إعداد علي شهاب


لم تخرج الدراسة التقويمية للحرب الأخيرة بين اسرائيل وحزب الله، التي وضعها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، عن سياق الأحكام والنتائج التي تتوسلها اسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة الأميركية، في مقاربتها واقع الجبهة اللبنانية، وإن تميزت الدراسة بمحاولة لتلمّس تداعيات حرب تموز اقليميا بالاعتماد على دلالاتها السياسية والعسكرية من منظار اسرائيلي

بذل الباحثان في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى دايفيد ماكوفسكي وجيفري وايت جهدا ملحوظا في الربط بين المعطيات والأحداث الميدانية والسياسية طوال ثلاثة وثلاثين يوما من الحرب الإسرائيلية على لبنان، مع استجلاب معلومات خصهما بها مسؤولون اسرائيليون، فقد بقيت الدراسة، في شقها العسكري، بعيدة من استخلاص نتائج حاسمة، واكتفى وايت بعرض تقني لمجريات الحرب من وجهة نظر اسرائيلية خالصة، لدى الحديث عن الخسائر عند طرفي الحرب، أو تقدير الترسانة الصاروخية لحزب الله، أو تقويم عمل وحدات النخبة الاسرائيلية، على أن مجمل الافادات والجداول والأرقام التي يوردها الباحث مستقاة بالكامل من الصحف ووسائل الاعلام الاسرائيلية. لذلك تكتفي «الأخبار» بمعالجة الشق السياسي وتقديمه، مع نشر الدراسة الأصلية كاملة على موقعها على شبكة الانترنت لمن يود التعمق في الشق العسكري.
سياسة إسرائيل ودروس الحرب
على غرار الكثيرين، يأمل ماكوفسكي أن يُعيد انتشار الجيش اللبناني والقوات الدولية في جنوب لبنان، «سيطرة الحكومة اللبنانية على هذا الجزء من البلد». بعد أن يستهل دراسته بنتيجة حاسمة مفادها ان «قدرات حزب الله تآكلت بفعل الحملة العسكرية الاسرائيلية».
ويخوض الباحث في «آليات الاتصال الاسرائيلي اللبناني» كإحدى نتائج ما بعد الحرب، بالاشارة الى كلام وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس التي «أوضحت أهمية انتهاء هذه الحرب، لا بتحسين قوة الردع الاسرائيلية فقط، بل بالمحافظة على الحكومة اللبنانية» التي ترى فيها الادارة الأميركية «أحد انجازاتها الديموقراطية في الشرق الأوسط، منذ خروج سوريا من لبنان عام 2005».
وهنا يدخل الباحث الأميركي في صلب الموضوع بإعلانه ان لبنان واسرائيل «لا يأملان عقد اتفاق سلام بينهما بسبب حزب الله وسوريا»، مع طرحه تساؤلاً عما اذا كانت محادثات بلدة الناقورة الحدودية، بمشاركة ضباط اسرائيليين ولبنانيين لبحث الترتيبات الامنية في جنوب لبنان، «تشكل بنية اساسية لتجنب سوء التواصل بين الجانبين»، في إشارة الى رغبة في اطلاق مفاوضات بين تل أبيب وبيروت بناءً على مصلحة أمنية مشتركة، يعززها خطاب رئيس الوزراء فؤاد السنيورة الذي «عرض علانية ان تشكل اتفاقية الهدنة مع اسرائيل عام 1948، أساساً للمحادثات بين الطرفين».
ويبني ماكوفسكي استنتاجاً محتملاً، في ما يخص مزارع شبعا، بالاشارة الى ان السنيورة دعا «مرارا اسرائيل إلى الانسحاب منها لحرمان حزب الله من ورقة سياسية بيده»، «أن تبدل اسرائيل من رؤيتها لقضية المزارع، وان تعتبر انتقالها الى لبنان وسيلة لتوطيد العلاقات الثنائية معه».
