تهدف هذه الملاحظات المقتضبة الى المساهمة في النقاش الدائر حول مسألة الاغتراب ودور وعلاقة «المغتربين وطاقاتهم» مع لبنان الدولة والمجتمع، على اختلاف اسباب هذا الاغتراب وطبيعته على مرّ الأجيال منذ القرن التاسع.
أولاً: في اختيار المصطلحات من الضروري التشديد على ان الاغتراب اللبناني (كما السوري والعربي المشرقي على وجه العموم) ليس «شتاتاً»، لذا فإن عبارة «دياسبورا» (diaspora) ليست بالمصطلح الملائم لوصف عملية الهجرة التي طاولت الجسد الاجتماعي للمشرق العربي (اللبناني والسوري على وجه الخصوص) منذ مطلع القرن التاسع عشر، لدوافع اقتصادية وسياسية اساساً، عادت وارتأت دولتا لبنان وسوريا اعتبارها «اغتراباً» لأسباب تعود الى حاجة تمييزها عن حركات الهجرة العادية، بهدف إعادة بناء الصلة مع «أبناء المهجر» بصورة منتظمة بعد ان تحولت بصورة خاصة في لبنان حركة الهجرة إلى جزء عضوي من «الاقتصاد الوطني» منذ الخمسينيات من القرن المنصرم. وهو ما حمل الدولة اللبنانية على تسمية وزارة خارجيتها بوزارة «الخارجية والمغتربين».
ينتمي مصطلح «شتات» (diaspora) الى ثقافة وتاريخ لا علاقة لهما بتاريخ ومسببات «الهجرة ـ الاغتراب» المشرقية ومنها اللبنانية، والتي تجد جذورها في عملية الاهتزاز البنيوي التي اصابت المجتمعات المشرقية وتحديداً في سوريا ولبنان، واصابت اقتصادهما وعماراتهما الإنتاجية خلال القرن التاسع عشر تحت تأثير ومجريات الصراع بين بعض الدول الأوروبية التوسعية من جهة، والامبراطورية العثمانية السائرة الى التقوقع المضطرد على عنصرها التركي ـ الأناضولي في ثقافتها السياسية والإيديولوجية من جهة أخرى.

ثانياً: إن مفهوم «دياسبورا» يحمل في طيّاته مفاهيم الانطواء والانزواء والاستبعاد والتمييز (العنصري) والفَصْل والعَزْل، وهي كلها خاصيات لا علاقة لها بطبيعة الاندماج البشري الانساني لهذه الهجرة الاغترابية (رغم مشقّات المسار بالطبع) في المجتمعات التي احتضنتها.

ينتمي مصطلح «شتات» إلى ثقافة وتاريخ لا علاقة لهما بتاريخ ومسببات «الهجرة ــ الاغتراب» المشرقية

