نشر الكاتب الفلسطيني المقيم في سوريا سابقاً، والآن في باريس ماجد كيالي مقالة («النهار»، 21 نيسان/ أبريل الماضي) يفتئت فيها على الجبهة الشعبية وزيارة وفدها الأخير إلى إيران. يلوي فيها الكاتب أعناق الحقائق كما في معظم مقالاته الأخيرة، بحكم مقتضيات مكان إقامته، فهو يتساءل: ما الذي تريده الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من زيارة وفدها القيادي إلى طهران في هذه الظروف؟ وما الذي يمكن أن يقدمه النظام الإيراني لها؟ ثم ما معنى هذه الزيارة في السياقين العربي والفلسطيني؟

في إجابته على الأسئلة التي طرحها، يقول الكاتب (بل يحكم!) وكأنه كان عضواً في الوفد: «بأن الزيارة لن تُقدّم شيئاً لجهة التأثير في سياسات طهران الفلسطينية والعربية، والمفارقة أن الجبهة بدورها لا تستطيع الاستفادة من أي دعم إيراني لها، في المجالين السياسي والعسكري، فلا أوضاعها ولا إمكاناتها ولا الظروف الفلسطينية والعربية تسمح لها بذلك».

الكاتب يعتبر أن «إيران مسؤولة عن تقويض وحدة المجتمعات العربية». وأنها (الزيارة) تحصل في ذروة تورط إيران في اندلاع حروب أهلية في عديد من البلدان العربية... فهي «تشارك في قتل السوريين دفاعاً عن نظام الاسد»... ويعتبر «أن الزيارة تأتي في ظروف لم يعد فيها الصراع مع إسرائيل في الحسبان، لا بالنسبة لإيران ولا بالنسبة لذراعها المتمثلة بحزب الله... الخ، بالتالي لا يوجد سبب للزيارة. ما يعني أنها تتصرف هنا بطريقة لا تتساوق مع ادعاءاتها التاريخية عن ذاتها، ولا مع نقدها للأطراف الفلسطينية الأخرى التي تأخذ عليها تأسيس علاقاتها مع الأنظمة بناء على الدعم المالي!». في ختام «إتحافنا» بآرائه العتيدة يخلص كيالي إلى القول: «الجبهة لم تعد تختلف عمن تنتقده»، ويقول: «بئس الزمن الذي باتت فيه الفصائل أهم من فلسطين... والذي باتت فيه رواتب متفرغيها أهم من شعبها وحقوقه وكرامته».

الجبهة الشعبية مارست
الكفاح المسلح قبل كل الآخرين،
من دون إعلانه

بداية، أولاً: أنا لا أرد على الكاتب، فالجبهة الشعبية والطرفان المعنيان الآخران اعظم وأكبر بالكثير الكثير من الرد على مجرد كاتب مشكوك في ولاءاته الفكرية والسياسية الخاضعة دوماً لحسابات الربح والخسارة... يشكك بما أسماه «الإدعاءات التاريخية للجبهة عن ذاتها!». ثانياً: أثق تماماً بإدراك جميع الفلسطينيين والعرب وقسم كبير من الأجانب، والأنظمة العربية كافة ومعظم دول العالم للجبهة، المُحارَبة فكراً واستراتيجية وممارسة عملية. تحاربها معظم الأنظمة الرسمية العربية والإقليمية والدولية لأنها ترى في منطلقاتها خطراً على أهدافها ومخططاتها في المنطقة، وكثيرون منها يضعونها على قائمة «الإرهاب». الجبهة هي حزب الفقراء بكل قادتها وكوادرها وأعضائها. الجبهة كانت، وهي، وستظل صمّام أمان الثورة الفلسطينية. تتجه بوصلتها حيث تتجه الجماهير الفلسطينية وطموحاتها. الجبهة الشعبية مارست الكفاح المسلح قبل كل الآخرين، من دون إعلانه، إبان حركة القوميين العرب من خلال الجهاز النضالي للحركة (شباب الثأر)، وفقدت الشهداء ومنهم الشهداء الأبرار: الشهيد المناضل خالد أبو عيشة، الشهيد المناضل محمد اليماني، الشهيد المناضل رفيق عساف، الأسير المناضل سكران سكران. أثناء عودتهم من عملية في فلسطين المحتلة عام 48، كان ذلك في عام 1964 أي قبل ما هو مؤرخ لانطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة في الزمن الحالي... فشعبنا قام بالعديد من الثورات على مدى تاريخه.
