لم تُعلن حتى الآن تفاصيل ما سمي بـ «مبادرة الشيخ أحمد الكبيسي»، أحد أهم علماء الدين والدعاة المستقلين من العرب السنة في العراق، والذي عرف بمواقفه الجذرية المناهضة للتكفيريين في القاعدة وخليفتها تنظيم الدولة «داعش» ولنظام حكم المحاصصة الطائفية ولمخططات تقسيم العراق الغربية. لم يُعلن نص هذه المبادرة حتى الآن، ولكنَّ ما تسرب منها مثير فعلاً للانتباه والاهتمام، وخصوصاً تطرقها إلى موضوع الدستور العراقي النافذ الذي سُنَّ تحت ظلال الاحتلال الأجنبي ومطالبة هذه المبادرة بإعادة كتابته مجدداً، إضافة إلى مطلب مهم آخر هو إعادة هيكلة مؤسسات الدولة العراقية.


إن المطلب الأخير يشكل اختراقاً مهماً وعميقاً للمطلب الطائفي الذي كررته قيادات سياسية كثيرة من العرب السنة المشاركة في حكم المحاصصة أو غير المشاركة، والداعي إلى ما اصطلحوا عليه بـ»إعادة التوازن في مؤسسات الدولة» والذي يعني تحديداً مراجعة حصص الطوائف لمصلحة «إنصاف» هذه الطائفة أو تلك، والتي يعتقد زاعمو تمثيلها بأنهم لم يحصلوا على حصتهم «العادلة» من كعكة الحكم وهو مطلب طائفي لن يُخرج العراق من نفق الخراب الشامل والاقتتال الذي أدخل فيه بعد الاحتلال عام 2003 والذي شكل نظام حكم المحاصصة الطائفية والقومية ذراعه السياسية.

إن توقيت طرح هذه المبادرة مهم لمن يريد قراءتها في سياقها السياسي الصحيح

إن الأزمة الوطنية الشاملة التي تلف العراق مجتمعاً ونظامَ حكمٍ والتي سببها الرئيس موت وتعفن هذا النظام ووصوله إلى الجدار وتسببه بالمزيد من الكوارث، لا تترك مجالاً لأي حلول ترقيعية تنطلق من أرضية النظام الطائفي القائم نفسه. فطوال عقد من السنوات تقريباً، جُربت هذه الحلول وطبقت العديد من حفلات «المصالحات الوطنية التلفزيونية» التي لم تتمخض عن شيء سوى المزيد من التحلل والمصائب. ولهذا تشكل مبادرة الشيخ الكبيسي بصيص ضوء شحيحاً في نهاية النفق الأسود المدلهم، وهي حتى في بدايتها حققت هدفها الأول فقد كشفت أن قمة النظام ممثلاً برئاستي الجمهورية معصوم من «التحالف الكردستاني» والجبوري من «اتحاد القوى» ردت بشكل سلبي على المبادرة واستبعدت نجاحها حتى قبل أن يستمع الرئيسان بالتفصيل لوجهة نظر مطلقها، ثم جاء اجتماع الجبوري بالشيخ الكبيسي لاحقاً ليعطي المراقبين بعض الأمل حيث لم يعلن الجبوري رفضاً صريحاً للمبادرة بل رحب بها بعبارات عامة واعتبرها مبادرة مصالحة جديدة.
إن توقيت طرح هذه المبادرة مهم جداً لمن يريد قراءتها في سياقها السياسي الصحيح والمنتج، فهي تأتي في وقت يسود فيه نوع من الجمود جبهات القتال بين القوات الأمنية العراقية وبين مسلحي تنظيم الدولة «داعش» أو تحوله إلى نوع من قتال الكر والفر وتبادل الأدوار والمواقع. وهذا ما عبّر عنه أوضح تعبير لأحد القادة العسكريين في جبهة محافظة صلاح الدين والذي قال ملخصاً الوضع العسكري إن «الليل لهم والنهار لنا». أما سياسياً فرغم التطور المثير الذي حققه دعاة التقسيم بدفع من قرار الكونغرس الأميركي الذي وضع اللبنات الأولى لقيام ثلاث دويلات طائفية مستقلة في العراق، ولكنَّ حالة التردي الشامل والتحلل وفقدان الاتجاه هي السائدة في المشهد السياسي العراقي العام. وقد بلغ الاضطراب السياسي ذروته حين بدرت من التحالف الإسلامي الشيعي المهيمن على الحكم مبادرات عدة خطيرة صبت في خدمة مشروع تقسيم البلاد. الأولى، كانت حين أصر التحالف على استصدار قرار برلماني مضاد لقرار الكونغرس قدم هو مسودته وأصر عليها، وكان الثمن انسحاب ممثلي الأكراد والعرب السنة من الجلسة وإمرار القرار بغيابهم ما أنتج تقسيماً طائفياً وقومياً حقيقياً وفعلياً داخل المؤسسة التشريعية، والثاني كان في تشكيل كتلة برلمانية باسم «الحشد الشعبي» سارعت الكتل والشخصيات النيابية الإسلامية الشيعية إلى الانضمام إليها، والمبادرة الأخطر الثالثة كانت إقدام قوات من الحشد العشبي ذي الغالبية الشيعية على السيطرة على ناحية «النخيب» التابعة إدارياً لمحافظة الأنبار، وإلحاقها عملياً بمحافظة كربلاء، أمر أثار ردود فعل رافضة وحادة من عشائر وسلطات الأنبار. كل هذه المبادرات، غير الحكيمة في نظر الكثيرين، أكدت بحسب بعض المحللين ضلوع ممثلي البرجوازية الشيعية، محدثة النعمة، في مخططات التقسيم عن سابق قصد وتصميم أو عن سذاجة وانفعالية سياسية وكلا الأمرين خطير وسيء.
