جيلبير أشقر *


«هزيمة حزب الله ستشكل ضربة كبيرة لإيران، سواء من الناحية النفسية أو الاستراتيجية. فسوف تخسر إيران موطئ قدمها في لبنان. كما ستخسر كل الوسائل المتاحة أمامها من أجل زعزعة استقرار المنطقة والنفاذ إلى أعماق الشرق الأوسط. لقد سعت إيران جاهدةً لتثبيت نفسها القوة الإقليمية العظمى في المنطقة. أما الولايات المتحدة فتجهد لمنح إسرائيل الفرصة لتحقيق الانتصار وأعطت الضوء الأخضر لكل ما يجري حالياً. فقد عوّلت واشنطن على كفاءة إسرائيل للقيام بهذه المهمة، لكن آمالها خابت. فقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت لم تكن ثابتة ومستقرة، ورغبته في إحراز النصر بأقل ثمن ممكن لم تعرّض العملية العسكرية الإسرائيلية في لبنان للخطر فحسب بل زعزعت ثقة أميركا بإسرائيل أيضاً».
شارلز كراوثامر، «واشنطن بوست»، 4 آب 2006

«لكن يفترض بالإدارة أن تعترف بما يفترض في أي شخص اقتنع بأهمية السيطرة على العراق أن يعترف به ــ وأنا واحد منهم: سواء أكان بوش أم العرب السبب في عدم الاستفادة من العراق، لم يعد بإمكان أميركا أن تخسر المزيد من الأرواح الطيبة. الأفضل مغادرة العراق. فالخيار الأسوأ ــ الذي تحبه إيران ــ هو أن يبقى الأميركيون في العراق، فينزفون أكثر ويكونون في الوقت عينه عرضة لأي ضربة إيرانية إذا قررنا استهداف قدراتها النووية. الأفضل أن نتعامل مع إيران وسوريا، لكن من موقع قوة، وهذا يتطلب تحالفاً موسعاً. فبقدر ما تطول الاستراتيجيا الأميركية الأحادية الفاشلة في العراق، يصبح من الصعب بناء تحالف قوي ومتماسك، وتتضاعف قوة أعداء الحرية».
طوماس فريدمان، «نيويورك تايمس»، 4 آب 2006

مع مرور كل يوم، يتبدّى أوضح فأوضح أن من كانوا أشد المتحمّسين لدعم نزعة إدارة بوش الإمبريالية في الشرق الأوسط بدأوا يغادرون سفينته التي تغرق. ولم يعد هناك أدنى شك في أن ما توقّعه كثيرون يتحوّل إلى حقيقة: سيذكر التاريخ إدارة بوش بوصفها الإدارة ذات الفريق الأكثر بلاهة وارتباكاً الذي وصل إلى قمة الإمبراطورية الأميركية.
فبوش وأصدقاؤه المخلصون حفظوا موقعهم في الذاكرة الجماعية على أنهم حفارو قبور التطلعات الأميركية الإمبريالية ما بعد الحرب الباردة: فقد بدّدوا الظروف الاستثنائية التي لم تتوافر للإمبريالية الأميركية التي بدأت في التداعي منذ عام 1989. وأضاعوا الفرصة الفريدة التي سبق لكراوثامر أن سمّاها عام 1990 «لحظة أحادية القطب». إلاّ أنهم أضاعوا هذه الفرصة لأنهم استمدوا إلهامهم من الشعور الإمبريالي بالطمأنينة والاعتداد بالنفس الذي ميّز أمثال كراوثامر وفريدمان.
