وليد شرارة


بينما يستمر مسلسل المجازر اليومية التي يقترفها الاحتلال الأميركي وأعوانه في العراق، وتمضي اسرائيل قدما، بمباركة «المجتمع الدولي»، بسياسة القتل الجماعي للفلسطينيين، وتستعد دول وشعوب المنطقة لجولة جديدة من الحرب ضد ايران أو سوريا أو ضد حزب الله مرة أخرى، لا يمر يوما الا ويخرج علينا مثقفون، يساريون أو اسلاميون سابقون على الأغلب، نجحوا باكتشاف فضائل الديقراطية والحداثة وحقوق الانسان ودولة القانون، ليهاجموا انشغال العرب بمواجهة «الخارج» بدل التركيز على تحديات «الداخل» السياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية. منذ نهاية الثنائية القطبية، حتى لا نعود الى الماضي الأبعد، تتعرض بلدان هذه المنطقة الى حرب تلو الأخرى وتغزى شعوبها في عقر دارها ويتم تدمير احدى أهم دولها، العراق، واحتلالها من قبل مئة واربعين ألف جندي أميركي يعيثون فيها قتلا وفسادا بمساعدة عصابات طائفية خائنة ومجرمة. لقد قتل الاحتلال وأعوانه، حسب صحيفة لانست العلمية، ستمئة وخمسة وخمسين ألف عراقي منذ بدء الحرب الثانية على هذا البلد عام 2003. اذا أضيف هذا العدد الى عدد العراقيين الذين قتلوا خلال العدوان الدولي الأول عام 1991 وخلال الحصار الذي دام اثني عشر عاما، تكون الولايات المتحدة قد قتلت حوالي مليوني عراقي. وتتسارع عملية الابادة السياسية في فلسطين، مع تواصل التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية ونجاح الاحتلال الصهيوني في الايقاع بين أبرز فصيلين من فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية، فتح وحماس.
يتعمد المثقفون المشار اليهم تجاهل هذه الحقائق الأولية. من يستمع اليهم يعتقد أن العرب هم من بادر الى مهاجمة «الآخر» في عقر داره وهم من يتحمل مسؤولية استمرار حالة الصراع والمواجهة.
المنطقة العربية تتعرض لنمط من «المعاملة الخاصة» يندر أن تعرضت له منطقة أخرى من العالم في العقدين الأخيرين. لقد باتت السياستان الأميركية والاسرائيلية تجاهها سياستا حرب. لم يقدم أي عرض جدي لتسوية مشرفة تؤدي لفك اشتباك استراتيجي مع الولايات المتحدة والغرب وتفسح المجال أمام شعوب المنطقة للتفرغ لقضاياها «الداخلية». المطلوب من هذه الشعوب هو الاستسلام الكامل للمشيئة والرغبات الأميركية والاسرائيلية حتى لو كان هذا الأمر يعني، كما هو الحال مع الفلسطينيين، أن تحكم على نفسها بالانقراض. والمطلوب من الأنظمة العربية أيضا هو المزيد من الانصياع والطاعة. من يراقب الانحدار المريع في المواقف العربية الرسمية من مجمل قضايا المنطقة يدرك أن الولايات المتحدة قد نجحت في تطويع غالبية هذه الأنظمة. أقلية بينها بقيت ترفض الانصياع للشروط الأميركية وتصر على ضرورة أخذ جملة من مطالبها بعين الاعتبار. لا شك أن قدرتها على الدفاع عن المصالح الوطنية كانت ستصبح أفضل نوعيا لو انفتحت على شعوبها وقواها الوطنية المعارضة. لكن تناقض مصالحها وسياساتها مع السياسة الأميركية تستفيد منه قوى المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق التي تواجه أعتى هجمة تستهدف وجود الأمة. ما تتمناه شعوب المنطقة لو أتيح لها التعبير هو انتقال هذه الأنظمة من الممانعة الى المواجهة. لكن ما تنصح به بعض النخب «الديمقراطية المستنيرة» هو التخلي عن المواجهة والممانعة لقاء مصالحة وهمية مع العالم، أي مع الغرب، من دون شروط أو حتى مطالب بينما تسفك دماؤنا من قبل جيوش هذا الغرب في بغداد وغزة وجنوب لبنان وأفغانستان. لقد حسمت هذه النخب خيارها وهو الاستسلام غير المشروط.