العاصفة المثالية
«المحافظة على قوة الردع، واقناع العدو بانه سيدفع ثمنا كبيرا اذا هاجم، كان احد الاسباب التي من اجلها شنت اسرائيل حربا على حزب الله»، بهذه الكلمات يستهل ماكوفسكي فقرة جديدة خصصها للحديث عن سياسة الردع الاسرائيلية التي «تآكلت» منذ خطاب بنت جبيل عام 2000 لأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله الذي «كان محوريا في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية»، الى درجة ان مصطلح «شبكة العنكبوت اصبح التعبير المجازي المفضل لدى حزب الله لوصف القوة الاسرائيلية».
وقد عززت هذه العبارة اعتقاد كبار جنرالات اسرائيل بأن نصر الله «يصوّب في اتجاه قدرة الردع الاسرائيلية، وهو اعتقاد تنامى بعد الخروج من غزة عام 2005، حين بدأت حكومة (رئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود أولمرت) تعاني حساسية مفرطة. وأصبح موقع أولمرت نفسه محل تساؤل مع استمرار سقوط صواريخ القسام على المستوطنات».
ويرى ماكوفسكي أن حادثة الأسر في 12 تموز جعلت اسرائيل «تفقد صبرها. وقاد حكومة أولمرت شعور بأن الانسحاب الاسرائيلي من لبنان وغزة وخطة فك الارتباط في المستقبل قد أُسيء فهمها. كان هجوم 12 تموز عاصفة مثالية لحكومة يائسة لا تستطيع تحمّل ان ينظر إليها الرأي العام الاسرائيلي بعين الضعف»، في اعتراف واضح بأن قرار الحكومة الاسرائيلية بشن الحرب لم يكن وليد الساعة، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية وأمنية ظهرت بوادرها منذ الانسحاب من لبنان عام 2000.
صناعة القرار الإسرائيلي
تُحمّل دراسة معهد واشنطن الحكومة الاسرائيلية مسؤولية «دفع ثمن باهظ بسبب افتقارها إلى صنّاع قرار عسكريين»، داعيةً الى إجراء إصلاحات على مستويات عالية في النظام الأمني والموازنة، وتكليف «مجلس أمن قومي باختيار طاقم مؤثر يدقق في الخيارات قبل تقديمها الى صنّاع القرار».
ويشير ماكوفسكي الى أزمة على مستوى صناعة القرار الاسرائيلي خلال الحرب، من خلال طرحه أسئلة عديدة ومباشرة: «كيف يمكن حرباً دعمتها قوى اقليمية وعالمية، من بينها أنظمة سنية تخشى الصعود الايراني، أن تنتهي بعد شهر من دون نتيجة حاسمة، مع استمرار حزب الله في اطلاق أكثر من مئة صاروخ، يوميا، على أهداف مدنية؟ ألم تكن اسرائيل تُدرك ان حزب الله كان يتدرب منذ فترة ست سنوات، ويبني تحصينات، ويتحضر للمواجهة؟».
ليدخل بعدها الباحث في تفاصيل اجرائية خلال حرب تموز، في محاولة لتحديد الثغر، فيلحظ تبايناً في ادارة الحرب بين القيادتين العسكرية والسياسية، «القيادة العسكرية الاسرائيلية، لا السياسية، فهمت حدود استخدام القوة لبلوغ اهدافها. وأوضح (رئيس الأركان دان) حالوتس أنه لا يعتقد ان في امكان اسرائيل ضمان اعادة الجنديين المختطفين، أو توجيه ضربة قاصمة الى حزب الله، أو وضع حد لصواريخ الكاتيوشا».
هذا التباين في الادارة يضع المراقب أمام سؤال آخر لا يجد ماكوفسكي إجابة عنه «لماذا وضع الصف السياسي في اسرائيل اهدافا لا يمكن جيش الدفاع بلوغها؟».
ويكشف ماكوفسكي أن أهداف الجيش الاسرائيلي «كانت محدودة»، قياساً الى تلك التي عملت عليها القيادة السياسية، مستدلاً بتقرير وضعه الصحافي في هآرتس زئيف شيف ذكر فيه أن حالوتس وقائد الاستخبارات العسكرية عاموس يادلين عرضا على اعضاء الحكومة الامنية المصغرة «وقف العمليات في 18 تموز»، أي بعد ستة أيام من اندلاع الحرب، مع التشديد على ان غالبية الاهداف تم انجازها، ولكن «من دون فائدة».
