الأب جورج خوّام البولسيّ *


ليس ارتباط الدين بالسياسة موضوعاً نخوض فيه خوضنا في طروح علميّة، يألفها طلاب الجامعات في القاعات، بل إشكاليّة متشعّبة تتنافر فيها عناصرها المكوّنة، ومسألة قلّما يبقى ميدان من الميادين البحثيّة في منأى عنها. فإن حاولنا مقاربة العلاقة بين الدين والسياسة مقاربة تاريخيّة، أذهلتنا لوحة قاتمة، لا تلبث أن تظهر لنا بقتامها الحالك. وإن درسنا الجانب الأخلاقيّ، فسرعان ما نرتدع عن قصدنا، إذ شتّان ما بين الواقع والواجب. وإذا شئنا لتجربتنا ميدان الاجتماع مبحثاً نأتي منه اقتران الدين بالسياسة، هالنا واقع الإيديولوجيّات والنظريّات المتعدّدة، والمدارس والتيّارات والمحاولات المتنوّعة. وإن حزمنا أمرنا بقران طبيعيّ بينهما، لا جدل فيه، أسقط في يدنا أمام تنزّه الدين عن حبائل السياسة، وأمام تنصّله من إلزاماتها والتزاماتها. ولو أخذنا، جدلاً، بفرضيّة الطلاق بين مضماري الدين والسياسة لجُرْنا على رسالة الدين السماويّة، حاشا لنا هذا! وأطلقنا العنان للأهواء تعبث في رقاب الناس وأحوالهم. فإذ تبدو الإشكاليّة، حقّاً، معقّدة لتشابك عناصرها المكوّنة، آثرنا منهج الحضارة، نختطّه في محاولتنا تصفّح مضامين هذه العلاقة بين الدين والسياسة.
1 ــ لا ريبة البتّة، أوّلاً، في مقدرة الدين على رفع عمارة الإنسان: فالروح فيه تلطف، والعقل يُشحَذ، والطبيعة يُذلَّل جموحها، والأخلاق تسمو، والمخيّلة تنقى، والحسّ يرهف، والفهم يبلغ، والتقبّل يعظم، والرؤية تُسدَّد، والنفس تجود، والمسلك يستقيم، والذهن يصفو، وحبّ الخير يسود. قد تطول القائمة، ولا حرج بنا أن نمتدّ بها، مفصّلة في مزايا الجبلة البشريّة عندما يعتصرها الدين، حتى تشبع منه. لكنّنا نكتفي بإيجاز ما يدرّه الدين على الإنسان منفعة، فنجزم ونقول بأنه يجعل منه خلقاً مستقيماً، وفاعلاً حضاريّاً. من يَزْدَدْ إيماناً يَزْدَدْ حضارة، ويَزْدَدْ دوره كإنسان «سياسيّ» في مجتمعه، إن عَنَتِ السياسة في معناها الفلسفيّ الأصيل «رعاية شؤون المدينة»، حيث يعيش آباء وأبناء، وأمّهات وبنات، وأحفاد وأجداد معاً. إنّ المؤمن إيجابيّ لا غضن فيه يعكّر جبلته، وبنّاء لا يخطر في باله أن يقوّض، وساعٍ في مساعي لا لوم فيها. إن تقاعس فنُصِح ينتصح، وإن زاغ فرُشِد ارتشد، وإن أخفق فسُئِل تاب، وإن تبصّر بصر. أما ما يأتي الإنسان من نشاط وفعل وقول يخالف به ما تقدّم، على أنه من منبع الدين فلا صدق فيه. وما يأتي الإنسان من نشاط وفعل وقول يفضي إلى البناء والحضارة، على أنه من غير معين الدين فلا هداية فيه.
