فادي بردويل


مع بدايات العلوم الاجتماعية في القرن التاسع عشر، حدّدت خطوط التمايز بين السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا. أحد الحدود الأساسية التي فصلت بين العلمين اعتمدت مقياس “التركيب للمجتمعات”. فالأولى مسؤولة عــــــن دراسة “المجتمعات المتقدمة”، أمّا الثانية فتتولى ما تبقّى. يرتكز هذا التقسيم ما بين “المتقدّم” و“البدائي”، “الحديث” و“التقليدي”، على فهم للتاريخ يرى أن الكتل البشرية الموجودة عـــلى هــــذه الأرض هــــي جزء من التاريخ العالمي نفسه.
ثمّة شيء، إذاً، اسمه تاريخ الإنسانية، يوحّد الأعراق والديانات والثقافات والأشكال والعوالم المختلفة للحياة البشرية على وجه هذه المعــــمـــــورة. ولكن ما الذي يجمع بين البـــــورجوازي البريطاني الذي يتـــــذوّق في قصره الصيفي أفخر أنواع الشاي الهندي القادم للتوّ من لـــؤلؤة الإمبراطورية فيما يســـــتمع إلى عزف ابنته على البيانو لآخر مؤلفات برامز، وأكلة لحوم البشر في الأدغال؟
أدّت محاولة الجمع بين الاثنين إلى هذه الخلاصة: لا بدّ لذلك المتخلّف من أن يتطوّر إذاً. لا بدّ له من أن يلحق بركب الحضارة. آن الأوان لدخول العصر، ردّدت أوروبا بنبرة ناعمة شديدة التهذيب.
هلك كثيرون في الطريق. لم تتحمّل أجسادهم ولا معابدهم ولا حتّى لغاتهم التقدّم. اختفوا، هكذا دون أيّ أثر.
أمّا أولئك الذين نجوا، وبعضهم فعل ذلك بأعجوبة، فابتسم لهم القدر. عفواً، ابتسم لهم تاريخ الإنسانية... ابتسامة صفراء. فلم يحن الوقت بعد لتهنّئوا أنفسكم بالنجاة، قال التاريخ هازئاً. المهمة لم تشارف على نهايتها بعد، وما زلتم في أوّل الطريق. هل تعتقدون بأنّكم أصبحتم جزءاً من العالم بمجرّد أنكم لم تختفوا بعد؟ المعادلة سهلة جدّاً: مستقبلكم = حاضر أوروبا (ومنشآتها الجديدة). الخيار لكم.
وانقسمت قبيلة الناجين بعضها على بعض. قلّة منهم، وأكثرية تلك القلّة أخذت من لندن مقرّاً دائماً لها. عملت بجهد على عقولها وقلوبها وأجسادها. فاقتضبت حركات يديها وانتظمت مشيتها، وطغى همّ الإنتاج على أحاديثها الشخصية. وبعد نقاشات عدة عقدت في الفضاءات العامّة في ما بينها، أصدرت هذه الفتوى: إمّا الغرب، وإمّا السقوط في البربرية والتخلّف والظلام و...
طبعاً هناك تنويعات على هذه اللازمة، فالتمايز في بعض الحقول علّة الوجود. فهذا التاريخ الذي يتقدّم، كما يردّدون، باستمرار، لا مجال بعد الآن للتخلف عن محاولة ملاقاته. والتقدّم عندهم قيمة لا مبرر لها سوى نفسها. التقدم فالتقدم فالتقدم للتقدم. أمّا المجازر التي ارتكبت وترتكب من قبل أهل التقدّم بأسلحة التقدّم، فينفضونها عن منظومتهم كمن ينفض القشرة عن قبّة قميصه. فيكيلون التهم لإخوانهم بالعمل الدؤوب من أجل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والتشبّث بآراء وأنماط من العيش مفوّتة، مهترئة، لا تتلاءم مع روح العصر. هذه الروح وتوأمها المادي اللذان اخترقا حياتهم منذ مدّة ليست بقليلة، فأعادا خلط الأوراق جذرياً، حذفا أدواراً، وعدّلا أدواراً أخرى.
باختصار، حرقت العديد من السيناريوهات، بغض النظر عن مدى صلاحيتها. تمّت إزالتها من الوجود. وأعلن المخرج بعدما غسل حبر السيناريوهات البالية عن يديه: من الآن فصاعداً سيناريو واحد للجميع، لا مجال بعد الآن لتلك الفوضى التي كانت قائمة من قبل على “البلاتو”.
لم يتلاءم السيناريو الحديث وعادات بعض المخضرمين. فلا تلك الحروف حروفهم، و لا ذلك الإيقاع إيقاعهم. انكفأوا بصمت إلى زاوية مقفيّة وراء الستارة، وانطفأوا واحداً تلو الآخر. رحلوا بخفر، بلا ضجيج. أمّا الذين بقوا، فيعملون ليلاً ونهاراً على تصحيح مخارج حروفهم لاهثين وراء ذلك الإيقاع الذي ما إن يتخيل لهم أنهم أجادوا الرقص عليه، حتى يفلت منهم مسرعاً أكثر، مدوّخاً أكثر.