في كلمته التي ألقاها بمناسبة الاحتفال بإعطاء إشارة البدء لحصاد القمح قال الرئيس عبد الفتاح السيسي متوجّهاً إلى المصريين: "اللي وقف في 3 يوليو ما بيخفش، واللي أعطى مهلة أسبوع لحلّ الأزمة السياسية في 2013 ما بيخفش، واللي أعطى مهلة 24 ساعة أخرى ما بيخفش، ومن أكد على أن الدولة كانت في نفق مظلم وأراد العبور بها للنور ما بيخفش". حين كان الرجل يرفع من حدّة لهجته في السابق ويصل بها إلى حدود التلويح بعدم الخوف من أحد فإنّ المقصود بذلك لم يكن سوى الإخوان. "الجماعة" وقتها كانت قد خرجت في نظر المصريين عموماً وليس الرئيس فقط على الإجماع الوطني، وأصبحت بمثابة تهديد للدولة. لكن ما يحصل الآن هو أنّ السيسي يستعيد هذا الخطاب في صراعٍ مع قوى مدنية، وفي مواجهة قطاعات وقفت إلى جانبه في معركته ضدّ الإخوان، وكانت ذخراً له في المراحل المختلفة التي مرّ بها حكمه. وهو إذ يضع نفسه ومن ورائه مؤسّسات الدولة في مواجهتها فإنه لا يخسر فقط دعم هذه القطاعات - وهي عريضة قطعاً- بل يفوّت على ذاته وعلى الدولة المصرية فرصةً ثمينة لاستعادة الزخم الذي بدأ به حكمه حين كانت كلّ النقابات المهنية ونخب الطبقة الوسطى والأحزاب المدنية تقف إلى جانبه. هكذا، وعبر الوقوف في وجه نقابة الصحافيين بعد "خسارته" نقابة الأطباء قبلها يكون النظام قد بدأ بفقدان نفوذه ضمن الشرائح الاجتماعية التي تتميّز بقدرتها على إعطاء أيّ سلطة وليس هذه السلطة فقط شرعية التحرك باسم القوّة الناعمة. وهذه خسارة فادحة للدولة قبل أن تكون للنظام، لأنّ السلطة الحالية التي يمثّلها السيسي تعدّ الأقرب من بين السلطات التي مرّت على مصر في الآونة الأخيرة إلى البنية العميقة للدولة المصرية، وهنا بالتحديد يكمن المأزق الفعلي لأزمة النظام الحالية مع النقابات المهنية والنخبة المصرية.


استقطاب جديد

هذا لا يعني أنّ "الدولة" تُعادي النقابات بالمجمل، ولكنها عبر السلوك الذي يَظهَر من أداء أجهزتها (وخصوصاً وزارة الداخلية) لا تبدو مهتمةً بخسارة هذا القطاع من الشعب. الشرعية بالنسبة إليها لا تتعلّق بمدى الحرص على التوافق مع النقابات وإلا لكان أداؤها مختلفاً في أزمتي نقابتي الأطباء والصحافيين، وحين تُبدي اهتماماً بمتابعة الأزمة لا يكون ذلك بسبب حرصها على التوافق بقدر ما هو خوفٌ على الأجهزة من خسارة نفوذها وسطوتها. وهي بذلك لا تتصرّف كدولة وإنما كنظام، حيث المبادرات دائماً تحصل بمنظور أمني، في حين أنّ الحفاظ على الدولة ومؤسّساتها يتطلّب التحرّك ضمن دوائر سياسية، وخصوصاً بعد استكمال عناصر الشرعية الثلاث للنظام الحالي (الدستور، الرئاسة، البرلمان). السيسي نفسه يتصرّف وكأنّ الأزمة غير موجودة، وهو رأس الدولة والأقرب إلى "مؤسّستها الأم": الجيش. في أزمة نقابة الأطباء تَرَكَ الأمور تتدحرج ولم يتدخّل حتى لكبح جماح وزارة الداخلية ولا نقول لمعاقبة المتجاوزين فيها بحقّ أطباء مشفى المطرية. والآن يتصرّف بفداحة أكبر، تاركاً نقابة الصحافيين تحت حصار الأمن وقوى وزارة الداخلية، ونائياً بنفسه تماماً عن معالجة مشكلة تتعلّق أساساً به وبفهم نظامه للعلاقة مع قطّاعات المجتمع الأكثر فاعليةً وتأثيراً. هذا السلوك سيتسببّ إذا ما استمرّ بتآكل لحضور الدولة المصرية بين الشرائح التي حَمَتها من الإخوان والتكفيريين، وسيورّط مؤسّساتها في صراع هي في غنى عنه مع نخب الطبقة الوسطى التي لا تزال تنأى بنفسها عن الدخول في معمعة المواجهة بين النظام والإخوان، لا بل هي تدعمه حين يتعلّق الأمر بموقف "التنظيم" من المجتمع. ولكن هذا الدعم لن يستمرّ طويلاً، وسيحصل تحوّل جذري في بنيته من صراع إلى جانب النظام والدولة ضدّ الإخوان إلى صراع معها ومع الإخوان في الوقت ذاته. وهذا يعني أنّ الاستقطاب الذي كان في مواجهة الإخوان وَحَدَّ كثيراً من تأثير "الجماعة" ونفوذها داخل المجتمع سيتراجع لمصلحة استقطاب جديد لن تكون "الجماعة" في صلبه هذه المرة، وهنا الخطورة الفعلية، إذ ستحلّ بدلاً منها أجهزة الدولة التي يورّطها النظام في الصراع مع النقابات و نخب الطبقة الوسطى.

