المشكلة الرئيسية التي لا تزال تواجه اليمنيين في مسعاهم إلى توحيد الجهود ضدّ العدوان السعودي على البلاد هي الانقسام الحاصل في صفوف الشعب، والذي تعزّز أكثر مع تزايد اعتماد «أنصار الله» على استراتيجية السيطرة على المناطق الجنوبية. هذه السيطرة تعتمد بطبيعتها على قطعات الجيش المنتشرة في الجنوب والقادرة على تأمين غطاء ناري لتوسّع الحوثيين هناك، وخوضِهم معارك المدن ضدّ مجاميع الحراك الجنوبي والقاعدة والمسلّحين التابعين لعبد ربه منصور هادي.


وبما أنّ معارك المدن تعتمد على القتال من داخل الأحياء «المكتظّة بالسكّان» فهذا يعني أنّ من يقاتل على أرضه (مع استثناء «القاعدة» من هذا التصنيف طبعاً) هو الذي «يملك الأرجحية» على الأقلّ من الناحية الأخلاقية التي تجعله مدافعاً عن أهله وشعبه، وهنا بالتحديد تكمن المعضلة التي يعاني منها «أنصار الله» في هذه المرحلة. فهم لم يكونوا يوماً قوّة معتدية وحافظوا طوال فترة حراكهم الاحتجاجي على الطابع الدفاعي لقتالهم سواء ضدّ الجيش اليمني ومن ورائه السعودية - هذا الجيش نفسه يقاتل السعودية اليوم إلى جانب الحوثيين!- في مرحلة حروب صعدة الستّ أو ضدّ القبائل والأحزاب المتحالفة مع السعودية (قبيلة حاشد وحزب الإصلاح تحديداً) في مرحلة الخروج من صعدة إلى صنعاء بعد المرور بمحطات الجوف وذمار وعمران و... الخ.

لا يزال بإمكان
المملكة الوهابية أن تجد أُطراً تساعدها في التعبئة ضدّ الحوثيين
وحين أُجبروا على مغادرة موقعهم الدفاعي بعد بدء الغارات السعودية على صنعاء والمدن التي يسيطرون عليها بالتنسيق مع الجيش لم يلجأوا إلى استهداف المدنيين على نحو مباشر كما فعلت المملكة الوهابية واكتفوا بالردّ على عدوانها الهمجي من موقع الدفاع، ولهذا تأخّر ردّهم الذي طُولبوا به مراراً على المناطق اليمنية المحتلّة من الجانب السعودي في نجران وجيزان وعسير. ومن هذا المنطلق يبدو توسّعهم في مناطق الجنوب استثنائياً، فهو يخالف كلّ نهجهم الدفاعي المعبّر بالفعل عن هويّتهم الاحتجاجية، ويدفع بالقطاعات المتعاطفة معهم من «أبناء الجنوب» إلى الابتعاد عنهم، في تعبير واضح عن حالة الانقسام التي يشهدها اليمن حالياً، والتي كان يُؤمَل أن يحدّ العدوان من توسّعها أفقياً داخل المجتمع.

