهي. وكلّ منهما لها أغراضها وتصوّراتها وغاياتها، علماً أنّ التصدّي لأيّة إيديولوجيا منهما قد يخدم تلك التي تناصبها العداء ويصبّ في خانتها. في هذا السياق، يبدو أنّ التصدّي للعقل الإيديولوجيّ الذي يلتمس التمييز الذي يقيمه اللسان بين الوجود والاحتلال، ويتوسّل به ليقبل بالوجود ويرحّب به، أو يرفض الاحتلال ويدينه، أقول إنّ التصدّي لهذا العقل الإيديولوجيّ يفيد منه العقل الإيديولوجيّ المناوئ الذي يلتمــــــــــس الترادف ويتوسّل به ليعتبر أنّ الوجود احتلال، تماماً كما أنّ الاحتلال وجود، وبالتالي فهو يدين الوجود والاحتلال ويرفضهما سواء بسواء. فما العمل إذاً؟
المطلوب بدايةً البحث في ما وراء التعارضات الظاهرة بين الإيديولوجيات عن التقابل الخفيّ والتناظر المكتوم، ويتعيّن على العقل النقديّ الذي يعمل ههنا أن يبحث عن المصادرات الكامنة وراء ما تعتبره هذه الإيديولوجيات تحصيلاً حاصلاً وفوق الشبهات.
من جــــهــــــــة ثانية، ينـــــــــــبــــــــغي التنبّه جيّداً إلى أنّ اللسان البشريّ، وهو الذي يــــــــــــــقوم على اقــــــــتـــــطاع حقل من الإمـــــكــانات في أرض الواقع اقــــــــــتطاعاً اعتباطيّاً وتجزئته، يؤدّي إلى توليد الاختلاف والتعارض ضمن الواقع عينه. وهـــــــــذا يـــــــــــعني أنّ علينا أن نرتقي إلى مستوى سابق على هـــــــــــذا الـــتـعارض وذلك الاخــــــــــتـــــــــلاف، اللذين أقــــــــــــمـــــــــــناهما بوساطة اللسان بين الوجود والاحتلال مثلاً، لنتبيّن الواقع الذي حملهما وولّدهما فأتاح إمكانهما. أمّا الواقع الذي حملهما وولّدهما، فهو الذي استجدّ في العراق بـ«فضل» الإنكليز والأميركيّين وحلفائهم من الإسبان والأوستراليّين والبولونيّين وغيرهم. من هنا كانت الحاجة إلى الوقوف على هذا الواقع وتبيّنه من دون الوثوق كثيراً باللسان بصفته وسيطاً بين العقل والواقع، ولا بالطبع بالإعلام كوسيط آخر، ولا سيّما أنّنا ندرك أنّ في التوسّط، أيّ توسّط، استلاباً، كما كان يقول الفيلسوف الفرنسيّ إيمّانويل مونييه.
والآن، لا بدّ من استعادة السؤال الذي طرحته آنفاً: لماذا نميّز بيــــــن مفهومَي الاحتلال والوجود؟ والجواب أنّه إذا كان الاحتلال وجوداً مرفوضاً، فالــــــــــوجود ليس على الــــــدوام احتلالاً مقبولاً. أســــــــــتدلّ على ما أقول بأنّ وجود المواطن على أرضه لا يعدّ احتلالاً، ولا يمكنه أن يكون كذلك البتّة. أمّا حين يكون الموجود غريباً عن المكان الذي يعيش فيه وعن الناس الذين يعيش معهم، فقد يغدو وجوده احتلالاً وقــــــــد لا يغدو كذلك. فاللبنانيّ الذي هاجر إلى البرازيل مثلاً واندمج في المجـــــتمع البرازيليّ لم يعد غريباً، بل غـــــــــدا مواطناً برازيليّاً مثله كمثل الــــــــسكّان الأصليّين، ولا سيّما أنّه يسهر على مصلحة البلاد التي يعيش فــــــــــــيها ومنها، ويــــــــــدافع عـــــــــنها دفاعه عن بلاده الأمّ، فلا ينهب ثـــــــــــرواتها ومواردها الـــــــــــثقافيّة والحضاريّة والــــــــبـــــــشريّة. أمّا الجنود الإنكليز والأميركيّون الذين جاؤوا إلى العراق بحجّة تحرير العراقيّين من النظام السياسيّ الجائر (وهو النظام الذي كان قد أقامه حكّام هؤلاء الجنود وصنعته حكوماتهم في السابق)، كما يدّعي قادتهم السياسيّون والعسكريّون، وإحلال الديموقراطيّة بالحديد والنار، على الرغم من معارضة غالبيّة الشعوب والبلدان والحكّام ممثّلين بمنظمة الأمم المتّحدة إضافةً إلى الحبر الأعظم السابق رئيس الكنيسة الكاثوليكيّة، ورؤساء مختلف الكنائس المسيحيّة الأخرى وممثّليهم في العالم أجمع، وغالبيّة رجال الدين المسلمين، فإنّ هؤلاء الجنود هم غرباء أوّلاً بالمعنى الحصريّ لأنّهم جاؤوا من الغرب، وإنّهم غرباء ثانياً لأنّهم لم يراعوا، بحسب اتّفاقيّات جنيف الدَوليّة، مصلحة السكّان والبلاد التي جاؤوا يحرّرونها.
* كاتب لبناني