وجاء عنوان إحدى المقالات الافتتاحية في مجلة «تايم» التي نشرت قبل بدء الحرب الإسرائيلية الجديدة على لبنان «نهاية دبلوماسية الكاوبوي» (راعي البقر). وقد ركّزت المقالة على حقيقة مفادها أن «عقيدة بوش انهارت في المكان الرئيسي الذي حاولت الولايات المتحدة تطبيقها فيه»:
«رغم أن أحداً في البيت الأبيض لم يتساءل علناً عن سبب قرار بوش شنّ حرب على العراق، إلاّ أن بعض معاونيه يعترفون الآن بأن هذه الحرب تسبّبت بخسائر عسكرية كبيرة، وكذلك على صعيد الدعم الشعبي وعلى مستوى الصدقية الأميركية في السياسة الخارجية. فالإدارة ما زالت تدفع فاتورة تلك الحرب يومياً فيما هي تحاول التغلّب على أزماتها الأخرى. وبينما تحاول الولايات المتحدة إيجاد السبل المناسبة للخروج من العراق، يعتبر الاستمرار في تطبيق السياسة الخارجية كما تتصوّرها عقيدة بوش أمراً شبه مستحيل. فكل أصدقاء أميركا وأعدائها في العالم بأسره يسجلون ملاحظاتهم، حتى إنهم في بعض الأحيان يستفيدون من القيود المفروضة على القوة العظمى. فإذا شكلت إطاحة صدام حسين الدليل الأبرز على قوة الهيمنة الأميركية، فإن السنوات الثلاث الماضية شهدت تصدّعاً مستمراً في قدرة واشنطن على إخضاع العالم لمشيئتها» (1).
وقد عبّر كتّاب مقالة «تايم» عن حزنهم الشديد على النحو الآتي:
«من الواضح أن العراق قد يثبت أنه ليس أول وإنما آخر مختبر للحرب الاستباقية. فبدلاً من ردع حكّام طهران وبيونغ يانغ، قد تكون ممارسات الاحتلال الأميركي تشجيعاً لأولئك في سعيهم للحصول على أسلحة نووية والحدّ من القدرة العسكرية الأميركية على ردعهم».
وفي مقالة «تايم» أيضاً، رافقت هذه القراءة المؤلمة للتطورات بارقة أمل يتقاسمها كل حلفاء أميركا وأتباعها وعملائها: فبالنسبة إليهم جميعاً، ما عدا الحكومة الإسرائيلية، إن إقصاء كبار المحافظين الجدد في حكومة بوش قد عزز الآمال في حصول تغيير ملحوظ في السياسة الخارجية الأميركية. فخلط الأوراق الذي رافق بداية الولاية الثانية للرئيس جورج بوش، رغم خروج كبير الواقعيين كولن باول الذي لم يكن يتمتع بالنفوذ في أي حال، كان بمثابة تأكيد على «أفول نجم المحافظين الجدد». وهو واقع كان بعض مؤيدي كلينتون قد توقّعوه قبل سنتين(2).
لكن تبيّن أن ما اعتبره كاتبو «تايم» دليلاً على نهاية «دبلوماسية الكاوبوي» ــ «وثمة تحوّل استراتيجي واضح في وصول وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى السلطة» ــ لا يعدو كونه مجرد أمنية لم تتحقق. وهذا ما أثبتته التطورات اللاحقة، وضمنها الهجوم العنيف الذي شنته إسرائيل على لبنان. فقد أُبدلت دبلوماسية الكاوبوي (راعي البقر) بدبلوماسية الكاوغيرل (راعية البقر) مما يعني باختصار: لا تغيير.
فصحيح أن كوندوليزا رايس بذلت جهداً حثيثاً لتحسين صورة السياسة الخارجية لإدارة بوش، لكن ما من تغيير ملموس قد تبدّى. فرايس أحد الأعمدة الأساسية في إدارة بوش منذ قيامها، تتملّكها أوهام العظمة والحماقة عينها التي تطبع من تبقّوا في فريق بوش. وبعد تسلّمها وزارة الخارجية خلال ولاية بوش الثانية، تركّزت مهمة رايس بشكل خاص على رأب التصدعات الكثيرة في سفينة السياسة الخارجية الأميركية: لقد كانت مهمة مستحيلة بالفعل. فالسفينة تغرق في أعماق المستنقع العراقي «النفطي».
أثبتت الولايات المتحدة «المفرطة القوة» والقادرة على هزيمة أي جيش على وجه الأرض ــ هذه القوة التي تفوق إنفاقاتها العسكرية ما تنفقه 200 دولة مجتمعةً والتي تتخطى موازنتها العسكرية الناتج القومي الإجمالي في كل دول العالم ما عدا 14 دولة ــ مرة جديدة أنها لا تستطيع السيطرة على الشعوب الثائرة. لذلك، فإن كل ما يمتلكه البنتاغون من أدوات قتل متطورة لا يعدو كونه ذا تأثير محدود، لأن السيطرة على الشعوب تعني إشراك الجنود في العمليات: إنها نوع من الصناعة حيث يستحيل إبدال اليد العاملة بالآلات. لهذا السبب، فإن الدكتاتوريات أكثر نجاحاً في هذا الإطار لأنها قادرة على تعبئة شعوبها متى أرادت، وهي لا تخشى أبداً دفع ثمن باهظ من أرواح جنودها.
