نجيب نصر الله


كثيرة هي المتغيرات التي أحدثتها حرب العدوان الاسرائيلي على لبنان. وسيلزم مرور بعض الوقت لتبيّن طبيعتها وحجمها الكبيرين.
ما كان قائماً قبل 12 تموز لم يعد هو نفسه. لا جدال في هذه الحقيقة، ويصعب تخيل العكس، فالزلزال الذي ضرب البلد كان قوياً وشاملاً. على أن أهم ما تجب ملاحظته جيداً، أن المتغيرات، التي أُريد لها أن تكون عاصفة، والأرجح أنها كانت كذلك، لم تكن في نتائجها، على السوية نفسها أو العمق نفسه. الواضح أن الخطاب السياسي، الذي كان معتمداً من جهة الفريق اللبناني العامل على تمتين الوثاق الأميركي من حول لبنان، هو الخطاب الوحيد الذي لم تنل منه أعاصير الشهر الفائت. ليس السبب صلابة هذا الخطاب وقوة حجته بالطبع، وإنما تهافت القائلين به وإصرارهم على المضي في معاكسة الوقائع ومعاندتها، والأمثلة عديدة. أحد الأمثلة المعبّرة عن ذلك، أن الاعتراف المعلن من أصحاب هذا الخطاب بالحاجة الى مقاربة جديدة للمسائل السياسية الداخلية، المختلف عليها، يتوازى مع رفض الإقرار بأن هذه المتغيرات ترتّب إحداث تعديلات جوهرية على البنية السياسية وخطابها، وخصوصاً لجهة واجب استبدال الحكومة الراهنة، بأخرى ذات طابع وطني، عابر للانقسامات الحزبية والطائفية الضيقة، مع ما يفرضه ذلك من ضرورة إشراك القوى والتيارات ذات التمثيل.
النظرة المدقّقة في طبيعة الكلام السياسي ونوعه، الذي يُقال هذه الأيام على ألسنة أقطاب هذا الفريق، تؤكد حقيقة أن هذا الكلام في جوهره العميق، ما زال ينتمي الى الزمن السابق على عدوان 12 تموز، وهي ميزة إضافية تنفرد بها قوى الغالبية النيابية والوزارية، عن غيرها من القوى، التي أجبرتها العاصفة الاسرائيلية على الارتقاء في خطابها السياسي، وملاحظة حجم التحديات المفروضة على البلد برمّته.
هذه الميزة الإضافية المحقّقة لا تقتصر على ازدياد الوضوح، بل تتعدّاه إلى ازدياد الجموح، وهو جموح يكاد يهدد الاجتماع اللبناني برمته، وخصوصاً أن نوعية المفردات السياسية المستخدمة تتجاهل الطبيعة الهشّة للبلد.
إن الإصرار البادي على إنكار فشل العدوان في تحقيق أهدافه أو تجاهله، أو التبخيس المتعمّد لنتائج الصمود الكبير الذي تحقّق وأسبابه، وهو العمود الفقري لسلسلة المواقف الصادرة عن قادة التيار «الأكثري» ورموزه، يستهدف في جوهره التعمية عن الفشل الاسرائيلي ــ الأميركي، الميداني والسياسي الموصوفين، في النيل من البلد. ومن شأن الإصرار على التعمية أن يقود الى إطاحة هذا المنجز اللبناني الأكيد. ربما كان المتغير الوحيد بالنسبة إلى هذا الفريق السياسي ينحصر في أنه قد طوّر في خطابه السياسي المعتمد، وانتقل من لغة الإيحاء والإشارة، الى لغة أكثر تقدماً، هي لغة الإعلان الصريح والمباشر. ولم يعد لدى قادة هذا الفريق أي حرج في كشف المستور من النوايا، التي يبدو أنها ليست بعيدة من التصورات الأميركية لمستقبل البلد. إحدى مشاكل هذا الفريق هي اعتباره أن إعلان المواقف الفاضحة السبيل الوحيد للقول إن ما قبل 12 تموز يختلف عما بعده.