عبد الإله بلقزيز


خيّمت الحرب الاسرائيلية ــ الأميركية على لبنان في كل ساحة عربية، ثقلها الأكبر وعبئها الرئيس وقع على لبنان: شعباً ودولةً ومقاومةً ومقدّرات، لكن بعض ذلك العبء وقع على مساحات واسعة من المجتمع العربي فأطلق فيها تفاعلات سوف تتردد آثارها على مدى من الزمن السياسي والاجتماعي والثقافي المديد. بدا المحيط العربي ــ الأقرب والأبعد ــ على مدى شهر كامل أشبه ما يكون بحديقة خلفية للبنان تقع ضمن حومته. هي المرّة الأولى، إذن، في تاريخ العرب المعاصر الذي يتحوّل فيها لبنان (الصغير بمساحته الجغرافية وبديموغرافيته، الكبير الكبير بتراثه في الحضارة والثقافة والحرية والمقاومة) الى مركز تدور في فلكه أطراف وهوامش عربية، وتضبط وتيرة حركتها على إيقاع ما يؤكده من وقائع: يفعل، فتتردد أهواء فعله في كل شبر من المكان العربي الفسيح.
من المأثور في مثل هذه الحال من السؤال عن الصلة التي كوّنها شارع عربي متفاعل وملتهب ببلد عربي يحترق ويردّ على حريقه بالحرائق (في عُقر «دار» العدو) أن ينصرف التفكير الى تقدير أنماط الاستجابة الشعبية العربية للعدوان، والأشكال المختلفة للردّ عليه في الداخل العربي، ومدى قيمة مساهمة هذه الردود في إنتاج أرصدة سياسية عربية يتعزز بها رصيد المقاومة في لبنان في جبه الغزوة الصهيونية ــ الكولونيالية عليه ومعاقبة آلة دمارها. والمأثور، في مثل هذه الحال، على نحو أدق أن يُسأل عن عدد التظاهرات والمسيرات الشعبية التي زحفت في شوارع المدن العربية، وعدد من التأموا فيها من المواطنين، ونوعية الشعارات التي أطلقتها الحناجر، وعدد مهرجانات الخطابة المعقودة لإبداء آيات التضامن، وعدد البيانات التأييدية الصادرة عن الأحزاب والجماعات السياسية، ومنسوب الضغط الداخلي الذي تولّده هذه الحال من الحراك الشعبي على «صانع» القرار العربي... الخ. لكنّا نؤثر عدم الخوض في ما قرّ عليه المأثور من التفكير في مثل هذه «النازلة» اليوم، وطرح السؤال بطريقة أخرى.
ما الذي قدّمته ملحمة المقاومة والصمود في لبنان للوطن العربي؟ هذا السؤال أجدر من غيره بالانتباه إليه، لنقل ــ بغير مداورة ــ إنه أجدر من السؤال المأثور والتقليدي: ماذا قدّم الوطن العربي للبنان كي يحمل عنه عبء جبه العدوان وحده أو يخفف عنه وطأته؟
سيأتي زمن نحاسب فيه أنفسنا ــ نحن العرب ــ حساب ملامة أو حساب ندامة أو حساب كرامة عما قدمناه أو عما لم نقدمه للبنان. دع عنك في هذا الحساب ــ هنا ــ حساب من ناءَ لبنان بثقل تقوُّلهم في مقاومته عن «المغامرات غير المحسوبة»، فهؤلاء ما فعلوا بما أتوه من كبائر القول في حق لبنان سوى أنهم خاضوا في «مغامرات غير محسوبة» لا تستر عورتها أعطياتهم من المال والمساعدات. وإنما الحساب الذي نقصد هو حساب مجتمعاتنا وقواها الشعبية عما قدمت: وفيها ما يشرّف وفيها ما لا يعدو رفع ملامة. وهو في الأحوال جميعاً حساب مؤجل.
عود الى السؤال الأجدر...
قدّم لبنان المقاوم في ملحمته البطولية المذهلة جردة حساب للعرب مع حزمة من الأوضاع والأوهام استبدت بهم في زمن الهزيمة الطويل، وذهبت بهم ــ في ما مضى ــ بعيداً من قناعات كوّنتها المنطقة ــ وأهلها ــ عن مصيرها القومي منذ منتصف القرن الماضي وحتى انتصار الصهيونية والاستبداد في زمنٍ ما من عقد السبعينيات:
حرّرهم لبنان من خوفهم على حقهم في رفع الصوت أعلى في وجه نخب حاكمة تكفّر من يتحدث بغير صوتها، فقذف بجموعهم الى الشوارع صارخين. صحيح أن مشاهد الجموع المتظاهرة باتت مألوفة منذ ثلاثة عقود في بلدان كالمغرب ومصر، أو منذ عقدين في أخرى مثل الأردن، والسودان والجزائر، أو منذ عقد في ثالثة أخرى مثل اليمن والبحرين، لكنها أصبحت قبل يومين ممكنة في ليبيا وتونس وبلاد الحرمين. وظني في هذا أنه كسر قاعدة مديدة في علاقة «المواطنين» بالشأن العام، وأي شأن عام؟: مصير الأمة في وجه أعدائها. وبعد الآن، سيكون على الحاكم بأمره وصحابته وآل بيته أن يأخذ في الحسبان غضبة شارعه قبل أن يرتجل الموقف السياسي الحرام، الموقف الذي يستبيح مقدسات المجتمع الوطنية والقومية والروحية، فيستسهل القذف في شرف أحرار الأمة.