تغذية الانقسام سعودياً

بالطبع لم يكن الذهاب نحو الجنوب فعلاً اختيارياً بالنسبة إلى «أنصار الله»، فقد فُرِضت الحرب عليهم تماماً كما فُرِضت على كلّ اليمنيين، ومن فرضها كان يعلم أن التوسّع فيها سيخلق حالة شبيهة بوضعية عام 1994 حين انقسم الشعب بين جيشين وحكومتين، وللمصادفة أيضاً، فقد وقفت السعودية حينها في صفّ الحكومة التابعة للحزب الاشتراكي في الجنوب، مع انها تتعارض وإياها إيديولوجياً وسياسياً. هذا الوقوف يتكرّر اليوم ولكن على نحو أكثر هزلية وأقلّ اعتماداً على الانقسامات الإيديولوجية، فالاشتراكية التي كان يعتنقها الحكم الجنوبي لم تعد قائمة وهي لم تكن أصلاً السبب في الموقف السعودي حينها والذي كان أقرب من الناحية الإيديولوجية لحكم علي عبد الله صالح في الشمال. كلّ ما في الأمر أنّ المصلحة المباشرة للمملكة الوهابية اقتضت حينها الوقوف إلى جانب خصوم إيديولوجيين في مواجهة الجيش اليمني الذي كان يمثّل الهيكلية المعتمَدة من قبل حكم الوحدة، والذي كان يُؤمَل منه أن يكون رافعةً حقيقية لتوحيد اليمنيين على قاعدة الولاء للدولة بعد سنوات طويلة من التدخّلات السعودية الوقحة في تشكيلاته المختلفة. والحال أنها - أي التدخّلات السعودية - كانت تأخذ أشكالاً مختلفة، فمرّة تحدث عن طريق شراء الولاءات كما هي الحال مع الفرقة الأولى مدرّع التي كان يقودها علي محسن الأحمر ومرّة أخرى من خلال اللعب على الانقسامات القبلية داخل صفوف ضبّاط الجيش، وهي اللعبة المفضّلة بالنسبة إلى السعوديين، على اعتبار أنّ القبائل اليمنية تملك في معظمها امتدادات داخل الجزيرة العربية. هذا الواقع لم يتغيّر طيلة حكم علي عبد الله صالح واستفادت منه السعودية لخلق قاعدة مستقرّة لنفوذها الذي أصبح موجوداً حتى في الجنوب، وهو ما يفسّر تهافت القيادات التي تمثل الحراك الجنوبي حالياً على الرياض لقطف ثمار العدوان الذي تخوضه المملكة الوهابية ضدّ اليمنيين، والاستفادة من دعمها لهم في مواجهة «أنصار الله» والجيش اليمني.

الهروب السعودي إلى الأمام

بهذا المعنى، فإنّ السعودية تبدو رغم هزيمتها الميدانية وعجزها عن إيقاف زحف الحوثيين إلى عدن والضالع وأبين و... إلخ مستفيدةً من استمرار حالة الانقسام في صفوف اليمنيين. فهذه الحالة تسمح للقيادات التي تعارض «أنصار الله» بدعوى غزوهم للجنوب و»قتلهم لمدنييه» بزيادة الاعتماد على نفوذ السعودية، على أساس الموقف المشترك من الحوثيين والجيش الذي يشابه موقفها إبان الحرب الأهلية في التسعينيات من القرن الماضي. والمشكلة أن هذا التسويغ السمج والذرائعي لم يعد يلقَ معارضة كافية في مدن الجنوب، وإذا حصلت معارَضة له (كما هي الحال مع مواقف بعض الشخصيات في التجمّع الناصري أو الحزب الاشتراكي) فلا تكون على الأرجح وازنة، وبالتالي لا تسمح بتكوين إجماع حولها كما ينبغي أن تكون عليه الحال في مواجهة عدوان مماثل. كلّ ذلك يدفع السعودية إلى الهروب قُدُماً، هذا بالإضافة إلى اتخاذ مواقف لا تعبر عن الواقع الفعلي على الأرض، فهي لا تعتبر نفسها مهزومة أو عاجزة عن تحقيق الانتصار (والعجز عن هزيمة «أنصار الله» والجيش اليمني بسلاح الطيران والقصف المدفعي هو بحدّ ذاته هزيمة).
ولذلك تستميت إلى جانب من تبقّى من حلفائها داخل التحالف في خلق واقع ميداني يسمح لهذا الانقسام السياسي (وأشدّد هنا على أنه سياسي وليس طائفياً لأنّ الطائفية كأداة سياسية لم تُستعمَل يوماً في اليمن وإذا استُعملت على سبيل التجربة فلن تنجح في ظلّ الواقع اليمني الذي لا يشبه من حيث البنية والتركيبة الاجتماعية أيّ واقع عربي آخر وخصوصاً في «المشرق» حيث تستعمل الطائفية باستمرار كأداة لتحطيم المجتمعات وتوسيع رقعة الحروب عليها) بالتموضع ميدانياً في رقعة جغرافية، على أمل تحوّل هذه الرقعة إلى ساحة لحرب بديلة يمكن من خلالها تحقيق انتصار ولو رمزي في الأماكن التي لا يزال القتال فيها مستمراً.

