ليلى نقولا الرحباني *


تتجه العلاقات بين ايران والمجتمع الدولي الى مزيد من التعقيد، إثر اتجاه مجلس الأمن لاستصدار قرار جديد حول الملف النووي الايراني، وإزاء رفض ايران المتكرر للعروض التي قُدمت لها للتخلي عن تخصيب اليورانيوم مقابل حوافز سياسية وتجارية واقتصادية، وذلك على رغم التصريحات الايرانية العلنية التي تدعو الى التفاوض. وما الاستعراضات العسكرية وتجارب الصواريخ التي قامت بها في الأيام القليلة الماضية سوى دليل ساطع على أن الايرانيين لن يتخلّوا بسهولة عن «حقهم» في تخصيب اليورانيوم «لأغراض سلمية» كما يطالبون.
الحقيقة أن جذور الأزمة النووية الايرانية ليست جديدة، إذ يعود تاريخ البرنامج النووي الايراني الى زمن حكم الشاه. فقد أنشأ هذا الأخير عام 1974 «المنظمة الايرانية للطاقة الذرية» التي بدأت فور إنشائها عملية تفاوضية مع الولايات المتحدة الأميركية من أجل توقيع عقود لمدة عشر سنوات لتزويد ايران بالوقود النووي، واستتبعت ذلك بعقدين مع كل من ألمانيا وفرنسا. ووضعت إيران آنذاك خطة طموحة تخوّلها الحصول على عقود من أجل بناء 23 محطة نووية موزعة على الأراضي الايرانية كافة، لكن الخطة أُجهضت بسقوط الشاه وخروجه من إيران عام 1979 حيث توقف العمل بمحطتي الطاقة في بوشهر.
يعتقد الخبراء بأن ايران الشاه كانت قد بدأت نشاطاً مخالفاً للقوانين الدولية ولاتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، من خلال عقد صفقة نووية سرية مع جنوب أفريقيا تخولها الحصول على مادة «الكعكة الصفراء» (الاسم التجاري لليورانيوم). ثم ما لبثت هذه الجهود أن توقفت إثر سقوط الشاه، الى أن أعاد إحياءها الامام الخميني عام 1984، كما تفيد تقارير استخبارية عن تسلّم ايران مساعدات تكنولوجية نووية خلال فترة الحرب مع العراق.
أما اليوم فينظر الغرب عموماً، والأميركيون بصورة خاصة، إلى البرنامج النووي الايراني كمصدر تهديد للسلم والأمن الدوليين، وتتوالى التهديدات والضغوط لمنع ايران من إمكان التوصل إلى امتلاك تقنية تخصيب اليورانيوم التي تؤهلها لصنع قنبلتها النووية الاولى.
ما هي الدوافع الايرانية لامتلاك أسلحة الدمار الشامل؟
على رغم المكاسب السياسية التي حصلت عليها ايران من جراء سقوط نظام صدام حسين في العراق، إلا أن الإيرانيين لا يمكنهم تجاهل خطر وجود الأميركيين المستجد على حدودهم المباشرة سواء في العراق أو في أفغانستان، بالاضافة الى نفوذهم الكبير في دول الخليج وباكستان وتركيا ودول آسيا الوسطى، ولا سيما تلك المطلة على بحر قزوين. ومما يزيد في تحسس ايران الخطر على مصالحها الجيو ــ ستراتيجية هو المنحى الأحادي الذي اعتمدته الولايات المتحدة الاميركية في حربها على العراق حيث ضربت عرض الحائط بجميع الاعتراضات الأوروبية الرسمية، كما بالتظاهرات التي عمت شوارع العالم، غير آبهة بما أبدته الشرعية الدولية من ممانعة بوجه قرار الحرب «الوقائية».