لقد تبيّن أن أميركا لم تتمكن من السيطرة على فيتنام رغم أنها استخدمت عدداً من قوات الاحتلال أكبر مما استخدمت في العراق. لكن القدرة العسكرية الأميركية اليوم أكبر بكثير مما كانت عليه في فيتنام من جميع النواحي ما عدا ناحية واحدة تتعلق بالاحتلال: الجنود. فقد قُلِّص عديد القوات الأميركية منذ حرب فيتنام ونهاية الحرب الباردة. واقتنع البنتاغون بأنه قادر على تعويض نقص الموارد البشرية بالاعتماد على الأسلحة المتطورة ــ أي على ما يسمى «ثورة في الشؤون العسكرية». ودخل البنتاغون في مرحلة حروب «ما بعد البطولات» كما يسميها أحد محللي الشؤون العسكرية المستقلين (3). ولم تبذل الولايات المتحدة جهداً كبيراً من أجل هزيمة الجيش العراقي التابع لصدام حسين تماشياً مع «مرحلة ما بعد البطولات». لكن السيطرة على الشعب العراقي وفقاً لهذا المفهوم شكلت تحدياً مختلفاً.
أميركا تفقد سيطرتها على العراق منذ بدأ الاحتلال في عام 2003. فهي تلقى مواجهة من متمردين مسلحين في المناطق السنيّة، متمردين تبيّن أن قوات الاحتلال المحدودة غير قادرة على قمعهم. لذلك، إذا كان الجيش عاجزاً عن فرض سيطرته على كل شبر من الأراضي المأهولة التي قام بغزوها، فثمة وسيلة آمنة وحيدة للتخلص من حركة التمرد المسلحة التي تلقى تأييداً شعبياً يجعلها أشبه بـ«السمك في الماء»، هذا الحل وضعه ماوتسي تونغ وهو يقضي بـ: تجفيف الحوض الذي تسبح فيه هذه الأسماك. وهذا يعني إما تنفيذ إبادة جماعية وهو ما سبق للقوات الروسية أن انتهجته في الشيشان، وإما نقل الشعب إلى معسكرات اعتقال، وإما المزج بين هذين الأمرين، وهو ما اعتمدته الولايات المتحدة في فيتنام، لكنها لم تستطع السير بالأمر حتى النهاية لأن الشعب الأميركي لم يتحمّل هذا الوضع.
وفي العراق، واجهت الولايات المتحدة مشكلة أكثر خطورة أخذت تظهر مع بداية عام 2004: وما كان من غباء إدارة بوش وأوهام بعض أصدقاء البنتاغون من العراقيين، إلاّ أن دفعا أميركا إلى الاعتقاد بأنه يمكنها أن تحظى بتعاطف أفراد الطائفة العراقية الكبرى، أي العرب الشيعة. لكن ما حصل هو كارثة مطلقة لأن المجموعات الأصولية الشيعية القريبة من إيران قضت على أي رصيد يمكن أتباع واشنطن أن يحققوه بين العراقيين الشيعة. ولم يعد أمام إدارة بوش من أجل فرض نموذجها الإمبريالي سوى اللجوء إلى الوصفة التقليدية «فرّق تسد»، فحاولت أن تزرع بذور الشقاق بين المكوّنات الثلاثة الرئيسية للشعب العراقي، أي السنّة والشيعة والأكراد. وهكذا آل الأمر الى السير بالعراق نحو أتون حرب أهلية، الأمر الذي أثبت الفشل الأميركي في السيطرة على ذلك البلد (4).
