سيرة حافلة


(م.ي) شاب لبناني من بلدة تنورين قُدّر له أن يخوض تجارب سياسية وعسكرية في سياق الحرب الاهلية. في بداية الثمانينيات، تملّكته غريزة العصبية الطائفية، شأنه في ذلك شأن أبناء جيله، من الموارنة، الذين استولت عليهم اطروحة الخوف على «أمن المجتمع المسيحي» من الأعداء المحليين والخارجيين، فحمل السلاح في صفوف حزب الكتائب ومن بعدها القوات اللبنانية. وقاده التزامه المسيحي الى المشاركة في حرب الجبل. ولم ينتبه (م) إثر بدء الانتفاضات داخل «القوات» الى تبدل وجهة البندقية، فبقي على حماسته واندفاعه حتى عام 1989.
ويوم نشبت المعارك بين الجيش و«القوات»، استقال من العمل العسكري والالتزام السياسي، وتزوج منصرفاً الى مهمة «نضالية» جديدة، اي بناء عائلة وسط ظروف معيشية في غاية الصعوبة، من دون أن يغادر اعتقاد الخوف المسيحي، مراقباً معادلة الغالب والمغلوب، غاضباً على سوريا وعلى كل الفرقاء السياسيين من دون استثناء. ولم يغفل مسؤولية القادة المسيحيين عمّا اصابهم ودفعه الى الاعتزال. وخلال الفترة منذ بداية التسعينيات، اصبح له عائلة من أربعة أبناء، كبيرهم في الرابعة عشرة من العمر وصغيرهم بضعة شهور.
وكان يتراءى لنا، نحن أصدقاءه، انه خلافاً لحالنا، قد تفلّت من كل هموم السياسة مركّزاً جهده على الواجب الأسري. وكان محط انتقادنا وتحريضنا الدائمين للعودة عن الاستقالة من «الواجب» الوطني، من دون أن يعبأ. لكن ما لم نستطع نحن تغييره في (م) استطاعت اسرائيل بسرعة قياسية، أن تحدثه في حياته.
فيوم نشبت الحرب الأخيرة لم نصدق ما نرى ونسمع من هذا المقاتل المسيحي الماروني العتيق، فمنذ اللحظة الأولى للحرب انتابته حماسة شديدة للسيد حسن نصر الله، أشبه بالعشق، حيث بات يرى فيه قائداً عملاقاً.
وبدأنا نسمع على لسانه ثقافة الغضب العارم والرفض الجذري للمشروع الصهيوني... «هؤلاء المجرمون صلبوا مسيحنا»، وكان يبكي إثر مشاهدته لكل مجزرة يرتكبها الجيش الاسرائيلي في لبنان، «لو كانوا رجالاً لواجهونا في الميدان، لكن عجزهم عن كسرنا يدفعهم للانتقام من اطفالنا ونسائنا»، وأصبحت نون الجماعة لسان حاله في التعبير عن اندماجه بالمقاومة.
وفي إحدى ليالي الغارات الإسرائيلية، حضر الى منزلي في بلدتنا، غاضباً، حزيناً ومستنفراً ثوب الاندفاع القتالي الذي يتحلى به أيام القتال. ولكن الوجهة هذه المرّة مختلفة تمام الاختلاف. فسألني: هل لك علاقة بحزب الله، فأجبت: لديّ أصدقاء منهم، فسألني مجدداً، هل يمكنك أن تصلني بأحد منهم؟ وهنا سألته: لماذا يا أخي، وماذا تريد؟ فأصرّ على اصطحابي الى منزله. ونزلنا الى قبو المنزل من دون أن تنتبه لنا عائلته، وهناك أراني بندقيته الرشاشة وجعبة الذخيرة، فكانت الأولى «مزيّتة» كأنها جديدة، أما الثانية فقد طُليت الكلمات العبرية عليها بحبر أزرق. ورأى (م) تعابير دهشتي قائلاً: «أنا جاهز» وأبغلني قراره بالذهاب الى الجنوب للمشاركة في القتال مع المقاومة.
عندها رحت أعقّد الأمر عليه، تارة أنفي قدرتي على مساعدته وتارة أخرى أبدي انشغالي عن الموضوع. وحيال إصراره لجأت الى تذكيره بأطفاله الاربعة، وبأنه أصبح يعيش حياة هانئة بعد التعب الطويل. فأجابني: «لا تخف، لقد دبّرت كل شيء، من الميراث الى بوليصة التأمين على الحياة»، ثم اضاف: «لقد سمعت بأن المقاومة تهتم بعوائل الشهداء»، وهنا شاهدت في عينيه بريقاً لم ألحظه طيلة معرفتي به خلال خمس وعشرين سنة. فوعدته بأن أبذل جهداً لتحقيق رغبته، لكنني عدت اليه في المساء زاعماً أن حزب الله رفض قبول طلبه، وقلت له بأنهم يتمنّون لو يحوّل جهده الى مساعدة النازحين، بانتظار الحاجة الى مشاركته العسكرية في أعمال المقاومة.
يوم صدور القرار 1701 صرخ (م) مبتهجاً «لقد انــــتــــصرنا» وشاهــــدته في الـــليلة الــــثانية يــــؤوب الى فــــراشه باكــــراً للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب.
انطون حرب