عبد الحليم فضل الله*


خرجت الدولة الحديثة من رحم العلاقة بين الدين والسياسة. هذه العلاقة كانت حاضرة في كل مرة فتح فيها سجال التقدم والتأخر، أو كان المجتمع يتهيّأ للدخول في طور جديد. وستبدو مسائل الإصلاح والنهضة والتنوير التي حددت معالم الفكر السياسي الحديث، خالية من المعنى لولا قيامها على نفي تأويلات دينية مقابلة، في ميدان العقل والتجربة والعلم، والحصيلة السياسية التي انبثقت منها هي أن الكائن الفاعل يجسّده ذلك الفرد الحر الذي يبني يقينه بنفسه فيستحق مركزيته المتألّهة في المعرفة وفي الوجود... وفي السلطة.
وبقليل من المبالغة يصح القول بأنّ حداثة القرن العشرين التي قامت على دعوى التناقض المرير مع الدين، أوجدت دياناتها الوضعيّة في قوالب صارمة أو مرنة، فأعادت من حيث لا ترغب وبطرف خفي للدين شرعيّة سلبت منه، بلغ ذلك ذروته في الربع الأخير من القرن المنصرم، حين بدأ الدين خروجه المفاجئ في الشرق وإلى حد ما في الغرب، من اللاوعي الجماعي الغائر، إلى المسرح المنظور، وهناك الآن ميل لتجديد الاعتراف بالدين كقوة اجتماعية راسخة لا يمكن ولا يحسن تجاهلها (ريجيس دوبريه ..)، وليس فقط كلاهوت وشريعة أو كمجرد إيمان خالص. سبقت ذلك وتلته اعترافات فكرية كثيرة بأنّ الدين ما زال فاعلاً ورئيسيّاً في تفسير الفروق والتناقضات الكبرى في العالم وفهمها.
ربما كان تلازم الظاهرتين، الدين والسياسة، دليلاً على وجودهما داخل سياق تاريخي واجتماعي واحد، لا يقوم بأحدهما دون الآخر. سياق يجمع ما بين ضرورة السلطة وضرورة فرض قيود عليها. ففي جميع الحالات التي لا يكون فيها الدين بحد ذاته سلطة، يصبح تلقائياً مساحة حرة خالية من أي حضور مهيمن للقوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسيّة، وفي داخلها يتم منع نظم العلاقات المترتبة على الإنتاج والعمران، من أن تفترس الفردانية القصوى المعبّر عنها بالإيمان. إن من أهم ما يتسنّى للدين إتاحته أيضاً هو توفير حصانة «متسامية» لوجود الإنسان الفاعل المستقل في وجه السيادة «الشاملة والمتسامية» للدولة المعاصرة، حيث الصلة واهية بين الحقوق القانونية والنظرية للفرد وحقوقه الفعلية الواقعية في خضم عالم مشحون بالسلطات.
مفاهيم ومداخل
بيد أنّ معالجة علاقة الدين بالسياسة، تتطلب تخطّي قلق مفهومي لا قرار له، وخروجاً من التباسات أفضت إلى قراءات غير بنّاءة.
ثمة أكثر من معنى للسياسة.. فهل هي فضاء افتراضي لتفاعل الهويات الاجتماعية، أم مجال وظيفي لتقييدها والعبث بتركيبتها؟ هل هي قانون اجتماعي بموجبه تغدو السلطة تعبيراً صافياً عن تطور المجتمع ونمو غاياته، أم مؤسسة محافظة مهمتها إعاقة التقدم، عبر حبس المجتمع أطول فترة ممكنة، داخل أقفاص بيروقراطيتها العملية والذهنية؟
ثمة أيضاً أكثر من فهم لوظيفة الدين ودوره، فهل الدين حافز للبحث عن المعنى خارج هيمنة «خطاب السلطة»، أم مصدر إضافي للرقابة والزجر، أم خيار فردي وجماعي يستلهم الحاجات المادية والمعنوية المتآلفة، أم تعالٍ لاتاريخي مفارق؟...
هناك ثالثاً أكثر من مدخل لتفسير اتساع دور الدين في السياسة. يقع تنوع الآراء هنا بين حدين: بين من يجد في هذا الاتساع انتكاسة تطور ناجمة من نقص الجهوزية الاجتماعية لاستيعاب تسارع التقدم المادي، وما ينتج منه من تمزق مؤلم للهويات، ومن تنابذ متزايد بين التقاليد والحاجات المتزايدة، وبين من يرى أن الدين سبيل لا بديل منه لامتصاص النتائج غير المرغوبة للتطور نفسه، وللإبقاء على حضور إنساني ملموس في عالم «الأشياء» الذي يزداد قوة واتساعاً. العلاقة بين الدين والسياسة في الفهم الأول هي علاقة ارتداد وفي الفهم الثاني علاقة حداثوية تبحث عن ربط التطور بجذور القوى الاجتماعية المحركة، وتنظر إلى الدين خشبة خلاص في غمرة التدفق الخطر لمنتجات الحداثة.
