السلطنة العثمانية الدينية

تاريخياً، وقعت سوراقيا تحت الهيمنة العثمانية لمدة خمسة قرون، حكمت فيها هذه الاخيرة عبر نظام تيوقراطي يقسّم السكان بناء على ملّتهم وطائفتهم لا بناء على تواجدهم الجغرافي. فالسلطنة العثمانية اعتبرت نفسها ممثلة للدولة الاسلامية السنية ولمبدأ الخلافة، ما سمح لرجال الدين من مختلف الملل بالسيطرة على مصيرها؛ وهم لا يزالون يسيطرون بعد مرور أكثر من قرن على زوال الامبراطورية العثمانية، عبر قوانين الاحوال الشخصية، وعبر الاستحواذ على القضاء وعلى التشريع، وعلى مجمل مؤسسات المجتمع من مدرسة، ومشفى، وجمعيات خيرية، ودور عجزة.
والمؤسف أن كيانات سوراقيا لا تزال تخضع، كما دول العالم العربي قاطبة، لمبدأ الطوائف الديني وترفض مبدأ المواطنة، وهي ما تزال تعتبر السكان «رعايا» كما تُظهر جميع الاستمارات والاوراق القانونية التي نوقعها حين نغادر أي كيان من كيانات سوراقيا أو حتى الدول العربية الاخرى، و«الرعية» لا صلاحية لديها، ولا يحق لها تقرير مصيرها، وهي مفعول به وليست فاعلاً، ويوضح المرادف الانكليزي لكلمة الرعية هذا الوضع تماماً: (patronage, custody, guardianship)، فنُعامل وكأننا قُصّر، لا نزال تحت سن الرشد.
تنخر كيانات سوراقيا المشاحنات الطائفية الدينية والعرقية، ولا امكان لتغيير انطلاقاً من القاعدة الشعبية، فهي غير موجودة، ولا نظرة موحّدة لديها حول من هو الخصم أو العدو، ومن هو الصديق، فالخصومة والصداقة مرتهنة لحساب مصالح الملة.
انطلاقاً من رؤيته الدينية يرفض الوهابي كما السلفي مفهوم الدولة القومية ومفهوم المواطن، ومفهوم المساواة والاخاء ضمن حيّز جغرافي واحد يجمع ويوحد، ويستبدلها بإخاء ومؤازرة السلفيين الآخرين بمعزل عن هوياتهم القومية. هكذا لا يرى السلفي السوري أي غضاضة في دعوة الأجنبي لنصرته على أساس انتمائه الطائفي؛ وما يُعتبر خيانة من منظور الدولة الوطنية/ القومية، هو تعامل طبيعي وبديهي للمؤمن بالرباط الديني دون سواه.
فأولوية الرابط القومي على الرابط الديني يعني الزامياً الولوج في فضاء الحداثة والدولة الحديثة التي تبني مؤسساتها على التشريع العقلاني المواكب لتطور المجتمع الذي يدين للدولة القومية بولائه قبل أي انتماء آخر.

تدخّل الجيش في الأمور السياسية يجب أن يكون ظرفياً ومؤقتاً

نشطت مع نهاية الحرب العالمية الثانية الاحزاب الوطنية/ القومية في كل أنحاء كيانات سوراقيا، وأخذ السكان يتطلعون إلى هذه الأحزاب على أنّها المعبر للوصول الى الدولة العلمانية الحديثة التي ستفصل بين الامور الدينية وأمور الدولة. وساهم في هذا المنحى انتشار التيار اليساري بدعم من الاتحاد السوفياتي.