إذاً، «لماذا رفضت الحكومة مقاربة جيش الدفاع؟»، سؤال آخر يطرحه ماكوفسكي، وتبقى الاجابة عنه «لغزا»، مع فتح الباب على المزيد من التساؤلات بالاشارة الى ان استدعاء الاحتياط «تأخر حتى 23 تموز».
ويختم الباحث الفقرة المرتبطة بالخلاف داخل الحكومة الاسرائيلية باقتباس كلام لرئيس الأركان دان حالوتس، قال فيه «لا شك في انكم تسألون أنفسكم، ما هو أكبر خطأ ارتكبته في حياتي. أعتقد اني لم أعط وزنا كافيا لمسألة افتقار الصف السياسي للخبرة. أخبرناهم كل شيء.
لم نتجاوز تفصيلا واحدا. قدمنا أكثر السيناريوهات تشاؤماً. ولكني اعتقد انهم لم يفهموا الدلالات كلها في الوقت المناسب. افترضوا انه، خلال عشرة ايام، يمكن كسر شوكة حزب الله، وينتهي كل شيء».
مستقبل الردع
يختصر ماكوفسكي سبب اهتزاز هالة الردع الاسرائيلية بالمعادلة التالية: «لم تكن اسرائيل قادرة أو مؤهلة لتحديد العلاقة بين الخطوات التكتيكية العسكرية والأهداف السياسية الاستراتيجية». ويعزو هذا الأمر الى «فشل صنّاع القرار في اسرائيل في تحديد وانجاز أهداف واقعية»، بالاضافة الى «أزمة انعدام ثقة الرأي العام الاسرائيلي بالقيادتين العسكرية والسياسية».
كذلك لعب تلكؤ القيادة السياسية في الطلب الى الجيش دفع ما يكفي من القوات البرية، دوراً مهماً في فشل «توجيه ضربة غير قابلة للشفاء الى حزب الله».
أما الخلاصة، فهي أن «هدف اسرائيل لم يكن واقعيا أبدا. لم يكن يجب على اسرائيل ان تشن حربا غير معدّة للنجاح».
على الصعيد الاقليمي، تبرز دلالة أخرى للحرب: «ايران هي قوة عدم استقرار في المنطقة».
ويرى ماكوفسكي أن تزويد طهران لميليشيات غير موجودة على حدودها بالصواريخ، ساهم في تفاقم خشية «الأنظمة السنية» في السعودية ومصر والاردن من «الصعود الايراني»، الامر الذي يفسّر «الحشد غير المسبوق» لهذه الدول، ولومها حزب الله «لتهوّره في التسبب بالحرب».
ويواصل ماكوفسكي عزفه على الوتر المذهبي في المنطقة من خلال استعانته بكلام وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر «إذا كانت ايران الشيعية قادرة على تمويل حماس السنية، فماذا يمنع الشيعة من تمويل ميليشيات سنية داخل الانظمة العربية في السنوات المقبلة؟».
عنصر آخر مرتبط بسياسة الردع الاسرائيلية في المستقبل، يمثله «مشهد قوات دولية مؤثرة» في جنوب لبنان، حيث يمكن أن تلعب هذه القوات، «عن غير عمد»، دورا في «صدّ انتقام اسرائيل» إزاء «أي استفزاز» من حزب الله. مقاربة غير واقعية، تعكس انزعاجا أميركيا من الدور الراهن للقوات الدولية، وتشير الى هدف مختلف ابتغته واشنطن من القرار الدولي الرقم 1701.
ويعزز ماكوفسكي هذا الاستنتاج بتساؤله عما اذا كان في مقدور الولايات المتحدة «استثمار العمليات العسكرية الاسرائيلية، ومخاوف الانظمة السنية من ايران، من اجل انشاء تحالف دولي ملائم، للحصول على ترتيبات أمنية مرضية في جنوب لبنان».
