يحتفظ عدد من كبريات المتاحف العالمية كاللوفر والارميتاج والمتحف البريطاني أو متحف برلين إضافة الى بعض المتاحف الاميركية، بمجموعات أجنبية كبيرة، بعضها يعود لمنطقتنا. وإذا كانت مجموعات الارميتاج تكوّنت بنسبة 60% بواسطة الشراء خلال عهد كاترين الكبيرة، وبالطريقة نفسها تقريباً بعدها، عدا استثناءات قليلة، فالسؤال يطرح بالنسبة للمتاحف الأوروبية خاصة الظروف التي احاطت بعملية اكتساب هذه المجموعات، كنتاج لعلاقات سيطرة وقدرات غير متكافئة لا تزال نتائجها مستمرة على ضوء رفض إعادة أي من هذه القطع إلى أصحابها الأصليين.

تشكّل المجموعات الاجنبية، والمقتنيات الشرقية خاصة، في عدد من المتاحف العالمية – الاوروبية تحديداً - مجموعات فريدة وغنية جداً، تعطي قيمة مضافة لزيارتها. وإذا أزيلت هذه المجموعات من هذه المتاحف فهي ستشكّل خسارة كبيرة جداً لها، من الناحية الأثرية وثراء المجموعات، ومن ناحية شهرة هذا المتحف أو ذاك بمجموعات معينة.
يقصد بالمجموعات الأجنبية تلك التي تعود الى بلدان وحضارات لا علاقة للدول التي تعود ملكيتها القانونية لها الان، بها تاريخياً. بل هي اكتسبتها أو حازتها في القرنين الاخيرين –التاسع عشر والعشرين- في ظروف خاصة اتسمت بسيطرة فعلية للدول الحائزة حالياً على هذه المجموعات، على الدول او المناطق التي جاءت منها اصلاً، مما يطرح اشكالية مشروعية وعدالة الاكتساب، بغضّ النظر عن القانونية الاسمية في حال وجودها اصلاً.
من شبه المستحيل احصاء عدد القطع وتتبعها من دول المصدر الى حائزيها الحاليين، أكانوا اشخاصاً طبيعيين أو معنويين، إنما من الممكن رصد الانساق التي من خلالها تم نقل الحيازة المادية، والمسوغ القانوني في حال وجد ثانياً. ومن البديهي الالتفات لمنطقتنا –خاصة لبنان وسوريا- لعدة اسباب. السبب الاول هو ان منطقتنا –ومعها مصر والعراق- كانت في قلب عملية الاستيلاء هذه منذ قرنين تقريباً، مع حفظ حيّز كبير لليونان سنتطرق اليه. ثانيا لأنّ التوثيق الذي يعنينا اسهل، واخيراً لأن المشهد الحالي قد يدفع البعض للاعتقاد بأنه كان من الافضل لو تم الاستيلاء على كل شيء سابقاً ونقله لأوروبا فقد كان نجا من موجة التدمير الحالية.
شكّلت حملة نابوليون على مصر سنة 1799 مناسبة عملية لبدء الاكتشافات الميدانية في مصر على مستوى واسع وعملي، بعد ان كانت المعارف عن حضارات المنطقة جزئية نسبياً من خلال النصوص القديمة وبعض كتابات الرحالة، وتفتقد الى الارتكاز الاثري. ففي الواقع أتى نابوليون معه بمجموعة كبيرة من الاثريين والرسامين والمؤرشفين ساهموا باضاءة جديدة على حضارة مصر الفرعونية. وشكّلت الحملة أيضاً مناسبة للاستيلاء العملي على مجموعة كبيرة من اللقى الاثرية، انتقلت حيازتها المادية إلى فرنسا منذ تلك الفترة، مستفيدة من الامر الواقع القائم الذي قوامه سيطرة عسكرية أجنبية على جزء من الامبراطورية العثمانية.
مع انسحاب الجيش الفرنسي من مصر سريعاً بفعل تطورات الداخل الفرنسي والدور البريطاني، لم تنتهِ عملية نقل الاثار من مصر وأجزاء أخرى من الامبراطورية العثمانية. فقد شكلت الامبراطورية العثمانية خلال القرن التاسع عشر مجالاً مستباحاً بشكل غير مسبوق للقوى الاوروبية للدخول والعبث، ومنه العبث بالاثار، على خلفية ضعف السلطنة وتفككها، والاهتمام المتزايد بالآثار والحضارات القديمة، والتنافس الاوروبي على اقتناء اكبر واهم المجموعات في المتاحف الوطنية المختلفة.
في السياق نفسه، استفاد الانكليز من دعمهم للامبراطورية العثمانية بوجه نابوليون، لوضع يدهم على مجموعة كبيرة ورائعة من تماثيل البارتينون في بداية القرن التاسع عشر، والمجموعة لا تزال في المتحف البريطاني بالرغم من المطالبات اليونانية العديدة بإعادتها.