استطاع حزب البعث في سورية والعراق من الوصول إلى السلطة عبر الجيش، كما تبوّأ الجيش السلطة أيضاً في مصر وليبيا والجزائر باسم القومية العربية. ذروة التيار الوطني/ القومي العلماني اذاً، حصلت حين كان الجيش ممسكاً بزمام الأمور. ومن اللافت للنظر أنه بالرغم من أن النظام في لبنان لم يتبع نظاماً عسكرياً إلا أنّه لم يقم بتطوير نفسه، وبقي سائراً على خطى النظام الطائفي العثماني مع قلب التراتبية من سنّي إلى ماروني عام 1943، ثم سني مرة أخرى مع نهاية الحرب الاهلية وتوقيع اتفاق الطائف، أي الدستور الجديد. بقاء لبنان في حال الطائفية السياسية يظهر أن «الديكتاتورية» ليست السبب في الغاء «الديمقراطية»، بل ثمة اسباب مجتمعية لذلك مردّها أن المجتمع يقوده رجال دين، هم بمثابة أوليغارشية لن تتنازل عن نفوذها لصالح الشعب والمواطنة. لم يتوحد الجيش في لبنان الا بعد نهاية الحرب الأهلية حين صمم رئيس الجمهورية السابق العماد اميل لحود دمج الالوية ونزع الصفة الطائفية عنها.
التحول من نظام الدولة الدينية الاسلامية الى الدولة القومية تزامن في تركيا مع انهيار السلطنة العثمانية، حين اعتمد أتاتورك على الجيش التركي الذي بُني على أسس قومية لتحويل تركيا بالقوة من مجتمع يهيمن على قراراته رجال دين الى مجتمع يؤازر دعائم التشريع والقضاء المدنيين، ويقطع مع ماضي الدولة الدينية قطعاً تاماً والزامياً. استطاع أتاتورك أن ينفذ خطته لأن العثمانيين الأتراك بادروا إلى تحديث الجيش بعد هزائمهم المتتالية أمام الغرب وروسيا، فتم الغاء الجيش الانكشاري في القرن التاسع عشر، وحلّ مكانه جيش تركي ولاؤه للوطن.
هذا يعني أنّ عملية التغيير في تركيا نُفذت من قبل البنى الفوقية لا البنى التحتية كما حصل إبّان الثورة الفرنسية، أي أن التغيير لم يحصل طبقاً للنموذج الديمقراطي، وذلك لاختلاف الوضعين. ففي فرنسا، ومن بعدها في جميع الدول الأوروبية، قاد المجتمع القومي العلماني الثورة وأسقط نخبة ارستقراطية تحكم الشعب باسم الدين. لهذا السبب لا نستطيع اسقاط المقاييس الغربية على تجربتنا لأن تجربتنا التاريخية مناقضة للتطور الغربي. هناك المجتمع أسقط النخبة الحاكمة المؤلفة من الارستقراطية ورجال الدين؛ هنا، كما في تركيا، المجتمع مقسّم مِلِّيا، بينما الجيش هو العامل الموحِّد لأنه يستقطب جنوده من كل الفئات والاديان والطوائف والاعراق الموجودة على أرض الوطن.
بعد أن تبوأ السلطة حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان، واقصاء الجيش جانباً، نشاهد تحولاً ورجوعاً الى الاسلام السياسي، فرئيس البرلمان التركي اسماعيل كهرمان يطالب بتغيير الدستور ليصبح «دينياً»، فتركيا كما يقول بلد مسلم، والعلمانية لا يجب أن تكون جزءاً منه، كما أن العديد من الحريات العامة والخاصة تم الغاؤها باسم الشرع الاسلامي السني.
ينعت الاعلام الغربي الحكم العسكري بالاستبدادي أو الديكتاتوري، لكنه حين يفعل ذلك فإنما ينطلق من مقارنته مع مجتمع ديمقراطي موجود فعلياً وناشط على أرض الواقع، فهل هذا هو الوضع عندنا؟
تطورت الدولة القومية والديمقراطية في الغرب حيث يُفترض بالقرار أن يكون للشعب لا للفرد كما في النظام الملكي، أو للأوليغارشية، أو للتيوقراطية. المشكلة أن لا سوراقيا، ولا الدول العربية الاخرى نجحت في ارساء ارادة الشعب فوق كل اعتبار، لأن رجال الدين هم الذين يتحكمون بالمجتمعات العربية باسم الشرع الالهي، ما يعني أن الغاء الديكتاتورية كما يطالب الغرب، لا يوصلنا إلى الديمقراطية بل إلى التقسيم الطائفي، وإلى الغاء الدولة الوطنية/ القومية، كما جرى في العراق حين احتلت الولايات المتحدة الاميركية هذا البلد وأزاحت «الديكتاتور» باسم الحرية والديمقراطية، فماذا كانت النتيجة؟ الأمر نفسه ماثل أمام أعيننا في ليبيا التي تفتت الى عشائر وقبائل لانعدام الوحدة الوطنية؛ أما في سورية فإن صمود جيشها هو الذي منعها من الانقسام الى إمارات دينية وعرقية حتى اللحظة.