هذا بالاضافة الى كوْن الكلمة المذكورة تؤدي الى اشكال من التماهي مع حالات تاريخية مختلفة غير ملائمة على الإطلاق، بخاصة بعد ان صادرت الحركة الصهيونية تواريخ الجماعات اليهودية في شتاتها.
ثالثاً: إن استخدام مصطلح «لوبي» (lobby) هي بدوره غير ملائم. «اللوبي» في الأساس كتلة منظمة من الناس أو منظمة تمارس ضغطاً على السلطات العامة في دولة مُعيّنة من أجل تحقيق مصالحها الخاصة.
إن مصطلح «لوبي» يستحضر شحنة نَفْسيّة شديدة السلبية تؤدي مَفْعولاً عكسياً، كما لها صورة سيئة في المحافل الدولية حيث تنطوي، بحق أو غير حق، على معاني التأثير المُستتِرْ أو المُخجل أو الشائن.
رابعاً: أما الهجرة الاغترابية اللبنانية (كما المشرقية بصورة عامة) فتقع حقيقة وفي جوهرها بالذات على نقيض الرؤيا التي يحملها المصطلحان المذكوران. فلقد تميّزت الهجرة اللبنانية بالقدرة على الانفتاح والتأقلم وأدت الى اندماج دفعات المهاجرين في المجتمعات التي احتضنتهم، خصوصاً في أوروبا والأميركتين وفي بعض القارة الافريقية. وللهجرة الاغترابية في اميركا اللاتينية وضعية خاصة، إذ أصبحت (مع رديفتها السورية) عنصراً عضوياً راسخاً في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي لهذه الدول التي ساهمت في بنائها وتطويرها. ذلك أنها انتقلت اليها في مرحلة تاريخية مفصلية من تكوُّنِها، فأضحت عنصراً مؤسساً من شخصيتها الوطنية، كما هي الحال، على سبيل المثال، في الأرجنتين والبرازيل وغيرهما، حيث انغرست الاجيال المتحدرة من الهجرة الاغترابية في التاريخ والحياة المحلية والوطنية لهذه البلدان، مشاركة في إغنائها وذلك مع المحافظة على الذاكرة الحية لجذورها.
خامساً: تكمن هنا، في أعماق هذه العملية المركبة ثروة بنيوية مزدوجة، ويجدر «بلبنان المقيم» ان يكتشف طاقاتها الكامنة والمضمرة حتى اليوم. فإذا ما استطاع لبنان استنهاض القدرات المؤسساتية والتنظيمية في الدول والمجتمعات التي احتضنت الهجرة، وفي إطار برامج معقلنة وحكيمة تجمع بين طاقات الدول والمجتمعات، وبين القدرات العامة والتكتلات المهنية والانتاجية الخاصة، فسيستطيع إذ ذاك استعادة الروابط العميقة مع الهجرة الاغترابية.
وهي روابط أكثر صلابة وعمقاً وتجذراً من تلك التي قد تؤمنها «مجموعات ضغط» مفترضة خاضعة بطبيعتها بالذات الى تقلبات الاحوال والظروف.
سادساً: إن مُبادرة مركبة مبنية على هذه القواعد قادرة على إشراك الدول والمجتمعات المعنية في إطار برامج وتعاون وتنمية رأسية على أرض صلبة، من شأنها تجديد العلاقة بين «لبنان المقيم» و«لبنان الاغتراب» في إطار خطة استراتيجية تعتمد التدرج في المراحل وفق رؤية بعيدة المدى هدفها التواصل البنيوي المُعمّق بين الطرفين.
سابعاً: في إطار عملية مديدة قادرة على التوفيق والمصالحة بين انتماءاتهم المركبة (والتي بناها الزَمن) سيتمكن «لبنان الاغتراب» من نقل هذه الثروة النادرة المتمثلة بتجاربه المُعقدة ومعارفه ومهاراته في مجالات مختلفة ومتكاملة في الاقتصاد والصناعة والزراعة والابحاث والتنمية (الخ) الى «لبنان المقيم». كما ستتمكن هذه القدرات من التشابك والانضمام الى طاقاتنا الوطنية المنظمة في حال انتظمت هذه العملية في هيكل رؤية استراتيجية تجمع، وفق قواعد عقلانية، بينها وبين قطاعات الانتاج الاقتصادي المحررة من خللها البنيوي.
ثامناً: ان مساراً ومنهجاً كهذين، من شأنهما حمل شروط الاغناء للبنان، كما لبلدان ومجتمعات الاغتراب على حد سواء. هذا بالاضافة الى الدور البناء الذي سيتمكن لبنان من لعبه في محيطه المشرقي المباشر، كما في إرساء قواعد سليمة وراسخة لتطوير وتنمية العلاقات المسماة «جنوبية ـ جنوبية» والمقبلة على مرحلة جديدة من النمو.
تاسعاً: في مطلع تسعينيات القرن المنصرم حمل كاتب هذه السطور مشروع تنمية وطنية شاملة منفتحة على الاقليم وبلدان «الاغتراب» في آن، مشروع مبني على تطوير الطاقات البحثية العلمية والقطاعات الانتاجية الوطنية وفق اسس تربط ما بين القدرات العلمية المعرفية (المتبقية) في «لبنان المقيم» وقدرات «لبنان المغترب» وفق قواعد عمل توخّت تجنب إضافة عدم الاستقرار الناجم عن الاغتراب الحديث العهد إلى خيبة عودة الى الوطن خالية من آفاق مستقبلية حقيقية.
فهل ينجح لبنان في صياغة (وتنفيذ) مشروع وطني قادر على بناء وتجديد العلاقة بين «جناحيه» كما يحلو للبعض التغني به، أم يبقى غارقاً في استهلاك «فخفخات» حداثة مزيّفة يستهلك قشارها فيما تفلت من يديه باطراد شروط انتاجها واستدامتها؟
* أستاذ جامعي وعالم اجتماع