الدين والسياسة في لبنان والعالم العربي:
قامت الدولة العربية ما بعد الاستقلال على أساس محاولة لم تنجح لتجاوز السؤال الحرج عن موقع الدين من الدولة، ومحل السلطة من الدين. تسببت هذه المحاولة في تجميع أسباب الانفصال بين الهرم العلوي للسلطة وركائزها الاجتماعية. لكن هذا الانفصال الفعلي بقي مؤجلاً لفترة من الزمن، بسبب هبوب رياح مؤاتية استفادت منها الأنظمة القائمة طوال عقود: التدفق الهائل للموارد النفطيّة، والزخم الحماسي والوطني للصراع مع المشروع الصهيوني ما اعتبر مصدراً بديلاً من الشرعيّة، ووعود التنمية والتحديث والوحدة التي جمعت تحت رايتها قوى اجتماعية مؤثرة، ناهيك بالاستثمار الناجح في الانقسام الدولي أثناء الحرب الباردة. وقد ساهمت هذه العوامل وغيرها في إقصاء إشكالية الدين والسياسة على الرغم من حضورها العميق في الوجدان السياسي العربي، فتحولت إلى سؤال مكتوم ومحرّم يحتجب تحت غلالة رقيقة من شبكات المصالح المالية والنفطية والعصبوية والعائليّة المدعومة من الخارج غالباً، والتي سميت بشيء من التعسف «دولة».
ومع تبدّل اتجاه الريح، وفشل دول الاستقلال في إنجاز ولو اليسير من أهدافها، ومرور وقت كافٍ لاكتشاف عقم الرهانات الكبرى، تفتّتت أغلفة السلطة لينكشف الفراغ الهائل في المكان الذي كان يظن كثيرون أنّه مليء بمشروع الدولة، ولتطفو على السطح الأسئلة المحرّمة عينها. وبالتالي المد الديني الراهن الذي يقبض على العناصر الفاعلة في العالم العربي لا يعبّر عن انسداد الأفق السياسي كما درجت التحليلات على اعتباره، بل ينمّ عن تعامل متأخر مع إشكاليات مؤجلة. ويشير إلى وجود رغبة شعبية عارمة في إنتاج محرّكات جديدة للسلطة، وإيجاد نقاط ارتكاز مختلفة لنهضة سياسية محتمة.
وبخلاف ما كانت عليه الحال في الدول العربية الأخرى، قام الاستثناء اللبناني منذ البداية على أساس المبالغة في إشهار علاقة الدين بالدولة، والفكرة التي تسوّغ ذلك هي أن قدراً وافياً من الإفصاح والوضوح يساعد على نزع عناصر التأزم وتثبيت الاستقرار، في مجتمع صغير جداً قياساً إلى شدة تنوّعه.
بحسب الميثاق الوطني الأول عام 1943، تمت صياغة إشكالية الدين والسياسة في لبنان بطريقة تتعارض مع صياغتها التاريخية المطروحة في العالم العربي. فالأمر لا يتعلق البتة بشكل الحكم، ولا بالهوية الجامعة للأمة، ولا ببقايا الأسئلة العالقة منذ سقوط الخلافة العثمانية، وإنما يرتبط بالسعي إلى استيلاد هوية وطنية جامعة، مستجمعة من هويات صغرى، الدين هو المظهر الأوضح في تمييزها ورسم فوارق ما بينها.
ويمكن ملاحظة الأمور التالية في المرحلة الممتدة من الاستقلال إلى ما قبل الحرب الأهلية:
ــ وجود علاقة صريحة بين الدين كهوية اجتماعية والسلطة. التعريف الاجتماعي للدين جعل النظام السياسي في لبنان متعدد الوجوه بين علمانية واضحة في المجال المدني الواسع للسلطات الثلاث، ونقض قروسطي لها، عبر إقرار حقوق سياسية للطوائف تطيح المواطنية القائمة من حيث المبدأ على تساوي الفرص.
ــ القدرة على امتصاص الصدمات الناتجة من تضارب امتيازات الطوائف، في إطار الجسد الهلامي والمرن لكيان الدولة. هذا في الشكل، أما في المضمون فإن ما ساعد على لجم التناقضات المحلية آنذاك وتحقيق استقرار نسبي ومؤقت للنظام هو قيام تراتبية السلطة وتوازناتها بين المجموعات الدينية على أساس غير متكافئ، تمثّل أساساً في وجود طائفة قائدة. لكن مياه التغيير كانت تسير على غفلة تحت الجسور بانتظار نقاط انحدار تحوّلها إلى مساقط هادرة.