لعبت الجيوش العربية في العراق وسورية ومصر والجزائر وليبيا دوراً رائداً في قيادة هذه الدول مع نهاية الاستعمار الكلاسيكي، كما أنها لعبت دوراً تحديثياً بالرغم من خطاياها المتعددة، وليس أدل من ذلك البدائل التي عشناها تحت شعار الربيع العربي. فهل تحولت مصر الى الحداثة والديمقراطية مع مرسي؟ أو تونس الاخوانية، أو ليبيا، أو الدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام الداعشية؟ أو عُدنا القهقرى قروناً الى الوراء استبداداً وتخلفاً وتوحشاً؟
إن تدخّل الجيش في السياسة منافٍ للمبدأ الديمقراطي، لكن فتاوى رجال الدين التي تتحكم بالمجتمعات العربية هي أيضاً منافية للارادة الشعبية. لا نستطيع الحديث عن ديمقراطية ضمن مجتمعات هدفها إقامة دولة دينية ترفض المساواة بين المواطنين بناء على أفضلية مذهب أو ملة على أخرى، ومن ثم تدمر المجتمع عبر الغاء الآخرين الذين لا ينتمون الى هذه الطائفة أو تلك، فسيطرة الجيش هي اللاصق الوحيد للدولة الوطنية في هذه المرحلة من تاريخنا بسبب لا وحدة المجتمع، المنفصم طائفياً، لذلك يُطرح انشاء مجلس عسكري يتبوأ السلطة بشكل مؤقت كحل لتسوية الوضع في سورية وانهاء الحرب، وذلك للحفاظ على سورية لا طائفية.
تدخّل الجيش في الامور السياسية يجب أن يكون ظرفياً ومؤقتاً ولأسباب خارجة عن المسار الطبيعي، الا أنه لا يستطيع أن يتصدى للعوامل الخارجية والداخلية معاً لفترة طويلة، لذلك يقع على عاتق الفئة المثقفة ومؤسسات الدولة مهمة نقل المجتمع من حالته الطائفية الى المواطنة عبر المدرسة وبرامج التربية الوطنية، وعبر الاعلام، والتشريع، واشراك الجميع في النشاطات التي يقوم بها المجتمع والتي تهدف الى وحدته لا تشتيته.
أولوية الحفاظ على وحدة الوطن على حساب الديمقراطية تجلى في قرار الادارة الاميركية في ستينيات القرن الماضي حين طلبت من الجيش الاميركي العمل على إلغاء التمييز العنصري بين «السود» و«البيض» بالقوة، لأن غالبية الشعب رفضت الاندماج. فلو أن أميركا تمسكت آنذاك بالديمقراطية والحرية، كما تريدنا أن نفعل الآن، لتحولت الى مسرح حروب أهلية دمرتها. اضطُرت الادارة الاميركية الطلب من الجيش قمع أي محاولة شعبية ترفض الدمج في الساحات العامة والجامعات والمدارس، لأن الوحدة الوطنية هي أساس البنيان القومي، ومنها يندرج المبدأ الديمقراطي الذي ينص على مبدأ المساواة بين المواطنين دون تمييز أو محاباة.