لم تتوقف عمليات نقل الحيازة لعدد كبير من القطع الاثرية القابلة للنقل طوال القرن التاسع عشر، على يد باحثين اوروبيين بشكل خاص، يساعدهم في ذلك الوضع الذي يتمتع به الاوروبيون في المنطقة لجهة الحماية القنصلية والامتيازات التي تضعهم عملياً في وضع حصانة شبه كلية في وجه السلطات والمحاكم العثمانية. يدعم ذلك بنية تحتية جدية شكّلتها شبكات القناصل والممثلين الاجانب الذين أمّنوا في كثير من الاحيان الدعم اللوجستي لفرق وافراد استحوذوا آثاراً من المنطقة، إضافة الى مساهماتهم الكبيرة في شبكات الفساد الضرورية احياناً لحماية هكذا انشطة، ودورهم الكبير في عمليات النقل باتجاه دولهم، مستعينين بحصانتهم.
شكّل اذاً القناصل الاوروبيون والبحاثة وصيادو الاثريات، اضافة الى موظفين محليين، شبكة لتهريب اثار المنطقة باتجاه المتاحف والمجموعات الخاصة الاوروبية.
بدأ الاهتمام الجدي بالاثار من قبل العثمانيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، يحفزه امران: الاول موجة التشريعات بعد الخط الهامايوني (1856)، والاهتمام الاكبر بالولايات العربية خلال ولاية السلطان عبد الحميد الثاني، خاصة بعد ان تحول الثقل في الامبراطورية الى الولايات العربية –والاناضول طبعاً- بعد خسائر السلطنة في البلقان بعد المواجهة مع الروس (1975-1876).
تجلى هذا الاهتمام بسلسلة من النصوص القانونية، اولها القرار الصادر بتاريخ 10 نيسان 1869 والذي يحدد نظام الآثار والحفريات الاثرية. تم تعديل النص على ثلاث مراحل في 1874، 1884 وصولاً الى اخر تعديل سنة 1906. وبالنظر الى الخط البياني لهذه التعديلات ومقارنة النصوص الجديدة بتلك السابقة يظهر بشكل واضح هدف السلطنة العثمانية بإرساء نظام حمائي صارم لصالح الدولة، ومنع أي من اللقى الاثرية من الخروج خارج اراضي السلطنة، كون النص المعدل يعتبر الدولة المالك الوحيد للاثار ويحد جداً من امكانية اخراج القطع الاثرية.
شكّل نظام الحماية والذي عرقل عمليات النهب المنظمة للاثار باتجاه اوروبا، بالرغم من تحايل الاوروبيين عليه بالرشوة والحقيبة الدبلوماسية، دافعاً كبيراً لفرنسا وبريطانيا لادراج مادة في صك اعلان الانتداب يلزم الدولة المنتدبة بارساء نظام جديد للاثار وتنظيمها على اراضي الدولة الموضوعة تحت الانتداب.
تكمن المفارقة هنا في أمرين أساسيين، أولهما السؤال حول ضرورة ارساء قواعد جديدة متعلقة بالآثار وانشاء هيئة ناظمة هي مديرية الاثار المرتبطة بالمفوضية السامية الفرنسية، كما لو ان الامر غير موجود بالاصل. في حين ان النصوص العثمانية كانت موجودة، وهي كانت جيدة لانها تعطي الاولوية للدولة –السلطنة انذاك- بالاحتفاظ باللقى الاثرية، وهي نصوص بقيت مطبقة حتى سنة 1926 تاريخ دخول اول نص فرنسي حيز التطبيق، اضافة الى مديرية اثار مركزية مرتبطة بمتاحف العاصمة. اذا عندما وصل الفرنسيون إلى بيروت ودمشق وجدوا هيكلية تنظيمية عمرها أربعة عقود، ونصوص نافذة. لكنهم فضلوا تبديل اولوية النصوص من الحمائية الى الشراكة المربحة لطرف واحد.
المفارقة الثانية تكمن في كون الدولة المنتدبة هي نفسها شريك في صياغة اعلان الانتداب، وهي المشرفة على وضع النص وتطبيقه لاحقاً، من خلال المفوضية السامية، وهي شريك في معادلة التنقيب والحيازة. فتراكم بذلك صفات التشريع والرقابة والمصلحة، وهو خليط بالحد الادنى غريب ويثير الريبة.

شكّلت حملة نابوليون على مصر مناسبة عملية لبدء الاكتشافات الميدانية

نظمت الدولة المنتدبة قطاع الاثار بنصين اساسيين هما القرار 207 ل/ر بتاريخ 26/03/1926، والقرار رقم 166 ل/ر بتاريخ 7/11/1933 وتعديلاته التي حملها القرار رقم 68 ل/ر بتاريخ 30/03/1936.