لا شك في أن الأسلوب الذي شُدّ به الوثاق من حول «غاليفر» الأميركي على أيدي «الليليبوتيين» العراقيين (نسبة إلى جزيرة ليلليبوت الخيالية التي يسكنها أقزام تقول الرواية إنهم قاموا بتقييد غاليفر الذي ضلّ طريقه إلى الجزيرة)، هذا الأسلوب شجّع إيران، أحد أعضاء الشرق الأوسطية الأساسية في المحور الذي يصنّفه جورج بوش «محور الشر» الذي يشكل نقطة ارتكاز سياسته لمرحلة ما بعد 11 أيلول. وهذا الموقف الإيراني الجريء والاستفزازي من «التمثال» الأميركي لم يكن ممكناً لو لم يتبين أن قدمي هذا التمثال مصنوعتان من «الطين». وقد واجهت طهران بنجاح محاولات حلفاء واشنطن من العرب توسيع رقعة الحساسيات المذهبية من العراق إلى باقي دول العالم العربي لعزل النظام الإيراني الشيعي، علماً بأن هذه المكيدة استخدمت بنجاح بعد الثورة الإيرانية في عام 1979. لكن إيران واجهتها هذه المرة عبر التقرّب من الأنظمة العربية المعادية لإسرائيل، مما سمح لها بترسيخ صورة عنها كبطل القضية الإسلامية.
إن مفتاح نجاح إيران يكمن في تحالفها مع حماس التي هي أشهر من يمثّل الأصولية السنيّة الإسلامية. هذا التحالف تعزز عندما أعلن الجناح المصري لحركة الإخوان المسلمين (الذي تشكل حماس جناحه الفلسطيني) دعمه لتصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد التحريضية ضد إسرائيل. ومع وصول حماس إلى السلطة بفضل انتصارها في الانتخابات الفلسطينية 2006، وهو تطور شكل ضربة إضافية لاستراتيجيا واشنطن الإقليمية، تنفست طهران الصعداء وعمدت إلى التقرب من خصومها العرب الذين يدعمون الحكومة الفلسطينية الجديدة. وعند هذا الحد بالذات تدخلت إسرائيل التي تعتبرها واشنطن المنقذ المنتظر لما أصبح اليوم يشبه سفينة «تيتانيك» إمبريالية.
مرة جديدة خلال أربعة عقود من التحالف الاستراتيجي بين الراعي الأميركي والبطل الإسرائيلي، منحت واشنطن، التي ما زالت تؤمن بسمعة إسرائيل من حيث قدرتها الفائقة على التعامل مع أعدائها العرب، الضوء الأخضر لوكيلها المفضل ضد من قدّر لهم أن يكونوا وكلاء إيران ولا سيما حماس وحزب الله. غير أن واشنطن أغفلت أن سمعة إسرائيل في هذا الإطار قد تآكلت كثيراً نتيجة فشلها الذريع في السيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967، فضلاً عن انسحابها من جنوب لبنان عام 2000 الشبيه بالانسحاب الأميركي من سايغون (عاصمة فيتنام الجنوبية) بعد 18 سنة من الاحتلال بعدما أقامت إسرائيل فيتنام خاصة بها في جنوب لبنان.
وتماماً كما كان حال البنتاغون بعد حرب فيتنام، انتقل مخططو الحروب في إسرائيل بعد الانسحاب من لبنان إلى تبنّي «السياسة العسكرية لمرحلة ما بعد البطولات» التي تعتمد على تفوق الآلة العسكرية أكثر مما تعتمد على القدرة القتالية لقواتها البرية. فعندما اجتاحت إسرائيل لبنان في عام 1982، كانت تحارب بالتحديد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية: في لبنان كان هؤلاء مثل «السمك خارج الماء» بعد تأليبهم الشعب اللبناني عليهم بسبب سلوكهم المتعجرف والأخرق. أما المقاومة اللبنانية التي بدأت تحشد الزخم منذ عام 1982 والتي أخذ حزب الله يلعب فيها دوراً أساسياً، فقصتها مختلفة تماماً: لقد كانت هذه أول مرة يواجه فيها الجيش الإسرائيلي مقاومة مسلحة حقيقية وشعبية تملك خطوط إمداد على أرض مناسبة لحرب العصابات. وتماماً مثل الولايات المتحدة في فيتنام أُجبرت إسرائيل على تجرع كأس الانسحاب المرة التي كانت بمثابة الهزيمة.
