كرم الحلو *


نظرة شاملة إلى مسار التطور الاجتماعي والسياسي والانساني في رحلة الحداثة تكشف الإخفاقات المتتالية التي أحبطت هذا المسار مجهضةً قيام مجتمع العدل والحرية والرفاه، فسؤال العقد الاجتماعي والمواطنية وحقوق الانسان الذي طرحه فكر القرن الثامن عشر لم يتحول حقيقة ناجزة في أي نظام سياسي في القرنين التاليين، وسؤال التمدّن والتقدم الذي تصور فلاسفة القرن التاسع عشر أنه سيضع حداً للشقاء الانساني ويرسي قيم العلم والمساواة والعقلانية، أسقطته النهايات الدموية والحروب الاستعمارية لذلك القرن الذي كرس البؤس الانساني فيما كان العلم يخطو خطواته الجبارة ويدشن إنجازاته الواحد تلو الآخر. وحلم الاشتراكية الذي وعدت به بدايات القرن العشرين وثوراته السياسية والاجتماعية ما لبث أن تداعى وانكسر في نهاية ذلك القرن الذي كان على الضد من تمنّيات الحالمين بطوي الاشتراكية والمساواة والسلام الانساني، القرن الأكثر عنفاً ودموية، على رغم كونه الأكثر تقدماً في الانتاج والاتصال والعلوم التقنية، إذ قضى في حروبه المدمرة وعلى أيدي مستبديه مئات الملايين من البشر.
وتطرح بدايات هذا القرن الحادي والعشرين أسئلة أكثر إحراجاً وإرباكاً، حيث تبدو الانسانية في الأعوام الأولى من هذا القرن وكأنها تندفع في نفق لا يمكن تصور نهايته نتيجة الخلل المستمر في توزيع الثروة العالمية واتساع الهوة الطبقية وتراكم الثروة في أيدي أفراد قلائل. فالانفجار السكاني المتواصل الذي رفع عدد سكان العالم من 2،5 بليون نسمة عام 1960 الى أكثر من 6 بلايين نسمة مطلع هذا القرن، يقذف يومياً بجحافل الفقراء والمعدمين الى هاوية اليأس القاتل، فيما بلغ تراكم الثروة حداً مذهلاً، حتى إن ثروة مئتي بليونير فاقت 1135 بليون دولار عام 1998، أي أكثر من دخل 47 في المئة من سكان العالم، فيما ارتفع عدد الفقراء الى أكثر من بليوني فقير.
وليس ذلك فقط ما يربك بدايات هذا القرن فقد بات انسان العصر يواجه تدهوراً بيئياً يهدد مستقبل الحياة الانسانية بفعل السياسات الاقتصادية الأنانية التي هاجسها الوحيد تـــــــــــحقيق أرباح خيالية، بـــــــــــاستنفاد خيرات الطبيعة، ومن دون أن تـــــــــقــــــــــيـــــــــــم وزناً لــــــــــــسلامة هـــــــــــوائها ومائها وترابها وغـــــــــــاباتها، فـــــــــتــــــــــمعن فـــــــــــــي تدميرها وتلويثها بكل الأشكال، متعدّيةً على توازناتها وقوانينها.
الى جانب هذا الإحباط الانساني المتواصل من قرن الى قرن يدخل الانسان المعاصر في بدايات القرن الواحد والعشرين مجرداً من أي طوبى تخلف طوباويات القرون السالفة المجهضة، حتى لكأنه يبحث عن معنى جديد لإنسانيته، وهدف جديد لوجوده الاجتماعي، ورؤية أخرى لمستقبل علاقته بالكون.
هذه التداعيات والإحباطات الموروثة والمتجددة تطرح على المستقبل الانساني في الزمن العولمي أسئلة صعبة ومربكة قد لا تكون الاجابة عنها مما يمكن تصوره الآن. فهل سيتمكّن هذا القرن من صياغة أفق جديد للعلاقات الانسانية يأخذ في الحسبان تضامن الناس وتكافلهم بدل صراعهم وتناحرهم بحيث يهيمن الهمّ الانساني الشامل على الفردية والأنانية، فيعمل على تقليص الفوارق الطبقية المذهلة بين أغنياء العالم وفقرائه، من أجل مجتمع إنساني أكثر عدلاً وتوازناً وأقل خللاًَ وتناحراً وصراعاً بين جماعاته وشعوبه وأممه؟
هل سيُصار في هذا القرن الى بناء علاقة جديدة مع الطبيعة توازن بين الحاجة الى الثروة والرفاه ومراعاة القوانين والنواميس الطبيعية، بما يؤمن مستقبل الحياة الانسانية على الأرض؟
هل سيتوصل هذا القرن الى توجيه غائية العلم نحو الخير الانساني والكوني الشامل، حتى لا ينقلب في غير سعادة الانسانية، ويوظف في خدمة الناس جميعاً بدل ان يكون سبباً لإنتاج آلة الحرب والموت، وتكديس ثروة الأقلية وتكريس بؤس الأكثرية؟
هل سيقدر هذا القرن على صياغة طوبى إنسانية شاملة جامعة لكل الأمم والشعوب، يكون جوهرها الارتقاء الانساني الشامل، طوبى تستلهم كل الإرث الليبرالي المهدور وتعيد الحياة الى قيم العقدية والحرية والانتماء المدني والمواطني ودولة العقل والعدل والمساواة؟
لقد أخفقت القرون الماضية في إقامة علاقات متوازنة وصحيحة بين الانسان والانسان، وبين الإنسان والطبيعة، وبين الانسان والمستقبل، فهل ثمة أمل يحمله هذا القرن للإنسانية، أم ستكون من جديد إزاء قرن آخر من الخيبة والضياع والإحباط المتواصل؟
أسئلة ربما لا تجد جواباً.
* كاتب لبناني