أعضاء الجبهة الشعبية رُحلّوا من مصر والعراق وغيرهما لأنها لا تهادن نظاماً عربياً منذ انطلاقتها، لا على موقف ولو صغير لها ولا على مبادئها. جورج حبش كان نفسه معتقلاًَ في سوريا وتمكنت الجبهة من إخراجه عنوة وتهريبه إلى لبنان. بعد الترحيل مع تنظيمات الثورة من الأردن والاستقرار في لبنان شكلت الجبهة مسلكية ثورية متميزة (كما في الأردن) في التعامل مع الأحزاب والقوى الوطنية اللبنانية والأهم: مع الجماهير اللبنانية. وانتقدت وقاتلت ضد القوى المتآمرة من أجل تصفية مخيم تل الزعتر ولم تهادن. قاتلت واستشهد مسؤولها العسكري المناضل أبو أمل والعشرات من مقاتليها. الجبهة أعدمت مقاتلاً منها لأنه سلب غرضاً بسيطاً. كان العقاب قاسياً لكنها أرادت تثبيت نهج، وأهل الجنوب في كل مواقعهم ما زالوا يشيدون بالمسلكية الثورية لأعضاء الجبهة.
معروف للقاصي والداني بساطة حياة أعضاء الجبهة، بدءاً من أمينها العام جورج حبش القائد والمفكر الفلسطيني والعربي والأممي حتى أصغرعضو فيها... بساطة حياة كل منهم وابتعاده عن مظاهر الفخفخة والاستعلاء كافة وجميع المظاهر الأخرى المسيئة. معروف عنهم: التواضع والالتصاق بالناس العاديين! لو تساءلنا: من هم قادة الجبهة بالمعنى التاريخي: الأمناء العامون، الأسبق والسابق: القائد المؤسس جورج حبش، الشهيد أبو علي مصطفي الذي اغتاله الصهاينة بثلاثة صواريخ. أما أعضاء مكتبها السياسي فمنهم الشهيد غسان كنفاني الذي قالت عنه غولدة مائير بعد اغتياله بتفجير سيارته: «بقتله تخلصنا من كتيبة دبابات والآلاف من المخربين»، الشهيد محمود الأسود (غيفارا غزة) الذي قال عنه قادة العدو حينها وعن الجبهة: «بأنها تسيطر على غزة في الليل، ونحن نحتلها في النهار». الشهيد وديع حداد المناضل المعروف على النطاق العالمي، الذي دوّخ القوى الإمبريالية والكيان، مخطط العمليات الجريئة الذي رفع شعار الجبهة «وراء العدو في كل مكان». المناضل أبو ماهر اليماني الذي يعرفه لبنان عن بكرة أبيه بمخيماته الفلسطينية. هذا الذي يعتبر الضمير الطاهر والنقي للثورة الفلسطينية، وغيرهم من المناضلين المعروفين الأحياء... أمد الله في أعمارهم. أما الأمين العام الحالي القائد أحمد سعادات فهو المحكوم بثلاثين عاماً، (بعد اغتيال الجبهة للفاشي الوزير زئيفي رداً على اغتيال أبو علي مصطفى)، وقد اعتقلته السلطة ورفاقه وأودعتهم سجن أريحا إلى أن اختطفهم الكيان. أما نائب الأمين العام فهو القائد التاريخي المناضل أبو أحمد فؤاد الذي تدرج في مناصبه وبخاصة العسكرية وقيادة قوات الجبهة وصولاً إلى منصب نائب الأمين العام... هؤلاء هم وغيرهم نماذج من أعضاء مكتبها السياسي وقيادتها الحالية.
