نجيب نصرالله


لا حاجة للبرهنة على مسؤولية «الأكثرية»، الحاكمة قولاً وفعلاً، عن تدهور الأوضاع، كل الأوضاع، وفي بلوغ الانسداد السياسي هذا المستوى المتقدم، وغير المسبوق، والمنذر بتداعيات كبيرة وعاصفة، يمكن لها، وهذا المرجح، أن ترتد سلباً فتعيد خلط الأوراق، وربما المساهمة في إعادة تظهير الأحجام الفعلية للقوى كافة، بما يضع حداً للادعاءات والادعاءات المضادة، التي ما فتئت تمسك بخناق المشهد السياسي، الممسوك بدوره بآليات عمل بالغة التخلف والسوء.
كما أن لا حاجة أيضاً للبرهنة على أن قوى المعارضة الممتدة من «حزب الله» إلى «التيار الوطني الحر»، مروراً بالقوى والتيارات الأخرى ذات الشأن، قد عملت وسعها واستنفدت الوسائل في محاولات إقناع القوى المقابلة بأضرار البناء على سياسات المحور الأميركي، وبالحاجة إلى إدخال التعديلات، بما يسمح للبلد أن يتجاوز المخاطر المحدقة به، والناجمة بشكل أساسي عن رهانات مستحيلة، وعقيمة، تتبادلها معظم الأطراف.
لقد راهنت «الأكثرية»، ولا تزال، على إمكان نقل البلد إلى ضفة أخرى، مغايرة للواقع والتاريخ. وتوسلت لهذه الغاية سياسات فاقعة بلغت حد التآمر الواضح والمعلن، وبرزت أكثر ما برزت في خلال العدوان الإسرائيلي، وفي المراهنة السافرة عليه، إذ جعلها تطابق بين عناوين وتفاصيل خطابها وخطاب العدوان إلى درجة بدا معها خطاباً واحداً.
في المقابل راهنت المعارضة، على إمكان إعادة بناء أو ترميم المشتركات الوطنية، غير أن قوى الأكثرية لم تبال، بل هي أمعنت في خطها الانقلابي، الذي أوجبته وتوجبه الأجندة الأميركية، ووصل بها إلى حد الدوس الصريح للدستور وللأساسيات الميثاقية الناظمة للاجتماع.
وفي حين تعبر دعوة المعارضة إلى الاحتكام إلى الشارع عن اليأس من هذا الرهان والتخلي عنه، فإن الإصرار والتعنت الذي تبديه قوى السلطة يكشف عن تشبث بكل الرهانات التي أوجبت عليها تبديد كل الفرص التي لاحت، بدءاً بالحوار وانتهاء بالتشاور، وما بينهما من محاولات ومبادرات، كان لها أن تفتح الباب الواسع أمام الحلول التي تحفظ للبلد بعض المنعة.
السلطة هي الغاية وهي الوسيلة، إنه المختصر المفيد للبرنامج الخاص بهذه «الأكثرية» التي تسنى لها الاستفراد بالحكم ذات حلف رباعي سيئ، وكل ما عدا ذلك من الشعارات والعناوين ذات الصلة بموضوع المحكمة الدولية، أو غيرها يندرج في باب الوسائل التي تفيد الاستمرار في الاستئثار والتسلط.
إذا كان للغاية أن تبرر للوسيلة، فإن العكس غير ممكن وغير مقبول، غايات السلطة ووسائلها تكاد أن تكون هي نفسها. فالهيمنة وسيلة هذه السلطة وغايتها، والاستئثار هو أيضاً وسيلة هذه السلطة وغايتها، وكذلك هو التحريض وسيلة هذه السلطة وغايتها. الحملة «المسعورة» التي تلت اغتيال النائب بيار أمين الجميل زادت في إيضاح الواضح، والواضح أن هذه الأكثرية لا تريد للبلد أن يخرج من حال التشنج والتوتر الذي يسم إيقاعه منذ انكسار نظام الاستتباع البعثي، بل هي ماضية في سوقه نحو هدف الحرب الأهلية.
خلاصة القول أن السبب الأساسي، والوحيد، للتعنت الذي تبديه قوى السلطة تجاه مطلب المشاركة، ناجم عن «تطمينات» أميركية حقيقية، بدعم مسعاها وعدم التخلي عنها، وهو ما يقود حكماً إلى التأكيد على ما هو مؤكد لجهة القول إن الشرعية الفعلية لهذه الأكثرية باتت شرعية خارجية حصراً.
ثمة حاجة إلى إعادة الاعتبار إلى السياسة، المعارضة في دعوتها إلى تحكيم الشارع تخطو خطوة في هذا الاتجاه. إذ لا تقوم السياسة في ظل التعنت. التعنت يلغي السياسة.
الاحتكام إلى الشارع برهان على سقوط رهانات المعارضة، ومقدمة إجبارية لإسقاط «الأكثرية» ورهاناتها التي أزهقت معظم أساسيات الدولة.