2 ــ ولا ريبة البتّة، ثانياً، في ضرورة صون الدين مترفّعاً، لرفعته عن صغائر الدنيا: فالتحزّب يورّطه، والتسلّط يولّي عنه، والتقلّب يحبّب تملّقه، والتفرّد يفرده، والأحلاف تمتهنه، والاستئثار يأسره، والمنازعات تتنازعه، والمناورات ترهقه، والخطابات تخبط به، والشعارات تعميه، والطموحات تشي به، والمناصب تزيغه، والمكاسب تضلّه، والزعامات تنزلق به بعيداً! هيهات أن يجد السلام من دعا إليه بالسلاح، وأن يلقى ربّه من لم يلتقِ أخاه. كيف الدعوة إلى الحمد والتوبة تستقيم سالمة صافية، مصعّدة في معارج العبادة، ومرتقية سلالم التقوى إلى الله سبحانه، ويتخلّلها سخط في مجراها، أو تتوسّطها صفقة، أو مكيدة، أو سعاية؟ كذلك الدين، إن انغمس في قضايا الفُرقة والتناحر لا يقضي فيها بالحقّ. وإن أوغل في مصالح الدنيا لا يغلّ له مسعاه. عالمه أبيّ، أيُزَجّ به قسرًا في عالم التسويات؟ وعالمه وفاق، أيُرمى به عنوة إلى عالم الخصام؟ خطابه سماح، أفيُخطَب صراخاً؟ وموئله أمان، أفيُبحَث له عن مأمن؟ لئن قُدِّر للدين أن يرتاد معارج السياسة فليبقَ حكماً، ومن ليست له الحكمة فأنّى له الحكم؟ ولئن قّدِّر للدين أن يتعاطى شؤون السياسة فليعدِل في النصح، وليصوِّب في المشورة، وليفصل بالحقّ في الرأي. ومن يعدل عن النصح، ومن يصوّب على المشورة، ومن يفصل الحقّ عن الرأي، فأنّى له أن يلزم جانب العروة الوثقى؟ إنّ للدين، أجل، علياءه فوق المعالي كلّها، فلا نسلبنّ إيّاه حقّه علينا، ولا نواربنّ، ولا نداهن، ولا نقبل بغيره بديلاً، لأنّ فيه النجاة، وفيه العمران، وفيه حياة كلّنا.
3 ــ ولا ريبة البتّة، ثالثاً، في وقار الدين عند من اتّقى من رجاله: فلا تزلّف عنده، ولا إسفاف فكر. لا إضمار نيّة، ولا مبتغى، ولا رعونة في كلامه، ولا اعوجاج في منطقه. لا عنف، ولا إقصاء، ولا تهويل، ولا تهميش، ولا فساد في التقوى، فإنّما هذه كلّها عيوب تفرزها نفوس ضعيفة، وتأخذ بها تطلّعات معتقديّة، وتسير بها لطغيان فريق على فريق، أو لإفساد في أحوال المجتمع. ليس من لا يحفظ للدين وقاره بمتّق الله! ومن، تُراه، الإنسان الذي يجرؤ بمثل هذا على أعين الملأ؟ من بديهيّات المسألة أنّه ليس ذاك الذي يجاهر به على السطوح، وعلى رؤوس الناس الآمنين. وليس هو بمنادٍ به على ناصيات المنابر، أو بحافز عليه في محافل الأقوام الطيّبين. وإنّما هو امرؤ اتّخذ من الدين له مطيّة، واستلّ حسام الاستعداء به على خصومه ومخالفيه في الرأي، وتدرّع ــ وتذرّع ــ بمجنّ الذود عنه، وظاهر المتمسّكين به على كلّ ذي بأس لا ينحاز إليه. ثمّ صال وجال في حلبات النزال السياسيّ، وكرّ على دعوات من لا يتّفق معه في بلوغ مآربه، ابتغاء في مكسب، أو مجاراة في موقف، أو تحقيقاً لغاية، أو استئثاراً بامتياز.
إنّ دخول الدين معترك السياسة مغامرة، إذ قد يحمل منها ما ليس منه. أما دخول السياسة معترك الدين فمقامرة، ونحن نعلم انّ الميسر حرام. وذلك، يا صاحِ، بأنّ الدين ذو رسالة سماويّة، ورسالة السياسة دنيويّة، وذلك، أيضاً، بأنّ الدين للّه، والسياسة للخلائق. لو كرُم من تعاطى شؤون الدنيا، بلا أثرة، ولا هضم لحقّ الناس، لما تورّع عن مشورة رجال الدين ونصحهم، العارفين به والعلماء منهم! ولو أخلص من يمّم وجهه، سحابة حياته، صوب الأمور الإلهيّة لأبى الانزلاق في مطاوي الانشغالات السياسيّة، متمرّغاً شاء أم أبى في مفازاتها، ومهاويها، ومراميها. فنّ السياسة الأحلاف، والإيديولوجيّات، والمناصب، والاستتباع، والمساومات، والصفقات، أمّا فنّ الدين فصفح، وتسامح، وسلام، وتوادد، وتعارف، وقبول، وحِلم، وأخلاق، وإيمان. يلتقيان على ساح الإنسان والمجتمع: هذا ليحدّد له كيف يسلك مُرْضياً بارئه تعالى، وتلك كيف يسلك مُرْضياً نظاماً ومنهجاً. وفي هذا الوجه، تقبع الإشكاليّة الدهريّة، التي تطرّقنا إليها أعلاه، إذ تصطرع قيم ومبادئ على ساح واحدة، ساح الحياة، حياة الإنسان، إنسان الأمس واليوم والغد.
* مدير معهد القدّيس بولس للفلسفة واللاهوت