إنّ توجيه النقد لهذه المبادرات والإجراءات لا يعني تبرئة الأطراف السياسية الكردية والعربية السنية من تأييد ودعم مشروع التقسيم والترحيب العلني بقرار الكونغرس فهذه الجهات غارقة حتى الأذنين في هذا المسعى التدميري المدان، ولكن مسؤولية الأحزاب الإسلامية الشيعية الشريكة لها في نظام الحكم تتحمل مسؤولية خاصة عن تسببها عملياً في تقسيم البرلمان العراقي وشقه طائفياً وقومياً عبر إصرارها على إصدار البيان اللفظي وعديم القيمة سياسياً الذي مررته بأصواتها النيابية فقط، وكان حرياً بها التريث ومواصلة المفاوضات أو تقديم مسودة أخرى عوضاً عن هذا الحسم باهظ الثمن.
إنَّ المبادرة الجديدة التي طرحها الشيخ الكبيسي، بمقدار ما ستثير من آمال وصبوات لدى الوطنيين والديموقراطيين العراقيين المشتتين ولدى عموم الجمهور العراقي المتضرر من حكم المحاصصة الطائفية، فإنها أثارت وستثير ردود فعل رافضة وسلبية من قبل بعض الأطراف والزعامات. ويبدو أن في مقدمة الأطراف والقوى الرئيسة التي سترفضها وتعمل على إفشالها الإدارة الأميركية الراعية والمخترعة لنظام حكم المحاصصة القائم اليوم، إذ أن قيام عراق ديموقراطي موحد وقوي يضرب في الصميم المشروع الأميركي الذي بدأ تنفيذه مع احتلال العراق عام 2003 بل وحتى قبل ذلك الحين، رغم تغير الرئاسة وحكومتها في واشنطن. كما سترفض بعض دول الجوار الإقليمية وخصوصاً إيران وتركيا والسعودية هذه المبادرة وما سيتمخض عنها، فإيران - بنظامها الطائفي وفق المادة «الأبدية» الثانية عشرة من دستورها - لا تريد قيام نظام مدني علماني ديموقراطي في العراق يكون نقيضاً لمشروعها ونظامها وهيمنتها، وهذه الوقائع لا تقلل من أهمية مواقف إيران الإيجابية والشجاعة المعادية للغرب وإسرائيل والتي ينبغي تأييدها ودعمها ولكن ليس على حساب مستقبل ووحدة العراق ومصالحه الوطنية الاستراتيجية.
أما تركيا والسعودية فلا تريدان قيام عراق قوي وموحد قد تكون هذه المبادرة سبباً في ولادته، ولهذا ستعملان على إفشالها غير أن تأثير هاتين الدولتين يبقى محدوداً ولا يغير من الاتجاه العام للأحداث. وأخيراً فلن تغيب دولة إسرائيل عن المشهد العراقي فمصلحتها التاريخية ومشروعها الاستراتيجي التأسيسي يتحققان بسهولة ويسر عبر قيام طوق من أنظمة الحكم الطائفية والدويلات الشيعية والسنية والكردية والعلوية والمارونية والقبطية... الخ.