معارك الوقت الضائع

حالياً تقترب معركة عدن من نهايتها من دون حصول السعودية على ما تريده منها، ففضلاً عن الفشل في إعادة عبد ربه منصور هادي إلى المدينة، هنالك عجز حقيقي عن استثمار حالة التعبئة ضدّ «أنصار الله» في الجنوب والتي وفرت غطاءً لمجموعات قتالية مختلفة لا تجمعها إلا الخصومة مع الحوثيين والجيش اليمني. ورغم توسّع الحالة القتالية هناك وإتيانها على المدنيين أيضاً (آخر ما حصل هو المجزرة التي أوقعها قصف الجيش وأنصار الله بحقّ النازحين من حي النواهي) إلا أن الواقع الميداني بقي على حاله ولم يشهد تحوّلات جذرية تنبئ بقرب سيطرة السعودية ومقاتليها على المدينة. هكذا، غدت «المقاومة الشعبية» التي وُضِع لها إطار سياسي من جانب السعوديين وحلفائهم منقطعة عن الواقع، فهي لم تقدر على تعبئة الناس في عدن ضدّ الجيش والحوثيين، وعجزت في الوقت نفسه عن مواجهتهم ميدانياً رغم الدعم الذي توفّر لها من خلال الغارات الجوية على مواقع الجيش في المدينة وكذا الحصار البحري المضروب حول الميناء.
وجلّ ما استطاعت فعله هو تأخير سيطرة أنصار لله على عدن، ريثما يأتي المدد من القوى الأجنبية التي كانت تتحضر للإنزال في المدينة، وهو ما لم يحصل لحدّ الآن، وفي حال حصوله لن يكون على قدر التوقعات وسيندرج على الأغلب في إطار الحدّ من التراجعات القائمة. بالطبع هذا لا يعني أن الواقع في عدن قد مال تماماً لمصلحة تحالف «أنصار الله» والجيش، إذ لا يزال بإمكان المملكة الوهابية أن تجد أُطراً أخرى تساعدها في التعبئة ضدّ الحوثيين، وهذه الأطر قد لا تعبر بالضرورة عن واقع الجنوب السياسي كما يفعل الحراك الجنوبي، إلا أنها قد تغير من الواقع الميداني بعض الشيء. وأقرب نموذج لهذا الإطار هو محافظة حضرموت التي جرى تسليمها بالكامل لـ «القاعدة» على أمل قيامها بتحريك الواقع الميداني في هذه المحافظة الكبيرة بحيث تشكل ضغطاً على قطعات الجيش المتواجدة هناك، وتمنع الحوثيين من تكرار سيناريو عدن الذي أصبح بمثابة كابوس للمملكة الوهابية. التكتيك هنا سيكون قتالياً بحتاً وسيغيب عنه العنصر السياسي نظراً لانعدام الحاضنة الاجتماعية للقاعدة، وفي هذه الحالة سيجري العمل على الاستفادة من الزخم القتالي للتكفيريين بغية إيجاد توازن عسكري يمنع «أنصار الله» من مواصلة «انتصاراتهم» التي حقّقوها في مواجهة القوى التي تدعمها السعودية في الجنوب.
هذا التوازن سيسمح إذا ما تحقّق بإعادة تجميع للقوى التي هُزِمت في معركة عدن والتي تعوِّل عليها المملكة الوهابية لإحداث خرق سياسي في المشهد يمكن من خلاله الانتقال إلى مرحلة التفاوض. لا يمكن للسعودية أن تفعل أكثر من ذلك في ظلّ موازين القوى الحالية، وانتقالها بالحرب من مرحلة إلى أخرى يعكس بالضبط عجزها عن تحقيق الأهداف التي وضعتها للعدوان. هي الآن تتحضّر لمرحلة التفاوض ولكن من دون الإمساك بورقة عدن التي عوّلت عليها منذ البداية، وفي حال فقدانها لمزيد من المدن في الجنوب فستخسر حتى إمكانية التفاوض، وهذا بالضبط هو الخسارة التي يعوَّل عليها لإنهاء الحرب.
* كاتب سوري