تعرّف النيوليربالية - الليبرالية الجديدة - على أنها نمطٌ من التفكير الاقتصادي يعوّل على آليات الرساميل الخاصة والسوق الحرة، الذي تتبناه الدولة من خلال معالجة الخلل السوقي الذي ينتج عن تدخلها في العملية الاقتصادية. فمثلاً، إن كان «التدخل» سابقاً هو على صورة دعم أو خدمات للمواطنين، فعلى الدولة الآن أن تتدخل من خلال القطاع الخاص حتّى تباع هذه المنتجات بسعرها السوقي، وإن كانت مرافق الدولة تُدار من قبلها مباشرة في السابق، فعليها أن تطرحها بسعرها «الحر» من خلال شركات القطاع الخاص، وللسوق أن تحدد الأكفأ من خلال المنافسة الحرة لتقديم منتج أحسن وبسعر أقل.

ظهرت هذه الأيديولوجية في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن تحررت الدول من التزاماتها الاجتماعية الاشتراكية، وتسارع انتشار النيوليبرالية إثر سقوط الاتحاد السوفياتي الذي كان يمثّل نموذجاً للعدالة الاجتماعية يتنافى بالكامل تماماً مع أيديولوجية الغرب، خاصةً أنه كان يقدم على الدوام نقداً لاذعاً لعدد ساعات العمل في الغرب والضغوط العائلية التي كانت تُمارس على العائلة الغربية في ظل رأسمالية توغلت في كل أركان المجتمع، وتراجع مكاسب الطبقة العاملة التي تحققت أوائل القرن العشرين: حد أقصى لساعات للعمل، تأمين صحي، حق التفاوض الجماعي، سكن قريب من موقع العمل إلخ... أي أن هذه المكاسب التي سمحت بتفكيك نظام الإقطاع وصعود رأسمالية السوق لم يعد أصحاب رؤوس الأموال في حاجةٍ اليها بعد انقراض الإقطاع، والتحول الكامل نحو الرأسمالية، ونهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة الاتحاد السوفياتي، فتم التخلي عنهما مقابل مزيد من الاستغلال المكشوف.
على الرغم من عدم إمكانية عقد مقارنة تاريخية تشرح دخول النيوليبرالية الى العالم العربي عبر السردية أعلاه، لأننا لم نمر بمثل هذه التحولات التاريخية، إلا أنه يمكنا أن نستنبط عدة تحولات مهمة في مصر والعالم العربي بعد 2011 من طبيعة مشابهة، حين ظهر نوع جديد من الايديولوجية الاقتصادية - كما حصل في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية وقرب نهاية الحرب الباردة - وكان أهم هذه التحولات هي «المساعدات» العربية التي كانت تُعطى لمصر في فترة من الفترات بموجب تفاهمات سياسية للمنطقة العربية، مثل الوقوف في وجه إسرائيل - على الأقل قولاً - واعتبار مصر جيش الأمة العربية، مثلما حدث في حرب العراق والكويت عندما تم تهديد السعودية وغزو الكويت.

■ ■ ■


لعلّ حادثة تغطية تمثال إبراهيم باشا - قائد الحملة العسكرية التي هزمت الدولة السعودية الأولى عام 1818 - أثناء زيارة الملك سلمان لمصر كانت أفضل تعبيرٍ عن المرحلة الجديدة. أصبحت السعودية تتعامل أكثر فأكثر من منطلق «لا وجبات مجانية بعد اليوم»، وتم تقليص العمالة المصرية في الخليج، وبدلاً من وجود منح دولارية مباشرة لمصر أصبحت تلك المعونة على صورة قروض، وأصبح للمستثمر السعودي قنوات إعلامية تحميه بعد صدور أحكام قضائية تبطل عقود استثماراته التي كانت تخصص بالأمر المباشر. فتلك الاستثمارات كانت أشبه بالامتيازات الأجنبية في عصر الملكية المصرية. ومن هنا جاء قانون تحصين العقود ليسلب سلطة الشعب في الطعن بعقود الاستثمار التي تذكّر بالامتيازات الأجنبية أثناء الاحتلال الإنكليزي (قانون 32 لسنة 2014)، الأمر الذي ينظر فيه الآن في المحكمة الدستورية العليا لوجود دفعٍ في عدم دستوريته.
ولكن نفوذ السعودية الإعلامي في مصر ليس تطوراً جديداً فحسب، بل هو علاقة تقلب موازين التاريخ بعد أن كانت إذاعة صوت العرب تسبب كابوساً للسعودية، حتى أن مجموعة من الأمراء السعوديين تأثرت بأفكار الإذاعة وقررت السفر إلى مصر والتخطيط لعصر ما بعد مملكة آل سعود، وأطلقوا على نفسهم اسم «الأمراء الأحرار»، متمسكين بالوحدة العربية على غرار الضباط الأحرار.
المفارقة الآن هي في تبنّي حكام السعودية لمشروعٍ يقولون إنه يدفع نحو الوحدة العربية ويحقق «الحلم العربي»، على عكس سلوك المملكة في الخمسينيات والستينيات. وهو جسر يربط بين السعودية ومصر، وقد تم في إطاره إبرام اتفاقية ترسيم حدود مصر البحرية مع السعودية التي أعادت جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية رغم كونهما تحت السيادة المصرية منذ 1950- بطلب من السعودية لأنها لم تكن تمتلك القدرة على السيطرة على الجزر. يختزل الجدل حول الجزيرتين والكوبري المزمع إنشاؤه (رغم الحاجة الى بناء أعمدة في عرض البحر في مناطق محمية بيئية) التنافر بين معسكرين. أولهما يطالب بتعاون وتقارب مع السعودية تحت لواء الوحدة العربية، متناسين أن السعودية هي - تاريخياً - ألد أعداء الوحدة العربية منذ أيام عبد الناصر، فكيف إذاً يتم التخلي - تحت راية الوحدة العربية - عن أرضٍ لمن عادى فكرة الوحدة العربية بشراسة، بل مقابل مزيد من الدولارات؟ أما الجانب الآخر، فهو مَن يرفع لواء نمطٍ من القومية المصرية الشوفينية، ويشحن الشارع عبر التعبئة تحت راية الدفاع عن الوطن، محذرين من الغزو السعودي السياحي وما قد يحمله من سيئات أخلاقية (كأن السعوديين لا يمكنهم توفير ثمن تذكرة طيران). للوهلة الأولى، قد يبدو المعسكران على اختلاف، ولكن الاثنين يشكلان جزءاً لا يتجزأ من خطاب صهيوني يسود في السنوات الماضية: لا بأس من «تعاون عربي» طالما انه في سبيل تمرير أهداف إسرائيلية بدلاً من الوقوف أمام مشروع إسرائيل، ولا بأس أيضاً من خطاب قومي يدّعي الدفاع عن أرض مصر، ما لم يتطرق لمن كان يُعتبر في الماضي القريب أكبر مُغتصب للأراضي العربية: إسرائيل.
نفوذ السعودية الإعلامي في مصر يقلب موازين التاريخ

