لا تُطيق الأنظمة المستبدة (الملكي التقليدي منها والحديث "التقدمي") الاعتراض. هي لا تتردد في إسكات أصحابه بأقسى وأقصى الوسائل المتاحة وفي مقدمها القتل. هذا ينطبق بامتياز (بين أنظمة أُخرى)، اليوم والأمس وفي المستقبل بالتأكيد، على النظام السعودي الذي ما زال يجمع، إلى الطابع الاستبدادي، فرض صيغ من التخلف الاجتماعي والاستئثار السياسي لم يجاره فيها إلا نظام "طالبان" في أفغانستان، ونظام سلالة الـ"كيم" "الثورية" في جمهورية كوريا الشمالية (الديمقراطية!) اليوم.

لكن لاغتيال رجل الدين السعودي الشهيد نمر النمر سياقاً آخر أيضاً. هذا السياق، هو تحديداً، تصاعد الصراع الإقليمي (الذي لم تعد إسرائيل طرفاً مباشراً فيه!) بين محور أول تقوده الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومحور ثان، تحاول بلورته وتوطيده وتفعيله قيادة المملكة العربية السعودية.
كانت قيادة المملكة العربية السعودية تعوِّل على حكومات الولايات المتحدة الأميركية في دعم واستقرار حكمها، وفي الدفاع عن دورها ونفوذها ومصالحها، في مواجهة كل العواصف والتهديدات والمتغيرات الداخلية والخارجية. وكانت قيادة المملكة، تبصم للولايات المتحدة، في المقابل، على كل سياساتها ومشاريعها في المنطقة وحول العالم، حتى لو كان معظمها موجهاً ضد المصالح الفعلية للشعب السعودي نفسه ولكل الشعوب العربية بشكل عام.
تغيَّر الوضع كثيراً في السنوات الأخيرة. الولايات المتحدة انكفأت عن سياسات الغزو والاحتلال باستخدام القوة والتدخل العسكري "الوقائي". كان الثمن هائلاً. في المقابل تقدمت على امتداد العالم، وفي الشرق الأوسط خصوصاً (الذي شهد اندفاعة واشنطن و"إخفاقاتها" أيضاً) قوى منافسة على المستويات كافة: الاقتصادية والعسكرية والسياسية. كانت قيادة المملكة تراقب هذه التطورات وانعكاساتها، في المنطقة وعليها، بقلق بالغ. آخر خيباتها من السياسة الأميركية كان توقيع الاتفاق بين واشنطن (الدول الست) وطهران بشأن الملف النووي الإيراني. كادت المملكة تفقد صوابها و"اتزانها" التقليدي. كان ذلك الاتفاق بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير". بعد ذلك قررت قيادة المملكة أن تنزع أشواكها بيديها. اندفعت في محاولة بناء استراتيجية متكاملة لهذا الغرض (وإن بدأت وما زالت على شيء من التسرع والارتباك والتخبط حتى هذه اللحظة). صادف ذلك وفاة الملك عبد الله وانتقال العرش السعودي إلى أخيه سلمان. سرع ذلك في بلورة السياسات والقرارات والعلاقات والتحالفات الجديدة. جوهر هذه الاستراتيجية هو الانخراط المباشر في الصراع عبر: الانتقال من الدفاع إلى الهجوم بما في ذلك شن الحروب خارج أراضي المملكة (حرب اليمن). تصدر المواجهة وإقامة الأحلاف من أجل ذلك. تجاوز الحساسيات والمخاوف المؤجلة (من "الإخوان المسلمين" مثلاً) لحساب التركيز على الأخطار الداهمة وأولها الخطر الماثل في الداخل السعودي نفسه... الإنفاق بسخاء منقطع النظير على التسليح وللتأثير في سياسات بعض الدول الغربية والإقليمية (فرنسا ومصير السيسي مثلان). مواصلة سياسة عض الأصابع مع الخصوم بشأن أسعار النفط في لعبة خطيرة بدأت قيادة المملكة تدرك ضخامة انعكاساتها السلبية عليها وعلى شركائها الخليجيين بشكل خاص.
في امتداد ذلك قادت المملكة سياسة إعلامية نشيطة لجهة تحديد العدو دون مواربة (إيران)، وكشف أسباب الشكوى من سياساته (التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة). وهي اختبرت، ولا تزال، بناء تحالف ذي طابع سياسي مذهبي رداً على ما تعتبره منطلقات ووسائل مذهبية للنظام الإيراني في بناء أذرع له، على هذا الأساس، في البلدان المجاورة والمستهدفة، بغرض زعزعة أنظمة وإستقرار تلك البلدان، خصوصاً عبر العبث بالنسيج الاجتماعي وبالوحدة الوطنية فيها.
ينبغي في هذا السياق ملاحظة أن القيادة السعودية تحاول، بين أهداف أخرى، أن تدفع السياسات الإيرانية نحو ردود انفعالية ومتشددة. هي، من جهة، ما زالت تأمل في عرقلة تطبيع العلاقات الأميركية الإيرانية. وهي، من جهة ثانية، تحاول المساهمة في أن يتقدم "المتشددون" في إيران إلى الواجهة مجدداً، خصوصاً أن الانتخابات التشريعية الإيرانية على الأبواب (الشهر المقبل)، وأن مواقع من يوصفون بالتشدد قد تراجعت، نسبياً، لمصلحة الفريق والسياسات اللذين يمثلهما الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني.
بشكلٍ عام، تخوض قيادة المملكة مغامرة كبيرة بكلفتها وتبعاتها ونتائجها القريبة والبعيدة. هي تتصرف على أساس أنها قد استنفذت الخيارات الأخرى التي باتت، في المشهد الدولي والإقليمي والعربي الراهن، معدومة أو ما يشابه ذلك (خصوصا بعد تعاظم خطر الإرهاب وزئبقية وتبدلات الموقف الأميركي، وبعد الانخراط العسكري الروسي، السريع والحازم والفعال، في سوريا). الشهيد نمر باقر النمر هو ضحية هذا الانسداد كما هو ضحية الاستبداد. في المقابل، ليس في المتناول العربي الآن من أو ما يمكن أن يشكل طوق نجاة أو عامل احتواء للكارثة. ثمة أُمور أخرى أخطر من اغتيال معارضين أو زجهم في غياب الظلم والظلمات: ماذا عن قضايا العرب الكبرى! وهل بقي لديهم، أساساً، مثل تلك القضايا في خضم كابوسهم الطويل المتواصل دون رحمة؟ ماذا عن شعب فلسطين الذي يقاتل، منفرداً ومستفرداً، باللحم الحيّ؟ ماذا عن مآسي التدمير والتهجير والخراب والجوع والتشرد والهوان... التي تجتاح معظم دول عالمنا العربي وتزداد توسعاً وإيلاماً يوماً بعد يوم؟ ماذا عن الإرهاب والتطرف ومخاطرهما ووحشيتهما (يمكن دون أدنى شك افتراض أن الآتي أعظم طالما أن الحرب ضد الإرهاب ما زالت محدودة ومشوبة بأولويات أخرى، وطالما أن الإرهاب بات يدير دويلات ويتمتع بقدرات قد تمكنه من امتلاك أسلحة وأدوات إبادة وقتل شاملين...)؟