ثبت النص الجديد الاوضاع القانونية للاثار التي اخرجت سابقاً من اراضي السلطنة العثمانية، لقطع الطريق على أي مطالبة قانونية مستقبلاً. إضافة الى ذلك فقد عرف القانون الجديد بالآثار وميز بين الاثار المنقولة وغير المنقولة، اضافة الى تنظيم عمليات التنقيب، واناط بالمفوضية الفرنسية اعطاء التصاريح، اضافة الى تقسيم اللقى بين المنقب والدولة، وتصدير الاثار والاتجار بها.
ففي مجال اعطاء التصاريح كان طبيعياً ان تفضل الدولة المنتدبة الفرق الفرنسية، وهو ما جعل اكبر ماهم عمليات التنقيب تقوم بها فرق فرنسية، مع استثناءات قليلة للبلجيكيين والتشيكوسلوفاكيين. كانت السيطرة على اعطاء التراخيص مهمة جداً، لأن التشريع الجديد اعطى الفريق المنقب حصة من اللقى، من هنا أهمية ان يحصر التنقيب قدر المستطاع بالفرنسيين. اضافة الى هذا كان لسلطات الانتداب دور كبير في تقسيم اللقى الناتجة عن الحفريات، ما سمح لها باخراج كميات من الاثار اللبنانية والسورية باتجاه المتاحف الفرنسية، وبشكل خاص متحف اللوفر. كما سجل استخدام الحقيبة الديبلوماسية في بداية العشرينيات، والاذونات التي منحتها مديرية الاثار التابعة انذاك للمفوضية السامية الفرنسية، لاخراج عدد من القطع بطريقة ملتوية باتجاه فرنسا. من هذه القطع نقشين ضئيلي البروز، كنز من الادوات الفضية يعود للحقبة البيزنطية تم اكتشافه في حمص، ومجموعة نفيسة من السيراميك الحلة والادوات البرونزية المكتشفة في جبيل، وغيرها من القطع.
في هذا السياق يجب التذكير بمحاولة متحف اللوفر الابقاء على عدد من المكتشفات الاثرية التي تعود لجبيل في محفوظاته، خلال العرض الذي نظم سنة 1922 لمجموعة من المكتشفات من لبنان وسوريا.
بالمحصلة فقد شكلت فترة الانتداب الفرنسي اسكتمالاً لوضع اليد العملي على عدد كبير من القطع الاثرية التي تعود لشعوب المنطقة، والتي كانت قد بدأت على نطاق واسع في القرن التاسع عن طريق التجميع والتصدير، واستكملت بعدها عن طريق التشريع التفاضلي الذي منح فرنسا في حالتي لبنان وسوريا وضعاً ممتازاً لاستكمال وضع اليد على مجموعات اخرى، والابقاء على وجود جدي في المنطقة على هذا المستوى. اذ يكفي الاخذ بعين الاعتبار عدد البعثات الفرنسية العاملة بعد الانتداب في كل من لبنان وسوريا للتأكد من الأمر.
لا يمكن لاحد المكابرة على حقيقة ان وجود هذه المجموعات العائدة لمنطقتنا –من بين مناطق اخرى في العالم تعرضت لنهب منظم مماثل- يعكس بشكل فاقع موازين قوى تعود لحقبات سابقة، بعضها تغير والبعض الآخر لا، ويمكن ان يشكل نظرياً ربطاً لنزاع سياسي لو توفرت القدرة على ذلك لما لهذه القطع من رمزية سياسية تتمثل باقتنائها من قبل دول لا علاقة لها بها. كيف لا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن إعادة خاتم ينسب إلى جان دارك مؤخراً إلى فرنسا من قبل احدى الشخصيات السياسية، دفع الحكومة البريطانية الى الاعلان عن أنها تعتبر اخراج الخاتم –الذي تم شراؤه في مزاد علني- غير شرعي وانها ستطالب به، فيما تحتفظ بتماثيل واجهة البارتينون اليوناني منذ قرنين.
الأكيد أكثر أنّ من أخرج هذه القطع من المنطقة لم يفعل ذلك برؤيوية عاينت ما تعيشه اليوم من تدمير لاثارها، بل في سياق امبريالية ثقافية وسياسية سمح لها تفوقها التقني والعسكري بنهبنا. واذا كانت الذريعة ان هذه الاثار محمية في متاحف أوروبا وأميركا أكثر من بلادها الأصلية، فما على القائلين بهذا الا التفتيش عن لوائح الاثار، المنقولة وغير المنقولة، المدمرة والمنهوبة والمفقودة، في اوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، ليكتشف ان من يقوم بتدمير اثارنا اليوم هم مجموعة هواة غير محترفين أمام المنهجية الغربية.
* كاتب وباحث لبناني