حمد طي *


إذا كانت الديبلوماسية في الأزمات سلاحاً يكمل السلاح المستخدم على خط النار، فيجب أن تتمتع بكفاءة هذا السلاح نفسه، وعندها يتكامل السلاحان ويؤديان الى أفضل النتائج.
أما الديبلوماسية اللبنانية، فكانت على عكس المطلوب منها في الشكل وفي الأسلوب وفي المضمون.
فعلى صعيد الشكل، قبعت في مراكزها مسمّرة تنتظر حراك الآخرين. وعلى مدى شهر لم يتحرك أي وزير ولا حتى أي مسؤول من مستوى أدنى، بينما بدأت الشخصيات الأجنبية تتحرك في اتجاهنا. ولو كنا جديين لأرسلنا وزراءنا يجوبون العالم ليشرحوا أبعاد العدوان الذي نتعرض له ويبيّنوا همجيته ودوسه للقوانين والأعراف.
وعلى صعيد الأسلوب، وهذا أمر مهم وأساسي، فقد سارت ديبلوماسيتنا بعكس المفروض. فهي خاصمت الأصدقاء وراحت تستجدي الأعداء فيما تجاهلت «الحياديين».
فقد انطلقت من عداء سوريا وإيران. ولعلهما الدولتان الوحيدتان اللتان تدعمان قضيتنا في الظروف الحاضرة. فخسرنا حليفين ثمينين أثبتا في أيار 1996 أنه لا يمكن أن يُستغنى عنهما، وأنهما رشّدا المسار الديبلوماسي برمته.
وتجاهلنا قوى أساسية على المسرح الدولي مثل روسيا والصين وربما الهند والاتحاد الأفريقي ومجموعة دول جنوب شرق آسيا وكذلك أميركا اللاتينية، ولم نفعّل الدول الإسلامية التي، إن لم يكن لها قوة وقف العدوان، على الأقل تشكل قوى ضاغطة بشدة على أصحاب القرار. أما في المضمون، فقد بدأنا بالتنصّل من العملية، كي تنحصر ردة الفعل بالمقاومة، رغم أننا كنا نعاين التدمير الصهيوني للبنية التحتية اللبنانية، فهل كانت الحكومة تحلم بأن يكون لموقفها مفعول رجعي؟! ثم ما لبثت الحكومة أن أعلنت لبنان دولة منكوبة.
وعندما بدأ «المجتمع الدولي» بالتحرك كان يتجه الى مدّنا بالمساعدة الإنسانية، وراحت تبرز مسوّدات المشاريع، من دون الأخذ برأينا، فلا تقضي بوقف لإطلاق النار، ولا تلوم العدو على تدميره المتعمّد الممنهج للبنية التحتية المدنية وللمؤسسات المدنية وكل ما هو ضروري لبقاء السكان، بل هي لم تلمه على القتل المتعمّد للمدنيين من دون أي ضرورة عسكرية، مع وضوح الأمر وضوح الشمس. ثم راحت ديبلوماسيتنا تتعاطى مع المشاريع المطروحة من منطلق أننا دولة منكوبة ولا علاقة لنا بالقتال الجاري. وكان منطقياً هنا أن يخاطب المندوب الصهيوني في الأمم المتحدة مندوبنا بأن تعالَ واجلس بجانبي لأننا كلانا متأذّيان من المقاومة. أما وزيرنا المنتدب الى مجلس الأمن فحدّث ولا حرج. تحدّث كأن لا مادة أساسية بين يديه، وكأن العدو لا يخرق القانون الدولي ولا يرتكب الجرائم، من جرائم الإبادة الجماعية الى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وقبلها وبعدها جريمة العدوان وتهديد السلم وجريمة إرهاب الدولة... وكأن لا مقاومة تلقّنه الدروس على أرض المعركة. فقط حجة واحدة كانت بين يدي الوزير البليغ، هي قابلية لبنان للانفجار، فراح يستجدي العاملين على تفجير لبنان كي لا يسمحوا بتفجيره! هو لم يحمل معه صور الدمار والقتل البشع، بل حمل معه محارم الكلينكس لمسح الدموع.
لقد تركت ديبلوماسيتنا مقولة مزوّرة تسري كالنار في الهشيم منذ بدء العدوان، مفادها أن المقاومة هي التي بدأت، كأن المقاومة شنّت حرباً على الكيان الصهيوني، فكان رده رد المهدَّد بوجوده والمدافع عن العالم الحرّ وعن الديموقراطية.
لم تتذكر ديبلوماسيتنا أياً من المبادئ البديهية في القانوني الدولي، كمبدأ التناسب في الرد العسكري الذي لا يسمح في حالتنا الحاضرة بأكثر من ردٍّ مساوٍ لأسر جنديين، ويمنع تجاوز ذلك الى تدمير بلد وقتل سكانه. هذا إذا كانت المقاومة هي البادئة، فكيف إذا كان عملها ردة فعل على استمرار حجز الأسرى اللبنانيين؟
ولم تتذكر ديبلوماسيتنا مبدأً بديهياً آخر هو مبدأ الضرورة في العمل العسكري بحيث لا يتم أي هجوم إذا لم يكن يهدف الى إضعاف العدو المقاتل مباشرة، وهو المبدأ الذي ضرب به العدو عرض الحائط فراح يقتل المدنيين من دون أن يكون لذلك أي ضرورة عسكرية، مستجيباً فقط لغريزته العنصرية. ولم تتذكر المبادئ الأساسية في الحرب البرية التي تمنع توجيه الهجمات على المدنيين، والمدن غير المحمية وأهداف ليست عسكرية.
لكل هذا كان كل ما حصل عليه لبنان، قراراً بوقف العمليات العسكرية مع أخذ العلم بمطالبه الأخرى، فيما كان وقف العمليات هذا حاجة ماسّة للجيش الصهيوني ولحكومته.
وبالمقابل حصل الطرف المهزوم والمرتكب لكل الجرائم الكفيلة بإحالته الى المحاكم الدولية والوطنية، على حق محاصرة لبنان ومقاومته وتجريده من كل عناصر قوته.
حقاً لقد كانت ديبلوماسيتنا عبئاً علينا.
* استاذ جامعي