أذكر كلمات قالها القائد جورج حبش: «السلطة تنبع من فوهات البنادق»، «الثورة الفلسطينية قامت لتحقيق المستحيل لا الممكن». «أنا إسلامي التربية، مسيحي الديانة، اشتراكي الانتماء». تكفي الكتابة عن أبو علي مصطفى بالقليل مما ردده في حياته: على جسر العودة إلى فلسطين نَطقَ جملته الشهيرة: «جئنا لنقاوم لا لنساوم»، وهذا ما مثّله عملياً. في الدورة الرابعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عُقدت في دمشق عام 1979، ألقى القائد أبو علي كلمة الجبهة الشعبية، وأراد الرد على جوقة المادحين لها (من الذين تآمروا عليها في ما بعد) قائلاً: «إذا قاتلت سوريا العدوالصهيوني... سنقاتل معها، وإذا خانت سوريا سنقاتلها». كان ذلك في قلب دمشق وأمام ممثل النظام السوري. هذه باختصار الجبهة الشعبية وقادتها سابقاً، وهي الآن وستظل لاحقاً على النهج نفسه. الجبهة التي أرست في الساحتين الفلسطينية والعربية.
بالنسبة لحزب الله فهو ليس ذراعاً لإيران في لبنان. هو حزب عربي بامتياز. ولو لم يكن حزب الله موجوداً، لكان على لبنان والأمة العربية برمتها إنشاء هذا الحزب الذي لا يزال يتعرض من بعض الأقلام وأجهزة الإعلام الحاقدة لحملة شرسة واتهامات تحريضية تجعل منه حزباً شيطانياً ليس إلا! الفارق كبير بين نقد موضوعي يوجه إلى الحزب حول بعض مواقفه السياسية، وبطريقة بعيدة عن الإساءة والتجريح، وبين السباب والشتيمة، واتهامه «بالتنسيق مع أعداء الأمة العربية» وكأنه «محتل للعديد من العواصم العربية»، وكأنه يقف عثرة في طريق تحرير فلسطين، وكأنه حزب «يمارس بلطجةً على الآخرين»! وأنه «ذراع لإيران في المنطقة». ما يجري هو شتم من أجل الشتم وبعيد كل البعد عن الحقيقة والموضوعية، يتم بطريقة تنم عن الحقد أكثر منها انتقاداً لمواقف! يتم بطرق هدفها: حرف اتجاه الحقائق ولوي أعناقها، وتوريتها بالأضاليل الزائفة! وعن مواقف دوغمائية مسبقة يتقن ويدرك أصحاب الأجندة... الجهات التي تقف وراءها. لقد انطلق الحزب متبنياً مقاومة العدو الصهيوني وتحرير كامل التراب الفلسطيني وتحرير مزارع شبعا... وهو يتبنى شعار إزالة الكيان.
غريب أن الكاتب الفلسطيني المعني لا يُلقي بالاً للمؤامرات التاريخية. منذ بداية التاريخ الحديث حتى اليوم على الوطن العربي، بالرغم من إقامته في إحدى عواصم حياكتها. نعم، المؤامرات الغربية منها بزعامة الولايات المتحدة والصهيونية وعموم الغرب، وقوى اقليمية وعربية ودور الرجعيات المحلية فيها، ووسائلها وأدواتها مثل «داعش» و«النصرة»، ومعارضة فنادق السبع نجوم المسترخية في أجواء العواصم الغربية والتي تنقل الولاءات من سيّد لآخر، والمتلقية للدعم المالي من الأسياد المخططين «معارضة آخر زمن» للنظام السوري؟!
اليمن لم يخض حرباً على السعودية ولا على أيّة دولة من دول الخليج. السعودية هي التي قادت تحالفاً لإعلان الحرب عليه، وهي التي حاربته ست مرات، ابتداءً من عام 1926 مروراً بثورة السلال وصولاً إلى ما سمي بـ «عاصفة الحزم» التي بالمعنى الفعلي لم تحقق أياً من أهدافها.
بالنسبة للكاتب المعني، ومواقفه المعلنة واتجاهه السياسي الجديد، فإن عناوين بعض مقالاته، تدلل على نمط اتجاهه الحالي، من هذه العناوين: «صعود وأفول حزب الله»، «المصير التراجيدي للمقاومة والممانعة»، «افتراءات نصر الله»... وهكذا دواليك. أترك للقارئ التعليق على صحة ما أورده كيالي من افتراءات.
* كاتب فلسطيني