إن إيمان إسرائيل بأن آلتها العسكرية لا تقهر ــ يرافقه شعور بالطمأنينة نتيجة غياب الخبرة عن الاستراتيجيا العسكرية لأولمرت وبيريتس القائدين الحاليين للطاقم الإسرائيلي ــ دفع الإسرائيليين إلى الاعتقاد بأنهم قادرون على إجبار حزب الله على الاستسلام أو دفع اللبنانيين إلى حافة حرب أهلية جديدة، عبر «أسر» لبنان بالكامل، وتدمير بنيته التحتية وإغراق المناطق الشيعية اللبنانية بسيل من القنابل. وقد سحقت إسرائيل عن عمد الأحياء والقرى تماماً كما كان يحصل خلال الحرب العالمية الثانية أو ما واجهته الفلوجة على نطاق أوسع وأكثر وضوحاً. هذه الحرب الإسرائيلية الجديدة على لبنان أظهرت الغضب الإجرامي الذي برز في الخطوة الانتقامية من الشعب الوحيد الذي نجح في إجبار إسرائيل على الانسحاب من أرض محتلة من دون قيد ولا شرط.
إن السلوك الإجرامي للقوات الإسرائيلية المسلحة في لبنان، بحسب جميع الاتفاقات الدولية التي تعرّف جرائم الحرب، قد تخطى الممارسات الأميركية على نطاق واسع في مرحلة ما بعد فيتنام، إنْ في العراق وإن في يوغوسلافيا سابقاً. من هذه الناحية، بلغ الهجوم الإسرائيلي في لبنان حدّ ما يسمى سياسة «العهدة الاستثنائية». فليس سراً كيف سلّمت واشنطن الأفراد الذين أرادت أن يتم «التحقيق» معهم خارج حدود القيود التي يفرضها الدستور الأميركي، إلى بعض حلفائها الذين يسمحون بالتعذيب في سجونهم. أما اليوم فقد أوكلت واشنطن إلى إسرائيل مهمة إلحاق الهزيمة بحزب الله. هذه المهمة التي تعتبر جزءاً رئيسياً من الحملة الإقليمية على إيران، على أمل أن تقوم إسرائيل بالعمل القذر وتنفّذ المهمة من دون إثارة مشاكل كبرى.
عبر استغلالهم الوقح للذكرى المأساوية للمحارق النازية ــ وهو استغلال بلغ مستويات جديدة من البذاءة خلال الحرب الجارية ــ اعتقد الزعماء الإسرائيليون بأنهم سيكونون قادرين بذلك على دحض أية انتقادات من القوى الغربية، أو بمعنى آخر من المجتمع الدولي. ورغم أن «موارد» هذا الاستغلال بدأت تتلاشى مع كل حد جديد تبلغه الوحشية الإسرائيلية، فإن هذه السياسة ما زالت فعّالة: فأي دولة أخرى في العالم تهاجم دولة مجاورة وترتكب جرائم حرب عن سابق إصرار وتصميم وبالوتيرة المتسارعة نفسها التي تشهدها الحرب الإسرائيلية في لبنان، كانت ستُواجه بموجة احتجاج لا تشبه إطلاقاً التوبيخ الباهت والخجول الذي تواجهه إسرائيل الآن.
غير أن المفارقة أنه نتيجة كل المعطيات السابقة لم يكن بإمكان الوحشية الإسرائيلية أن تنجح، بل على العكس فقد أثبتت أن حربها هذه هي «أكثر الحروب الإسرائيلية فشلاً» على حد تعبير «زئيف ستيرنهل» (5) الذي خلص إلى القول: «من المخيف أن نفكر بأن الذين قرروا إطلاق هذه الحرب لم تكن لديهم أدنى فكرة عن نتائجها وتداعياتها المدمّرة ولا الضرر السياسي والنفسي أو حتى الصفعة القوية لصدقية الحكومة الإسرائيلية. وأهم من ذلك سفك دماء الأطفال سدىً. إن الوقاحة التي أظهرها الناطقون باسم الحكومة الإسرائيلية والمسؤولون الإسرائيليون بمن فيهم عدد من المراسلين العسكريين، أمام الكارثة التي يعانيها اللبنانيون، أدهشت حتى الذين فقدوا منذ زمن طويل أوهام الشباب».