دلالات الحرب
يعتبر ماكوفسكي أن القرار الرقم 1701 «لا يعطي أي ضمانات بأن تكون القوات الدولية فاعلة او ناجحة في فرض حظر على تصدير السلاح بالقوة»، وبالتالي يجب الأخذ في عين الاعتبار «اشراك سوريا في الحوار»، لكونها حليفاً أساسياً لحزب الله، على أن الدراسة لا تقدم جديدا على صعيد التعامل مع الملف السوري، مكتفية بتوصية قديمة، يجد الرئيس السوري بشار الاسد نفسه فيها أمام خيارين: إما مواجهة عقوبات اقتصادية في حال «رفض الخضوع»، أو «الالتزام وسلوك مسار السلام».
أما على المسار الايراني، فتدعو الدراسة الى ضرورة اجراء استشارات اسرائيلية أميركية لمناقشة كيفية التعامل مع طهران «حتى لو أنها عارضت توقيت الحرب لكونها تعرّض سياسة ردعها للخطر»، وبرنامجها النووي لم يكتمل بعد.
وفي سياق متصل، يدعو معهد واشنطن الى استثمار مخاوف «قادة الدول السنية» من ايران، حيث قد تجدهم اسرائيل «منفتحين على علاقات عميقة، من دون ان تقحم نفسها في الانقسام الشيعي السني في الشرق الاوسط»، مع التوصية بأن تلعب الادارة الأميركية «دورا محوريا» في تسهيل علاقات كهذه.
ويشير ماكوفسكي الى احتمال «تحقيق تقدم حــــــــقـــــــــيــــــــقي اذا أدى الخوف الـــــــسعودي من الصعود الايراني الى اتخاذ خطوات حقيقية تجاه اسرائيل كــــقـــــفــــــــزة نوعية لمحادثات مع العرب»، في فرضية تستهدف في شكل واضح الفتنة المذهبية في المنطقة، بعد أيام قليلة من سماح الحكومة الاسرائيلية لصحيفة «معاريف» بكشف النقاب عن لقاء سري جمع أولمرت بمسؤول سعودي رفيع المستوى.
في الداخل الفلسطيني، يقول ماكوفسكي إن «اسرائيل سجنت العديد من قيادات حماس في غزة، وأوقفت العديد من الارهابيين، وسط تغطية اعلامية ضعيفة جدا، ومن دون اعتراض دول العالم» المنشغلة بالحرب في لبنان. غير أنه على الفلسطينيين «شكر» السيد نصر الله الذي يُحتمل أن يكون قد أخّر تطبيق خطة فك الارتباط، بعدما «أضعفت مقاومته بشكل عظيم أولمرت، السياسي الوحيد في اسرائيل الذي جعل من الانسحاب من الضفة الغربية إنجازه في السنوات المقبلة».
أول مراسل لصحيفة اسرائيلية في السعودية
عيّن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى دايفيد ماكوفسكي مديراً لمشروع عملية السلام في الشرق الأوسط، بالاضافة الى عمله أستاذاً محاضراً في الدراسات الشرق الأوسطية في كلية «نيتشه» للدراسات الدولية المتقدمة في جامعة «جون هوبكنز».
نشر ماكوفسكي مقالات عديدة حول عملية السلام والصراع العربي الاسرائيلي في صحف ومجلات «فورين أفيرز» و«نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال»، وهو عضو في مجلس العلاقات الخارجية، وفي المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن.
خاض ماكوفسكي مجال الصحافة الميدانية، حيث عمل على تغطية مجريات عملية السلام في الشرق الاوسط من عام 1989 حتى عام 2000. وعمل محرراً تنفيذياً في صحيفة «جيروزاليم بوست» الاسرائيلية، ومراسلاً دبلوماسياً لصحيفة «هآرتس».
في تموز 1994، أصبح ماكوفسكي أول صحافي يكتب في مطبوعة اسرائيلية يزور دمشق، بعد تدخّل وزير الخارجية الأميركية آنذاك وارن كريستوفر. وهو زار سوريا 5 مرات، آخرها برفقة وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت في كانون الأول من عام 1999.
في آذار من عام 1995، وبمساعدة دبلوماسيين أميركيين، حصل ماكوفسكي على إذن غير مسبوق بكتابة تقارير لمطبوعة اسرائيلية من مدينة جدة في السعودية.