وحرّرهم لبنان من أوهام «السلام» مع عدو فاشي عنصري لا يرى في العرب والمسلمين إلا بعّوضاً يليق به الدوس عليه والقتل من أجل «تنظيف» المكان لـ«شعب الله المختار». شدد الدرس اللبناني على حقيقة تضافرت الصناعة الإعلامية الأميركية والتواطؤ العربي الرسمي على محوها من الأنفس والعقول والبرامج الدراسية وخطب الجمعة وعظات الأحد: اسرائيل عدو الأمة من الماء الى الماء، ولا تقوم للأمة قائمة والعدو هذا طويل الأسنان والأظافر. أما تسويق صورته كالحمل الوديع الذي يطلب أماناً بين العرب، أو حتى كوحش قابل للترويض والتدجين، ففعل من أفعال الإثم السياسي وكبيرة من الكبائر غير القابلة للمغفرة السياسية وخديعة سخيفة لرهط من القوم لا يعقلون: إذ متى صار الوحش الكاسر حيواناً أليفاً يلقّمه صاحبه من فضلات طعامه؟!
وحرّرهم لبنان من ثقل الشعور القاتل بالدونية والصَّغار وزراية النفس أمام الوحش الكاسر وجيشه «الذي لا يُقهر». أرهقهم الشعور بالهزيمة طويلاً حتى خالوا أنهم لا يقدرون على رفع الرأس. عاينوا جيوشهم منكسرةً في ساح الوغى أحياناً وأسلحتها تتكدّس في المستودعات الى أن تصدأ في معظم الأحيان. وشاهدوا بأمّ العين زعماءهم يوقّعون صكوك الاستسلام للعدو، فترتفع أعلامه في عواصمهم، أو يستقبلون رموزه في ديارهم كأنهم يستقبلون أشقاء لهم! وقيل لهم طويلاً إن لا سلامة لكم أو لمجتمعاتكم إلا متى سلّمتم بحق «العدو» في الوجود في دياركم والامتناع عن التفكير ــ مجرد التفكير ــ في قتاله فذلك خير لكم وأجدى. ودارت ماكينة التحبيط والتيئيس لتفعل فعلها المدمر في الأعصاب والنفوس، وانطلقت ألسنة ثقافة الهزيمة من أغمادها تبثّ السموم في خلق الله فتفتح لها منابر الصحافة والإعلام والنشر أوسع المساحات لتتغوّط مقالاتها النيوليبرالية المتصهينة، ذاهبةً في مدائح «الصلح» و «السلام» حدوداً يخجل منها كتّاب بني اسرائيل أنفسهم! قالت لهم المقاومة إن «الجيش الذي لا يُقهر» قُهر في أصغر بلد عربي، وقهره فتية من الأبطال لا يملكون بوارج أو طائرات أو دبابات أو مدافع ثابتة، لا يملكون إلا دمهم وشرفهم وروحهم القتالية العالية. وقالت لهم إن نساء العرب لا يلدن الراقصات والمطربات والحشّاشين والسلبيين واللامبالين والمبهورين بالمثال الأميركي في المأكل والملبس والمغنى ورطانة الكلام فقط، بل يلدن المناضلين والمقاتلين والمرابطين عند ثغور هوية الأمة يحرسونها من غارات الأعداء وديدانهم في الداخل العربي.
إن شئنا أن نُجمِل ما فصّلت المقاومة تقدمته للوطن العربي ــ وهو عطاء وفير لا يسع مقالة حصره أو عدّه ــ قلنا إنها منحت المجتمع العربي والمواطن العربي أثمن رأسمال يحتاج إليه في ظلمة الهزيمة الظلماء الطويلة: الثقة بالنفس.
نعم، لقد دُمّر لبنان وكانت التضحية غالية. لكن لبنان الذي سيعيد إعمار ما تهدّم، يعيد منذ الآن إعمار الوطن العربي نفسيّاً.
أستاذ جامعي ــ المغرب