الحقيقة هي أن اختزال النقاش ضمن هذه الثنائية يصبّ في مصلحة إسرائيل تماماً ويؤجج الفجوة التاريخية للذاكرة العربية، لأن فكرة الكوبري بين مصر والسعودية كانت في الأساس اقتراحاً من الولايات المتحدة في عهد كينيدي. ليس ذلك فقط، فالكوبري يؤدي وظيفة مهمة وهي مسح قضية قرية أم الرشراش من الذاكرة العربية التي تمّ احتلالها عام 1949 بعد هدنة مصر مع الكيان الصهيوني في 1948، حين كانت مصر تحت الحكم الملكي المدعوم من إنكلترا، وعندما كان الجيش الأردني (كان اسمه حينئذ الفيلق العربي) يترأسه الإنكليزي جون باجوت غلوب. وقد عُرف في ما بعد بأن تمركزات الفيلق العربي التي أقرتها خطة حرب غلوب كانت - لسببٍ مريب - تتبنى خطوط دفاع بعيدة عن مسرح العمليات، لكون المناطق القريبة من خطوط التماس «صعبة التأمين»، فسُمح للجيش الصهيوني بأن يتوغل بسهولة في الأراضي الفلسطينية. فكان احتلال قرية أم الرشراش في 1949 تحصيل حاصل بعد نكبة 1948، فتلك القرية كانت تسمح بطريق بري يصل مصر بالعقبة الأردنية ثم السعودية، وهو المقترح الملائم لتحقيق وحدة عربية حقيقية، ويبقى الكوبري مخططاً أميركياً صهيونياً يفرغ مفهوم العروبة من أي مضمون.
ففي التقرير المهم حول قرية أم الرشراش بقلم رشا عبيد نتذكر بأن السادات كانت أولويته استرجاع طابا ثم أم الرشراش، أما مبارك فتناسى ذلك تماماً مع أنه أعلن في جريدة العربي عام 1996 «صباح الخير يا مصر»، بمناسبة أعياد تحرير سيناء عام 1997، أن أم الرشراش مصرية.

■ ■ ■


فإذا كانت الدول في الغرب قد تحررت من التزماتها الاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية وقرب نهاية الحرب الباردة مقابل مزيد من الاستغلال الرأسمالي، فقد جرت في مصر عملية تحول مشابهة بعد وصول حكومة موالية للسعودية لسدة الحكم في منذ يوليو 2013 ويونيو 2014. قبل يوليو 2013، كانت السعودية ما زالت تقدم دعماً لمصر في صورة تفاهمات ما بعد كامب ديفيد وحرب العراق، وكان ذلك تقريباً من دون مقابل يُذكر، لا سيما بعد بطلان عمليات الخصخصة التي كان جزء غير ضئيل من مستثمريها من الخليجيين. أما بعد وصول حكومة موالية للسعودية الى الحكم في مصر، فيتحقق كلام أحد مستثمريها بأنه من الآن فصاعداً «لن تكون هناك أموال سعودية مجانية» (رويترز، 8 أبريل 2016). ولكن ربما تكمن خصوصية المرحلة في كون حكام السعودية الآن مستعدين لتبني خطاب «عروبة» مبني على عدو جديد على الساحة - يتصادف كونه أيضاً عدو للولايات المتحدة - (إيران)، وكون السعودية مستعدة لنوع من التعاون العربي على عكس عقودٍ ماضية، ولكن هذا «التعاون» مبني على التدخل في سوريا واليمن. الفارق الأساسي هو أن هذا النوع من العروبة هو من الصنف الذي لا يتكلم عن مقاطعة منتجات إسرائيل أو تعاون عسكري ضدها، بل هو تعاون عربي عسكري من النوع الذي ينفذ أجندة الولايات المتحدة في محاصرة إيران، والتخلي عن فلسطين - خصوصاً غزة - والاستمرار في مشاريع تربط مصر والسعودية بجسر مباشر من دون التطرق للطريق البري الذي كان سيربط مصر والأردن والسعودية لولا الاحتلال. وقد كان رفض عبد الناصر لمقترح الكوبري من هذا المنطلق، حين قال: «كيف نستبدل أرضنا بكوبري ممكن أن تنسفه إسرائيل في أي وقت ولأي سبب؟».
* طالب دكتوراه في دراسات الشرق الأوسط في جامعة كولومبيا ــ نيويورك