تعمل إدارة أي احتلال في أي بلد تحتله، عسكرياً أو بنفوذ مباشر أو بإدارة منظمة، على صناعة قاعدة اجتماعية وطبقية لها من أبناء شعب ذلك البلد المحتل، وبخاصة في مجال السياسة العامة والسياسيين العاملين، تتحول إلى قوة مواجهة وجهة معبرة عن مصالح الاحتلال التي وظفت لها، بل وتتحول إلى نخب بديلة عملياً في تأبيد الاحتلال واستمراره أو تغلغله ومد نفوذه ونشر ثقافته وتبرير ممارساته والتفنن في التخادم له. فتدافع عنه في ابرز المجالات التي يريد لها أن تقوم بها، وتذبّ عنه في اغلب الحالات التي يتعرض لها في كارثة احتلاله.


وتمارس هذه الفئات المتحولة أدواراً بشعة في تنفيذ السياسات المرسومة لها والمخططة للبلد المحتل، وتصبح مظهره الخارجي وصورته البارزة، حتى ولو اختفى وجوده المباشر أو قواته العسكرية أو مرتزقته المجلوبون معه من غير أبناء ذلك البلد. وتتظاهر بعد تمكنها بدور قد يختلف عن حقيقتها ومنشأها الأساسي، بل وتسعى إلى التغطية والتضليل وتشويه الحقائق والوقائع، فلا تجد حرجاً في نقد الاحتلال، لا سيما إذا فضحت مخططاته الإرهابية والعدوانية واستفزت ممارساته الإجرامية الرأي العام والجماهير العريضة من المجتمع المنكوب. ولا تشعر أو تندم على الكوارث التي نفذها الاحتلال وأدارها بالخراب والاختلال. ولا تهتم لمصائر الجماهير الواسعة ومستقبل البلاد والعباد. وتربط أو ترهن مستقبلها بقوة الاحتلال والتخادم معه، بل وتزيد أحياناً أو تبالغ في كل ذلك. ولم تختلف في العراق هذه القاعدة الذهبية للاحتلال، بل زادت توسعاً في تعميق الهوة بين الشعب والسلطات، وكرست القاعدة الأخرى لأي احتلال استعماري، قاعدته الجديدة القديمة، قاعدة فرق تسد، المعهودة، في تفتيت الشعب المبتلى بالاحتلال وخدامه والمتخادمين من الصناعة الجديدة له.

سياسيو الاحتلال هم أدواته المعلنة وبقاؤهم في الواجهة إعلان صريح لمشاريعه

انسحبت القوات العسكرية الأميركية وحلفاؤها الغربيون من العراق، ولكن لم ينته الاحتلال ولا نفوذه ولا داعموه من أصحاب المال والنفط ومدن الملح، الذين لم يتركوا للعراق والعراقيين فرصة التخلص من الاحتلال العسكري الغربي والتهيؤ لإعادة البناء والأعمار ومسك زمام الأمور وطنياً وانجاز مهمات التحرر الوطني. ليقوموا بدوره الآخر، ويبرهنوا له قدراتهم في تكريس أهدافه وحتى شعاراته الكاذبة. وما تصريحات قادتهم وهز رؤوسهم في المؤتمرات الصحافية مع إدارة الاحتلال وممثليه الرسميين، إلا دليل واحد بارز وجلي لمن يريد الاستفسار أو السؤال عن الدلالة والمعنى لما حصل ويحصل اليوم في العراق مثلاً، وفي الساحات الأخرى أكثر من إثبات وشهادة، بل وصمة عار أبدية يسجلها التاريخ لكل من أسهم بأي دور في تمهيد الاحتلال الصهيوغربي للعراق وما حصل فيه والمنطقة العربية من بعده من كوارث متتالية ومآسٍ لا تعد ولا تحصى.
ليس آخرها ما سمي بتنظيم «الدولة الإسلامية». و«داعش» عنوان واضح لما خطط للأمة العربية وبيّت للدول الإسلامية التي تسعى إلى التحرر من الاستعمار وأعوانه، ومن الاحتلال والاستيطان والإذلال وخدامه. ووظف اعتيادياً للمهمات التي يقوم بها الآن في العراق وسوريا وغيرهما من البلدان العربية خصوصاً، ولكن خريطته التي يعمل عليها أوسع مما معلن لحد الآن، بل والنوايا السوداء المكشوفة تشير إلى ذلك، وتكشف ما يراد للمنطقة وشعوبها منه ومن بعد ذلك. وما عرف عن «داعش» ومرتزقته ومريديه رأس الجليد في الواقع العربي والإسلامي، إذ رسمت له الخرائط وأعدت له الميزانيات المليارية ووفرت له غرف التخطيط والتجهيز والعدة والعدد، من دون حساب لإرادات الشعوب وخياراتها الوطنية والقومية، ولا اعتبار من دروس تاريخها ونضالاتها وصفحات كفاحها الوطني المشهود له والمعروف عنه.
تكشف ممارسات سياسيي ما بعد الاحتلال الصهيوغربي للعراق وما حدث بعده من تطورات خارج العراق وفي المنطقة، بعض المديات التي تعبر عنها سياسات إدارة الاحتلال وأساليبها القديمة - الجديدة. وهي لا تخفي أهدافها ومقاصدها وأغراضها لكل ما قامت به أو صرحت عنه أو طلبته، سواء بنفسها أو عبر من تخادم معها داخل العراق وخارجه. وتفضح أعمال سياسيي ما بعد الاحتلال المخططات العدوانية للاحتلال بأشكال واضحة وتبرهن عليها في المجالات التي وظفت لها أو كلفت بها أو تورطت ذاتياً فيها. سيمرّ قريباً عام على الإعلان الرسمي لاحتلال أكثر من ثلث مساحة العراق، من قبل «داعش»، ولكن التحضير له غير المعلن أطول كثيراً من العام هذا، والتهيئة العملية وتوفير الحاضنة والبيئة كانت قائمة وفرسانها ما زالوا في واجهة المشهد الإعلامي والسياسي، والمليارات العربية الموظفة لخدمتهم وديمومة بقائهم على أهبة الاستعداد وتنفيذ الأدوار المخطط لها والمرسومة بدقة قائمة بل وتزداد مع توسع الولاءات وإعلانات البيعة لـ«داعش»، الواجهة الأخرى للاحتلال الصهيوغربي للمنطقة.
ولعل متابعة تصريحات بعض هؤلاء، لا سيما من هم في العملية السياسية أو تحت خيمة داعميها أو عواصمهم، ولا سيما في العمل على تنفيذ مشروع بايدن في تقسيم العراق والترويج له علنياً... تبيّن أن سياسيي الاحتلال هم أدواته المعلنة وأن بقاءهم في الواجهة إعلان صريح عن مشاريع الاحتلال وخططه وبرامجه وأهدافه. ولكل هذا لا بدّ من التنبيه والتنبه منهم ومن كل ما يقومون به ويعملون عليه. إن خطرهم امتداد لخطر إدارة الاحتلال. وترك الساحات لهم يضيف صعوبات أخرى للكفاح الوطني والإرادة الشعبية التي تناضل من اجل التخلص من الاحتلال بكل أشكاله وأساليبه، وكل مخططاته وأهدافه.
الحذر من سياسيي ما بعد الاحتلال واجب، فهؤلاء تمت صناعتهم لأداء سياساته وانجاز مشاريعه التي لا يمكن أن تكون في خدمة المصالح الشعبية والوطنية والقومية.
* كاتب عراقي