بين الدولة واللادولة

الحرب الدائرة اليوم ليست بين الديكتاتورية والديمقراطية كما تشيع الولايات المتحدة الاميركية، انها حرب كاسحة، شاملة بين الدولة العلمانية والدولة الدينية. هذه هي حرب الربيع العربي الآخذ بالانتشار منذ خمس سنوات، أي أن سوراقيا تواجه منذ أكثر من مئة عام التحدي نفسه الذي لم تستطع أن تتفوق عليه كلياً، فإما ان يحكم الجيش وهو أقرب الى العلمانية والى فصل الدين عن الدولة، أو تسود الكيانات الطائفية والعرقية. ولقد آزر التيار السلفي الوهابي الذي صدّرته السعودية، عودة الدولة الدينية ورفض رفضاً قاطعاً العلمانية أو فصل الدين عن الدولة، فهو يريد دولة يحكمها الشرع الاسلامي بناء على المذهب الوهابي.
ولا يشذ عن طلب الدولة الاسلامية الاخوان المسلمون أو «المسلمون المعتدلون» كمعاذ الخطيب، الذي أعلن صراحة لا شرعية النظام العلماني، ورفض إدخال كلمة «ديمقراطية» في بياناته. هو ومسلموه المعتدلون يريدون حكماً دينياً، ما يعني حرباً أهلية لا نهاية لها، لأن سورية مكوّنة من طوائف وملل مختلفة.
وما يزيد في الامر تعقيداً أنّ السلفية كما الاخوان المسلمين لا ينظرون فقط الى مجموعهم عبر المنظار الديني، بل ينظرون الى العالم الخارجي نفس هذه النظرة أيضاً، وينسبون قرارات الغرب السياسية والاقتصادية والاجتماعية الى أسباب دينية، بدلاً من مواجهتها بشكل علمي ومنهجي على أساس تطاحن المصالح القومية، فيُسقطون على الآخرين نظرتهم القروسطية للأمور، وينتج عن تلك النظرة البدائية، الساذجة والمتخلفة، ردات فعل لا عقلانية ولا واقعية تجاه الاحداث العالمية، ما يؤدي الى مزيد من السيطرة والهيمنة للدول الغربية.
أما البديل عن الديمقراطية بالنسبة للتيار الديني السني فهو هيمنته باسم «الاكثرية» الدينية على «الاقليات» الدينية الاخرى. ونسمع العديد من السياسيين المرموقين في سورية ولبنان والعراق يدافعون عن هذا الطرح غير آبهين بالنتائج الكارثية عليهم وعلى غيرهم، وبالمحتوى العنصري الرافض للآخر الذي يحيا معه على الارض ذاتها. ولقد وصل بهم الحد إلى اعتبار هيمنة المذهب السني هو الديمقراطية بعينها على أساس أنهم يمثلون «الغالبية». فهل سألوا انفسهم يوماً عن أي «اكثرية» نتكلم؟
«الاكثرية» و«الاقلية» في المجتمعات الديمقراطية تتمحور حول البرامج السياسية وحصول أكثرية الاصوات لمشروع، وأقلية اصوات لمشروع آخر. والاكثرية والاقلية لا علاقة لها لا بالعرق ولا بالطائفة أو الدين أو بالذكورية والنسوية. هكذا تتقدم الأمم عبر تطبيق برنامج حظي على الأكثرية الشعبية الى برنامج آخر، أما نظريات الأكثرية والأقلية الدينية واقحامها في المصير الوطني فهي لا تؤدي إلا إلى حروب أهلية تقضي على الجميع.
لم يكن هدف ما سمي بالربيع العربي استبدال الاستبداد والديكتاتورية بأنظمة ديمقراطية، فلو كان ذلك صحيحاً لتوجب البدء بالممالك والعروش والامارات التي تقبع في زمن ما قبل الديكتاتوريات. فالانظمة الملكية التسلطية والامارات التي تحكم باسم الله، وحيث الملك ظل الله لا يسمح بمحاكمته أو لمسه أو انتقاده، هذه الانظمة تهاوت في الغرب منذ قرنين ونيف لصالح سلطة الشعب وسيادة الشعب على أرضه ووطنه. فالديمقراطية لا تُبنى على قوانين دينية، بل على قوانين وضعية يقررها الشعب لأنه مصدر السلطات الوحيد. المعارضات في سورية تحولت الى تنظيمات مسلحة تحكم المناطق التي سيطرت عليها باسم الدين الوهابي المتطرف أو الاخواني، وبالتالي لا تمثل مبدأ «سيادة الشعب»، بل مبدأ «سيادة الدين التكفيري» على الشعب. ولعبت وسائل الاعلام العربية والتي في غالبيتها مرتهنة مالياً للمالك والامارات الخليجية دوراً كبيراً في اثارة موضوع الديمقراطية وحقوق الانسان، وكذلك فعلت وسائل الاعلام الغربية التي ظلت تضلل القارئ لسنوات عديدة.