ما زالت إسرائيل بعيدة كل البعد من إثارة حرب أهلية في لبنان، حتى إنها لم تنجح سوى في توحيد اللبنانيين حول الاستياء المشترك من هذه الوحشية الإجرامية. ورغم أنها أخفقت في إجبار حزب الله على الاستسلام، نجحت في تحويل المنظمة الشيعية إلى أهم أعداء إسرائيل منذ هزيمة مصر في عام 1967، وهو ما حوّل الأمين العام حسن نصر الله إلى أشهر بطل عربي منذ عبد الناصر. وأخفقت إسرائيل في تسهيل جهود واشنطن وحلفائها العرب لتوسيع الشرخ بين السنّة والشيعة، حتى إنها دفعت عدداً كبيراً من رجال الدين السنّة إلى إعلان دعمهم لحزب الله بمن فيهم رجال دين في السعودية، وهو ما اعتبر إحراجاً كبيراً للعائلة السعودية الحاكمة. أما العراقيون فقد نددت غالبيتهم بالعدوان الإسرائيلي، بينما استغل ألدّ أعداء واشنطن العراقيين وحليف طهران مقتدى الصدر، الفرصة لتنظيم تظاهرة ضخمة تشبه تلك التي نظمها ضد الاحتلال الأميركي في 9 نيسان 2005.
حتى كتابة هذه المقالة، كانت واشنطن لا تزال تناضل لمنح إسرائيل المزيد من الوقت عبر فرض شروط غير مقبولة على مشروع قرار من مجلس الأمن يدعو إلى وقف النار. أما الجنرالات الإسرائيليون الذين فشلوا في الحملة العسكرية «في مرحلة ما بعد البطولات»، فهم يخوضون سباقاً مع الوقت من أجل السيطرة، عبر عملية برية «ما بعد بطولية»، على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي في الجنوب اللبناني بأقل ما يمكن من الخسائر البشرية في صفوف جنودها.
ولكن أقصى ما يمكن أن يتوقعه الإسرائيليون هو تسليم هذه الأراضي إلى قوة دولية تكون مقبولة من حزب الله. حتى الرئيس الفرنسي جاك شيراك، رغم تواطئه منذ عام 2004 مع واشنطن حول المسألة اللبنانية، شدد على أن موافقة حزب الله شرط ضروري يجب تحقيقه. فما من دولة على وجه الأرض تنوي أن تنجز في لبنان المهمة التي تبدو إسرائيل نفسها غير قادرة على تحقيقها. علماً بأن المنظمة الشيعية كانت قد أعلنت أنها لن توافق على أية قوة تتخطى صلاحياتها تلك التي تتمتع بها اليونيفيل التي تعتبرها إسرائيل مصدر إزعاج.
مهما تكن نتيجة الحرب الراهنة على لبنان، فثمة شيء وحيد واضح: بدلاً من المساعدة في إنقاذ سفينة الإمبراطورية الأميركية التي تغرق، ها هو قارب النجاة الإسرائيلي يسرّع غرقها، وها هي هذه السفينة تشدّه معها نحو الأعماق.

ملاحظات
(1) ــ مايك ألان وروميش راتنيسار، «نهاية دبلوماسية الكاوبوي»، تايم، 17 تموز 2006.
(2) ــ ستيفان هابلر وجوناثان كلارك، «أفول نجم المحافظين الجدد»، واشنطن مونثلي، آذار 2004.
(3) ــ إدوارد لوتواك، «السياسية العسكرية في مرحلة ما بعد البطولات»، فورين أفيرز، تموز / آب 1996.
(4) ــ سبق أن وصفت هذا المسار في كتاب «سلطة محفوفة بالأخطار»، مقتطفات عن العراق 2006 ستتوافر على الإنترنت بعد فترة.
(5) ــ زئيف ستيرنهال، «أشد الحروب فشلاً»، هآرتس، 2 آب 2006.

* ولد جيلبير أشقر وترعرع في لبنان. درّس العلوم السياسية في جامعة باريس 8. أبرز مؤلفاته «صدام البربريات» صدر أخيراً في نسخة جديدة موسّعة. أما الكتاب الذي يضم حواراته مع نعوم تشومسكي حول الشرق الأوسط «السلطة المحفوفة بالأخطار» فسيصدر قريباً. وقد قام المدقق اللغوي ستيفان شالوم الذي راجع كتاب «سلطة محفوفة بالأخطار» مشكوراً بمراجعة هذه المقالة.