انتقال الاستقطاب إلى المجتمع

حين يبدأ الصراع بين النظام وأجهزته ونخب الطبقة الوسطى التي تتمتّع بنفوذ كبير داخل المجتمع فإنّ هذا الأخير لن يبقَ بمنأى عن "المواجهة"، وستتورّط قطاعات متزايدة منه في الاصطفاف خلف هذه الجهة أو تلك، على اعتبار أن الأكثرية ليست في صفّ أحد حالياً. هذا التوزّع سيخلق شرخاً داخل المجتمع، وسينعكس على الصراعات الفعلية التي يجب خوضها: من نضال النقابات لاستعادة حقّها في التظاهر والإضراب إلى المطالبة بفرض ضرائب تصاعدية على أرباح الأغنياء والشركات وصولاً إلى منع النظام من رفع الدعم عن الشرائح الأكثر فقراً... الخ. كلّ ذلك سيتراجع لمصلحة الاستقطاب الجديد الذي سيصبح محور الصراع بدلاً من المواجهة مع الإخوان والتي كانت بدورها صراعاً مؤقتاً وغير معبّر عن حقيقة المسألة الاجتماعية الاقتصادية. وفي الحالتين فإنّ من سيخسر هي الشرائح الفقيرة التي لم يصلها شيء من حصيلة الاحتجاجات في السنوات الفائتة، في حين تمتع آخرون ببعض المزايا التي يجرى التراجع عنها حالياً، وتحصل بسببها هذه الخضّات الاجتماعية والسياسية المتكرّرة في بنية المجتمع المصري. الخسارة الأخرى ستلحق بالتماسك الاجتماعي الذي تضرّر كثيراً في فترة حكم الإخوان، ولكن هذه المرّة سيكون الضرر أكبر لأنّ الصراع لا يجري على هوية يراها المجتمع "دخيلةً" عليه، بل في داخل الطبقة نفسها، وبين أفراد لا يجب أن يختلفوا حول الحقوق التي يتمتعون بها. فهي في النهاية حصيلة صراع طويل مع السلطة، والحفاظ عليها لن يصبّ في مصلحة طرف بعينه كما يُتهم الصحافيون حالياً (يُقال في سياق التشهير بهم سلطوياً إنهم يتمتعون بامتيازات وتُستخدم للتعبير عن ذلك عبارة: على راسهم ريشة)، بل سيكون في مصلحة المجتمع عموماً، وخصوصاً منه الفئات التي تتظاهر ضدّ الصحافيين حالياً ولا تعرف أنّ حقوقها المكتسبة مرتبطة بالحفاظ على كينونتهم ووجودهم كنقابة معنية بحماية المجتمع من السلطة وتغوّلها. حين لا يحصل ذلك وتصطفّ "أكثرية نسبية" من المهمّشين مع السلطة ضدّ الصحافيين وباقي النقابات فهذا يعني أنّ خللاً ما قد أصاب المجتمع، وهذه ليست مسؤولية النقابات بقدر ما هي مسؤولية السلطة التي تتحمّل وزر هذا الاصطفاف الصُوَري وتقف بكلّ أجهزتها خلف اصطناعه وزجّ المجتمع في أتونه المدمّر.

خاتمة

لا تعكس المواجهة هنا طبيعة المرحلة التي تمرّ بها مصر، ولكن بسبب سلوك السلطة ورغبتها في المطابقة بينها وبين الدولة فإنّ الصراع سيبدو وكأنه بالفعل صراعٌ مع فئات تريد الحفاظ على امتيازاتها، لا مع قطاعات اجتماعية تناضل للحفاظ على حقوقها التي هي حقوق للمجتمع أيضاً. وفي الوقت الذي تنهاها السلطة عن ذلك متسبّبةً بانقسام حقيقي وكبير داخل المجتمع فإنها تتسبّب أيضاً بشلل كبير داخل أجهزة الدولة التي تبدو هي الأخرى "منقسمةً على ذاتها"، وعاجزة عن تأدية المهام المنوطة بها في هذه المرحلة. وسط كلّ ذلك يطمئننا السيسي في كلمته الأخيرة بأنه لا يخاف ولا يخشى أحداً. فضلاً عن عبثية التحدّي في سياق داخلي كهذا فإنّ الرجل يبدو وكأنه قد فقد البوصلة تماماً. مواجهتُه نخبة الطبقة الوسطى المصرية بما في ذلك النقابات هي بالضبط كاقتحام نقابة الصحافيين من جانب أجهزت، أمرٌ غير مسبوق، ومن هنا خطورة اللحظة، ليس على المجتمع وحده بل على الدولة نفسها.
* كاتب سوري