ــ إن استتباب العلاقة بين مكونات النظام السياسي وذلك حتى نشوب الحرب الأهلية، لم يتأتّ فقط من كوابحه الذاتية، الناشئة عن تكتيل السلطة في بؤر طائفية واجتماعية وسياسية محددة، فقد ساعد عليه أيضاً تجميع تلك الطوائف بمعرفة منها أو من دون معرفة داخل «ايديولوجيا موحدة» يمثلها المشروع الاجتماعي ــ الاقتصادي ــ السياسي للنظام: الازدهار غير المتوازن، الليبرالية النخبوية، الانفتاح على الغرب في مقابل التحفّظ في الداخل العربي. ويمكن القول بأنه وحتى اندلاع الحرب، جرى توظيف العصبيّة الدينيّة لحفظ التوازن الداخلي لهوية لبنان غير المتكافئة، وليُستبعد أي مشروع آخر يحمّل الفئات الحاكمة تبعات والتزامات تتعارض مع الاعتماد المتبادل القائم في ما بينها حصراً، وذلك بدعوى أن الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي سيمس الاستقرار الحرج للنظام برمته.
قُيّض لهذه الصيغة أن تصمد بالنظر إلى توافر شروط تخدم استمرارها. فالمنطقة لم تكن قد وصلت بعد إلى البحث عن ايديولوجيا داخلية بديلة من تلك الايديولوجيات الوافدة التي أغرقت المنطقة في دوّامتها طوال ثلاثة عقود وعُلّقت عليها آمال عريضة في التنمية والتحرر الاجتماعي. وقد ساهم إخفاق الصيغ التقليدية في لبنان والجوار، في تحويل الاستقطاب السياسي إلى استقطاب عقائدي، من حيث اقتحم الدين الحياة العامة ليضيف إلى صلته بقضايا الانتماء والهوية صلة بوضع الأهداف ورسم المسارات وتقرير السياسات، لكنه بقي مشوباً لدى الفئات المتنازعة بميول فئوية خطيرة أدت أحياناً إلى تبديد التراكم الوطني الذي حققه في أكثر من مكان.
تضمّن اتفاق الطائف الموقّع عام 1989، محاولة لإعادة انتاج المعادلة عينها التي رعت العلاقة بين الدين والسياسة في لبنان، من دون أن تتحسّب للمتغيرات، ما انطوى على مفارقتين على الأقل. الأولى هي أن اعتبار الدين مجدداً جماعة طائفية وعصبيّة اجتماعية، يتجاهل الالتحام الحار في المنطقة بين الدين وقضايا التحرر والمقاومة والإصلاح، من حيث لم يعد في الإمكان العودة إلى التسوية الساكنة التي استوطنها النظام السياسي اللبناني سابقاً، وكان من أغراضها جرّ الدين إلى أن يكون حارساً للخصوصيات لا للتنوع.
المفارقة الثانية ضعف التماسك الايديولوجي للنظام، بسبب تراجع قوة وحجم قاعدته الاجتماعية الاقتصادية المتمثلة في الأقلية المهيمنة على الموارد. هذا يعني أنه فقد الإطار الذي أرسى في السابق العلاقة بين الدين/المجتمع والسياسة/السلطة، وكفل توازناً ما بين الطوائف.
في الخلاصة...
جرى منذ الاستقلال استخدام الدين بهذه الطريقة أو تلك، لإرساء دعائم نظام فريد في محيطه، أُريد له صون مصالح فئات ذات مصالح متشابكة والتعامل مع مشكلة الأقليات في منطقة لا تمنحها ضمانات كافية. كان الظن أن هذا النظام سيحظى بالديمومة نظراً إلى درجة الوضوح التي تمتع بها، وقد صح ذلك لزمن، لكن مع مرور الوقت أخذ يتحول إلى نظام لاعقلاني يحمل في طياته بذور تطرف من نوع خاص.
إن إعادة بناء الدولة في لبنان على سوية من الاعتدال والعدالة يتطلب بادئ ذي بدء إصلاحاً جوهرياً وجريئاً لعلاقة الدين بالسياسة وبالحياة العامة، تقوم على استنقاذه من التبعية للسلطة، وتجديد معنى السياسة من حيث تنطوي على قيم الدين وتستلهم غاياته ومقاصده.
وبعدما بدا عجز «الدين» الموظف في بناء نظام استثنائي، عن توفير استقرار دائم له، وبدا أيضاً فشل «الدين» العصبوي في صيانة اللحمة الاجتماعية، تتعلّق الآمال اليوم على اشتقاق وظيفة سياسيّة جديدة له مطبوعة بمبادئه وأهدافه، وذلك على أساسين: تنويري/إصلاحي بجعله ركيزة لتنقية القيم الاجتماعية والسياسيّة بعد التدهور الواسع الذي لحق بها في أثناء الحرب وبعدها، ونضالي/وطني يجعله رمزاً للهوية الجامعة بدلاً من مهمته السابقة في رسم حدود الهويات الصغرى.
*باحث وكاتب لبناني