يعيش العالم العربي والإسلامي الآن بدايات فعلية لفتنة مخيفة يستعاد فيها الانقسام المذهبي خصوصاً ليشكل عامل تفرقة واقتتال وتنابذ شامل. يراقب المتربصون (المستعمرون والصهاينة) هذا الواقع بارتياح عظيم. يدير الأميركيون حروبنا "بالنظارات"، يراكمون الأرباح من كل نوع. لم يخسروا جندياً واحداً في "حروبهم" الجديدة. أما الصهاينة فلم يعد مستبعداً أن يتشكلوا في أحلاف وتجمعات عربية، وأن يتصدروا مسيرة الدفاع عن "الحقوق العربية" في صيغتها العجيبة الجديدة!

لا يجوز الاستسلام إزاء هذا المآل المرعب والمرشح للمزيد من التفاقم والتعقيد. لم يعد ذا معنى عملي، أو حتى أخلاقي، الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على الخصم المحلي الذي بات عدواً وأن قتاله بات ذا أولوية مطلقة. ثمة أشكال من الممارسات والتوجهات وصيغ التعبئة مما ينبغي تفحصه ودراسة نتائجه بعد أن تمَّ استخدامه كذريعة لإطلاق مرحلة مخيفة جديدة من استجلاب الفتنة أو الاندفاع فيها. لقد أصبحنا في مرحلة بات فيها السعي من أجل تحديد الخسائر وعدم المضي في الهاوية السحيقة الراهنة مسألة ذات أولوية. تحديد المسؤوليات لا يلغي التبعات إذا كان خطرها يتهدد الجميع وفي المقدمة قضايانا الأكثر مصيرية وحيوية.
قيادة مذعورة ومكابرة كالقيادة السعودية غير مؤهلة للاهتداء إلى المخارج أو حتى للسعي من أجلها. لا بد من التفتيش عن مقاربة جديدة للأزمات وللتعامل معها بما يسحب فتيل التفجير ويعطل المسار التدميري الراهن. نحن كمن في قطار يقوده سائقه نحو الهاوية برعونة وغضب ومن دون حسابات. الأولوية لوقف القطار لا للعن السائق المجنون والانتحاري! مسؤولية القوى الحريصة، في مسألة حصر الخسائر وتفادي أفدحها، لا تحتمل التأجيل.

* كاتب وسياسي لبناني