يتكرر على مسامعنا القول، ومن منظوري، الادعاء، إن الصراعات الحالية التي تعصف بمنطقتنا دفعت بالقضية الفلسطينية إلى مركز ثانوي، وأن العرب (!) أداروا لهم ظهرهم لصالح صراعاتهم الداخلية والدفاع عن عروشهم... إلخ، ويلفتون النظر إلى الحال السائد في بعض الدول العربية كدليل على صحة وجهة نظرهم.

في ظني أن هذا القول صحيح فقط إنْ المرء نظر إلى القضية الفلسطينية من منظور ضيق، يحصر الصراع بين العدو الصهيوني من جهة والشعب الفلسطيني من جهة أخرى. لكن هذا المنظور ينتقص من موقع القضية الفلسطينية، قضية نضال شعب فلسطين التحرري والتحريري من أجل استعادة حقوقه في وطنه وإنهاء المشروع الاستيطاني الاستعماري في وطننا العربي.

لنعد إلى الماضي القريب قليلاً وننظر إلى بدايات النضال الوطني التحرري الفلسطيني في أواخر ستينيات القرن الماضي وأوائل سبعينياته. النضال وقتها، لم ينحصر في معادلة فلسطين X الصهيونية وإنما تجاوزها ليكون النضال الفلسطيني المعادي للإمبريالية. وإلا فما معنى قيام الحركة الوطنية الفلسطينية، أو بعضها على الأقل، بإقامة أوثق العلاقات النضالية مع الحركات المعادية للاستعمار، من اليابان وفييتنام شرقاً مروراً بتركيا إقليمياً إلى أميركا الجنوبية غرباً! ولماذا أقامت أوسع العلاقات مع بعض حركات التحرر في أفريقيا السمراء، أو لنقل: حاول بعضها تأسيس مثل تلك العلاقات.
أبعد من ذلك، لقد عملت بعض التنظيمات الفلسطينية على عقد مخيمات للمناضلين الأوروبيين المؤيدين للقضية الفلسطينية والذي كانوا يأتون إليها من مختلف الدول الأوروبية!
ثم، ما معنى أن تعمل تنظيمات فلسطينية على دراسة تجارب شعوب صديقة في نضالها ضد المستعمر! من المعروف أنّ أدبيات المقاومة كانت تعجّ بكتابات عن تجارب الثورة البلشفية والصينية وحتى الكورية، إضافة إلى فييتنام وكوبا والتوباماروس وغيرهم... نحن لا نتحدث هنا عما إذا كانت قد استفادت من تلك التجارب النضالية، وهو أمر يمكننا نفي صحته، بكل أسف.
كذلك، أقامت تنظيمات فلسطينية عديدة علاقات نضالية مهمة بأحزاب شيوعية حاكمة وغير حاكمة، في إيطاليا وفرنسا على سبيل المثال.
هذه الأمثلة وغيرها توضح، في ظننا، طبيعة النضال الوطني الفلسطيني بصفته جزء لا يتجزأ من النضال العالمي المعادي للإمبريالية - وإذا ظن البعض أن هذه لغة خشبية يمكنه وضع الرديف العربي بدلاً من ذلك والقول: النضال العالمي المعادي للاستعمار.
عندما انطلق النضال الوطني الفلسطيني التحرري في أواخر ستينيات القرن الماضي، أعلن أنه جزء لا يتجزأ من الكفاح ضد الرجعية العربية والصهيونية والإمبريالية. ذلك الشعار كان صحيحاً، لكن عندما بدأت قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية بالابتعاد من أبجدية النضال، واستحالت قيادة سياسية همها الوحيد الحصول على كرسي (ولو كان على مزبلة في أريحا أو حتى على ظهر حمار)، فقد النضال الوطني الفلسطيني عمقه النضالي العالمي واستحال حركة سياسية بكل ما يحويه هذا التعبير من نعوت. النضال من أجل القضاء على المشروع الاستعماري في بلادنا واستبدال دولة فلسطين الديمقراطية (كائناً المقصود هنا ما كان) العلمانية بكيان العدو العنصري كونه امتداداً لمشروع استعماري غربي وأحد دعامات النظم الرجعية العربية، يعني محاربته على كافة الصعد، السياسية والعسكرية والفكرية والعَقِدية والاقتصادية وغيرها.
عندما نتعامل مع قضية فلسطين من هذا المنظور المتكامل ندرك أن معاركنا وحدة واحدة، مهما اختلفت التسميات وتباينت جغرافياتها. هزيمة المخططات الاستعمارية على جبهة في وطننا العربي، أو في أي من أقاليم العالم الكبير تعني انتصاراً لقضيتنا. فمعركتنا، أممية عالمية البعد، واحدة ونضالنا يجب أن يكون موحداً، مهما كانت الصعوبات التي تواجه ذلك.