محمد سيد رصاص *


أدى الحضور العسكري المباشر للقطب الواحد في بلدان محددة إلى تغيير البيئة السياسية للإقليم المحيط، وإلى إعادة واشنطن النظر بالأدوار الإقليمية التي كانت تلعبها بلدان حليفة أو متوافقة معها في فترة الحرب الباردة.
حصل ذلك من قبل الأميركان حيال باكستان بعد غزو أفغانستان عام2001، حيث ظهر اتجاه أميركي واضح إلى تحجيم الدور الإقليمي لباكستان لمصلحة الهند، بعكس ما كانت عليه الصورة في فترة الثنائية القطبية لما كانت نيودلهي في صف أقرب للسوفيات، وهو ما يتعلق أساساً برؤية أميركية جديدة تتجه إلى استخدام العملاق الهندي حاجزاً غربياً أمام الصين، فيما اتجهت واشنطن بالتوازي مع ذلك لتحجيم المكوِّن الأفغاني الموالي تقليدياً لباكستان، أي قومية الباشتون، لمصلحة قوميات وإثنيات منضوية في (تحالف الشمال)، المدعوم من روسيا وإيران والهند، وهو الشيء الذي تكرر بعد غزو واشنطن للعراق حيال دمشق، التي أخذت عبر توافق معين مع الأميركان حصل في عام 1976، ثم في1990 أدواراً اقليمية كبرى انطلاقاً من المنصة اللبنانية، حيث إذا كان صحيحاً أن سوريا قد دفعت فاتورة سياستها العراقية في بيروت2005، إلا أن ذلك لم يُخف أن هناك اتجاهاً أميركياً واضحاً لإعادة النظر بالدور الإقليمي السوري بالمنطقة بأكملها، وليس في بيروت فقط، هذا الدور الذي سهّلت واشنطن بناءه ومجراه منذ عام 1976 على خلفية اتجاهها إلى تهميش الدور المصري في آسيا العربية، على خلفية حذرها وتوجسها من بداية تنامي الدور الإقليمي للعراق.
لم يخفف تعاون الجنرال مشرّف مع الأميركان في أثناء غزو2001، ثم استمراره في ذلك ضد طالبان والقاعدة، مجرى هذا الاتجاه الأميركي التحجيمي لباكستان، فيما سرَّعت الممانعة السورية، تجاه العراق المغزو والمحتل، من اتجاه واشنطن هذا، الذي كان عنوانه هو القرار 1559(2 أيلول 2004) الذي صاغ ملامحه الرئيسان الأميركي والفرنسي في لقائهما على هامش احتفالات الذكرى الأربعين لإنزال النورماندي ــ6حزيران2004ــ.
يلاحظ، في هذا الإطار، استخدام واشنطن للاصطفافات والاستقطابات الداخلية التي كانت لا تتجه فقط ضد خصم داخلي بوصفه خصماً محلياً محضاً في البلد المعني، بل باعتباره أيضاً قوة محلية هي على حلف أو تعاون أو برعاية الجار الإقليمي الأكبر: رأينا ذلك من قبل (تحالف الشمال) ضد حركة (طالبان)، التي رعاها وزير داخلية حكومة بنازير بوتو منذ عام 1994 ضد رأي الاستخبارات العسكرية الباكستانية التي رعت تقليدياً تنظيمات (المجاهدين) ضد السوفيات منذ عام 1979 بالتعاون مع واشنطن، فيما تكرر هذا السيناريو في بيروت 2005، لما اتجهت الاستقطابات المحلية إلى فرز بين شارعين، لم يكونا موضوعياً في إطار داخلي محض من حيث الامتداد السياسي، بل يعكسان استقطاباً لخارج الحدود، يملك أطرافه الكثير من العوامل الداخلية للخلاف، إلا أن هذه الأخيرة كانت في ذلك العام، والذي تلاه، مزَيتة ومحرَّكة عبر بيئة من الصراع الذي استعَر في المنطقة بفترة (ما بعد 9نيسان2003) بين (الدولي) و(الإقليمي) لتحديد ملامح الشرق الأوسط القادم.
هنا، يلمس عبر المثالين الأفغاني واللبناني، كيف تتجه واشنطن إلى استخدام أرض (الجار الصغير) من أجل تحجيم (الجار الأكبر)، بعد أن كان العكس في فترة الحرب الباردة، فيما يُلمس أيضاً من جهة أخرى كيف يتجه (الإقليمي) في هذا الإطار إلى استخدام (المحلي) المضاد لموازيه الداخلي الموجود في اصطفاف مع (الدولي) من أجل جعل أرض (الجار الصغير) ميداناً لصراع يهدف فيه (الإقليمي) إلى فرض حقائق إقليمية جديدة على القطب الواحد للعالم، الذي أصبح «قوة إقليمية» منذ مجيئه وحضوره العسكري المباشر إلى المنطقة.
* كاتب سوري