ومن الملفت للنظر أن الاهداف الاميركية في القرن الواحد والعشرين تمحورت على القضاء على الجيش الوطني في سوريا والعراق، وبالتالي إنهاء حكم أنظمة علمانية تفصل بين الدين والدولة.
وبخلاف التجربة العسكرية لأتاتورك في تركيا، لم تهتم الجيوش العربية في تحديث مجتمعاتها بشكل جذري، وما زاد في الامر سوءاً تفوّق «إسرائيل» ودحرها للجيوش العربية عام 1967، والدخول في مساومات مع العدو، وانحسار التيارين اليساري والقومي واستبدالهما بتحزبات دينية متشددة ومتزمتة، توّلت المملكة السعودية نشرها عبر بناء المساجد وإقامة المدارس الدينية التي تدعو إلى ممارسة الطقوس الوهابية المتطرفة. لقد تغيّرت مجتمعات المشرق العربي من جراء ذلك، فمن منا لا يذكر أن ستينيات القرن الماضي مثلت انفتاحاً كبيراً وحرية شخصية خاصة بالنسبة للمرأة نفتقدها اليوم. كم من المواضيع لا تجرؤ وسائل الاعلام على مناقشتها؟
السبب الآخر لتراجع التيار العلماني الوطني هو هجرة الأدمغة، فإما يغادر المثقفون الى الغرب، أو تذهب النخبة المتعلمة الشابة الى الخليج لاسباب اقتصادية، وبعد عودتها إلى بلدها الام تنشر المذهب الوهابي بين أقرانها وأولادها. كما أن السعودية مدت نفوذها على مجمل الاراضي العربية عبر الرشاوى والضغوط والدعم الاميركي لها. وخضعت الانظمة العربية بما فيها كيانات سوراقيا، وتحولت المدارس الرسمية من تعليم التربية الوطنية الى التعليم الديني، وهذا الاخير يديره إما سلفيون أو اخوانيون، يزرعون الكره والمقت والتعصب الاعمى بين مواطني البلد الواحد. وها نحن بعد ثلاثين عاماً من تلقين الايديولوجية الوهابية نحصد حروباً أهلية لا حل لها الا بالعودة الى فصل الدين عن مؤسسات الدولة ونبذ الاسلام السياسي.
يأكل الارهاب التكفيري الوهابي السلفي أبناء سوراقيا بالذات. هذا الارهاب الذي يتكلم بلغة عربية لا أعجمية، تسلّطه دول عربية تعيش في ثنايا التاريخ، تسلّطه كالطاعون فتتحلل حضارة سوراقيا التي هي مزيج قوس قزح رائع تشكل من الوان حضارات وأديان عديدة، بدءاً من بابل وسومر، بدءاً بالاحتفاء بالآخر المختلف، المتواجد على أرضنا نكرمه، وتُكرّمه كاهنات المعبد كما تذكر ملحمة «جلجامش»، فيصبح واحد منا. حضارة احترمت المرأة ونصبتها ملكة، فيما افلاطون وضعها في أدنى مرتبة.
العلمانية تعني قبول واحترام التنوع ضمن الوطن الواحد، وتعني انشاء مؤسسات عامة تقوم على مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي، وتقوم على قوانين عقلانية وضعية تجد حلولاً للتحديات التي يواجهها المجتمع؛ وتعني حرية الفرد في اختيار عقيدته ومبادئه ومكان اقامته من دون قمع من الآخر الذي يشاركه الوطن، وتعني أيضاً أن للمواطن الحق في تقرير مصيره ومصير أمته، لا أن يكون تابعاً لعنصرية طائفية هدامة لن تقوده الا للموت والزوال.
* أستاذة جامعية