وقد تزامن الاحتلال الأميركي للعراق مع ضغوط داخلية قوية على سلطة رجال الدين في إيران. فثمة في هذا البلد حالة من عدم الرضى عن الوضعين الاقتصادي والاجتماعي متقاطعة مع معارضة طالبية على أشدها، كان يُخشى أن تستغل الولايات المتحدة ما تولده من ضغط للنفاذ إلى الداخل الإيراني وتقويض السلطة فيه! غير أن هذا لم يحصل، بل إن التهديدات الاميركية لايران شكلت دافعاً لدى الايرانيين لتناسي المشاكل الداخلية واعتبار المحافظين والاصلاحيين على حد سواء أن من حق ايران الحصول على التكنولوجيا النووية. يبدو من التعنت الايراني تجاه وقف تخصيب اليورانيوم الذي تقترحه الدول الغربية، ان هناك قناعة ايرانية بأن امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل وحده قادر على حفظ أمن الاراضي الايرانية وسلامتها من التهديدات الاميركية، هذا بالاضافة الى طموح الجمهورية الاسلامية إلى لعب دور قيادي في العالم الاسلامي، كما في محيطها الإقليمي، وهذا ما يدفع الدول العربية، وبخاصة الخليجية منها، الى تحريض الاميركيين والاوروبيين لشن حرب على ايران، وتحذيرهم المستمر من الخطر النووي الايراني على المنطقة. لقد زاد التعنت الايراني بعد الحرب الاسرائيلية على لبنان، وعلى رغم أن التقارير أثبتت أن لا ايران ولا سوريا كانتا وراء العملية التي قام بها حزب الله في الجنوب، وان الاسرائيليين، مدفوعين من الاميركيين، كانوا قد أعدوا لهذه الحرب منذ فترة ليست بوجيزة، فإن أحداً لا يستطيع تجاهل التداعيات والتأثيرات التي ستتركها نتائج هذه الحرب على المستويين الداخلي والاقليمي، فهزيمة الاسرائيليين امام المقاومة في لبنان ستغير في المسار الذي خططت له الادارة الاميركية، وقد تبعد عن ايران خطر الضربة العسكرية.
إذاً، بعد قراءة نتائج الحرب الاسرائيلية على لبنان، سيقوم الاميركيون بدراسة جميع الخيارات والبدائل المتاحة أمامهم لتسوية الملف النووي الايراني، قبل إقدامهم على مغامرة أخرى، كالتي دفعوا الاسرائيليين إليها في لبنان ولم تأت لهم سوى بالهزيمة والانكسار امام مجموعة صغيرة كـ«حزب الله» أين منها قوة الايرانيين العسكرية وصواريخهم البعيدة المدى؟
ماذا لو امتلكت ايران القنبلة النووية؟
قد يكون من مصلحة الشعوب العربية أن تمتلك ايران السلاح النووي، أما الهواجس لدى الدول الخليجية فلا مبرر لها، وذلك لعدة أسباب أهمها ان السلاح النووي هو سلاح سياسي بامتياز يستعمل للردع، وليس سلاحاً عسكرياً، بل يرتبط الى حد بعيد بقدرة الدولة المعنية على توجيه الضربة الثانية وبامتلاكها غواصات تحمل رؤوساً نووية أو أماكن خارج حدودها الإقليمية لإطلاق الصواريخ، وهذا ما لا تمتلكه ايران طبعاً. أضف الى ذلك ان قوة ايران النووية المحدودة جداً بالمقارنة مع الولايات المتحدة واسرائيل وباكستان والهند ستدفعها الى اعتماد سياسة نووية دفاعية فقط، توفّر لها ما تحتاج إليه من مقومات للحفاظ على استقلالها وسيادتها، وإطالة عمر حكم جماعاتها الدينية المحافظة.
إن الغطرسة الاسرائيلية التي شهدناها خلال العدوان على لبنان، وقد حظيت بغطاء دولي وضوء أخضر أميركي مديدين، تحتم على الجميع التطلع إلى ظهور قوة ردع إقليمية تستطيع مجابهة هذا العدو المتربص بنا شراً والطامع بأرضنا ومياهنا، وقد يكون دخول ايران الى «النادي النووي» رادعاً لاسرائيل وحافزاً لها للقبول بمبادرات السلام وإعطاء الفلسطينيين حقوقهم المكتسبة، وهذا ما لم تستطع الدول العربية القيام به، إذ إنها ارتضت لنفسها مظلة الاتفاقيات التي عقدتها مع اسرائيل والتي تقوم على تكريس تفوّق إسرائيل العسكري في المجال التقليدي، واحتكارها السلاح النووي سواء بسواء. وهنا يحضرنا قول للملك الحسن الثاني (رحمه الله): «إذا ملكت ثلاثون دولة في العالم القنبلة النووية، فإن الآخرين يمكنهم أن يناموا مطمئنين».
* باحثة لبنانية في القضايا الاستراتيجية