داخلياً، يتوقع مراقبون كُثر أن ترفض القوى والأحزاب الطائفية المهيمنة على الحكم ممثلة في «التحالف الوطني» ذي الغالبية الإسلامية الشيعية خوفاً على هيمنتها الطائفية وبالتالي امتيازاتها ومغانمها المادية والمعنوية «المذهبية» التي حصلت عليها بعد 2003، كما سترفض القوى الممثلة للعرب السنة في الحكم وخصوصاً منها دعاة الأقلمة في نينوى والأنبار هذه المبادرة للسبب ذاته، غير أن تأثيرها سيبقى محدوداً ورهناً بقوة الدعم الخليجي والتركي الذي تتلقاه، أما الزعامات الكردية فستكون العدو اللدود الأول لهذه المبادرة ولكل مبادرة مثيلة ذات جوهر ديموقراطي وعلماني لأنها تخشى على امتيازاتها وما حققته من إجازات على صعيد دولة المكونات واقترابها الحثيث من اعلان استقلالها في دويلة كردية تابعة للغرب. فكيف ينبغي التعامل وطنياً مع قوى الرفض والعرقلة الخارجية والداخلية هذه، وكيف يمكن فضح جوهر شعاراتها الرافضة؟ يمكن أن يتحقق ذلك بسهولة من خلال إبراز طابع شعارات هذه القوى وحججها الانفعالية والسطحية ودحض أوهامها: فإذا كانت الأحزاب الإسلامية الشيعية على يقين من أن جمهور الشيعة في العراق هم الغالبية السكانية، فإن نظام الحكم المدني والقائم على مبدأي المواطنة والمساواة لن ينزع منهم تمثيلهم السياسي كمكون مجتمعي، ولكن هذا التمثيل عوض أنْ يكون طائفياً رجعياً مدعوماً بالمؤسسات والشخصيات الدينية الطائفية سيكون تمثيلاً «مواطنياً» مدعوماً بقوة دستور مدني لا يعترف بالهويات الفرعية الطائفية بل بالهوية العراقية الجامعة ومضموناً بنظام ديموقراطي حقيقي شفاف. أما بالنسبة للعرب السنة فلن يخسر في ميدانهم سوى الذين يستمدون نفوذهم من الأصوات الانتخابية الطائفية والدعم الخليجي ولكنهم سيبرحون عراقاً كاملاً ذا دولة قوية تساويهم بأقرانهم من الطوائف والمكونات الأخرى وسينتهي زمن الإقصاء والتهميش والحكم الدكتاتوري لعهود ما قبل الاحتلال والذي ألحق أكبر الضرر بهم وبمستقبلهم. هذا بخصوص زعامتي الطائفتين الكبيرتين في العراق، فماذا بخصوص رفض الزعامات الكردية؟
من المعروف عراقياً وعلى نطاق واسع، أن ثمة تنافساً حاداً بين الحزبيين التقليديين الكبيرين في إقليم كردستان وهما «الديموقراطي» بزعامة البارزاني و»الاتحاد الوطني» بزعامة الطالباني، ومع أن حزب الطالباني أكثر تشدداً قومياً لدرجة أن أدبياته تعتبر الإقليم محتلاً من قبل الدولة العراقية التي يترأسها – و يا للعجب! - وللعهدة الثانية رئيس من هذا الحزب، ولكنه يتميز عن حزب البارزاني بمسحة ذرائعية «برغماتية» وهدوء في الخطاب الإعلامي اليومي وفي الأداء السياسي الوظيفي بخلاف الحزب الآخر الذي يعتمد خطاباً انفصالياً صريحاً واستفزازياً بلغ درجة إعلان رئيس حكومة الإقليم نيجيرفان البارزاني أن الإقليم مستعد لبيع نفطه لبغداد والتعامل مع العراق كبلد مشتر. إن هذا التنافس والسعي الحثيث للانفصال والحفاظ على ما تم تحقيقه من منجزات مهمة للإقليم والقضية القومية الكردية يمكن أن يعود بالضرر على هذه القضية نفسها وعلى جمهورها الذي تحمل الكثير من المآسي والكوارث في العقود القليلة الماضية، فحتى إذا تحقق الانفصال بوجود عراق ضعيف وممزق، عراق يعج بالمشاكل الأمنية والاقتصادية والسياسية فإن هذا الانفصال سيكون محفوفاً بالمخاطر كردياً ولذلك فإن من مصلحة الأكراد العراقيين بوصفهم المكون الثاني المهم في العراق ألا ينساقوا خلف البروباغندا الحزبية المتشنجة لآل البارزاني والطالباني وسيكون من مصلحتهم وجود قيادة معتدلة تتعامل مع عراق قوي وموحد وديموقراطي يبحثون فيه مع شركائهم في الوطن عن حلول وخيارات أخرى تعود بالخير على الجميع وتحقق للأكراد مطامحهم المشروعة.
هنا، ستواجه المتفائلين مشكلتان كبيرتان هما ارتباط القيادات الكردية الكبيرة التقليدية بالمشروع الأميركي الغربي – وحتى بأوساط إسرائيلية - المعادي للعراق ولشعوب المنطقة ارتباطاً مصلحياً شبه عضوي، والمشكلة الثانية هي انعدام قوة سياسية كردية ديموقراطية معتدلة في الميدان تعيد له بعض التوازن المفقود وتردع الأطراف الانفصالية المتطرفة عن العبث بطموحات الأكراد والعراقيين
بعامة.
* كاتب عراقي