منذ سنوات، كنت ورفاقاً لي نرفض أن نسمّى "يساريين"، ونحتجّ ــــ بين المزاح والجدّ ــــ حين يخطئ أحدهم ويصفنا بذلك، وهذا ليس بسبب معاداتنا للاشتراكية أو القيم التاريخية لليسار العالمي، بل لأنّ مفهوم "اليسار" نفسه، في الحالة العربية اليوم، لا يحيل إلى شيء واضحٍ ومتّسق، أو إلى موقفٍ سياسي محدد، أو معسكرٍ أو مشروع، ومن الطبيعي أن لا يتسمّى المرء بما لا يفهمه وليس متيقّناً من وجوده. مع سقوط الاتحاد السوفياتي واندثار الحركات اليسارية في بلادنا، شاعت تسمية "اليسار" العمومية بدلاً من ذكر تنظيماتٍ بعينها للتعريف عن المرء (كما كان الحال في السابق) وصرنا، تدريجاً، حين نتكلّم على "اليسار" كجبهة أو "كلٍّ" واحد ــــ وننتقده أو نهاجمه أو ننتسب إليه ــــ لا ننتبه إلى أنّ هذا المفهوم، لو فككناه، لن يترجم إلى قوى حية على الأرض، وأحزاب وممثلين وجماهير، بل أساساً إلى أفرادٍ وشخصيات وظواهر، وكاتب هنا ومثقف هناك وأحزاب، إن وجدت، هي وعاءٌ لهؤلاء الأفراد ولمن يحيط بهم (في بلدٍ كلبنان، مثلاً، قد تكون الأحزاب الوحيدة الفاعلة التي يمكن وصفها باليسارية هي أحزابٌ محلية صغيرة في مدينة صيدا، ولكنك لن تسمع عنها في إعلام العاصمة ومقاهيها ومسرحها السياسي، حيث صوت "التروتسكيين"، مثلاً، أعلى من صوتها بعشرة أضعاف).

ما تغيّر مع تقدّم الزمن، هو أنّ "اليسار" المحلي، تحديداً بسبب هيوليّته هذه وعدم تحديد هويته، لم يعد غير فاعل أو "فارغٍ" فحسب، بل أصبح مفهوماً خطيراً يمكن أن يستخدم بأشكال سيئة، ومظلّة واسعة تجمع تحتها أي شيء وأي أجندة، ونظرات متعارضة، لا عن السياسة والأحداث والوطنية فحسب، بل عن معنى "اليسار" نفسه. "العدالة الاجتماعية"، "التحرّر"، "المساواة الجندرية" وما إلى ذلك من شعارات عمومية لا تصنع هوية، وهذه القيم هي (تماماً كالمساحات الخضراء والنقل العام والتخطيط المدني) مشتركة بين اليمين واليسار، كلٌّ يريد أن يصل إليها بطريقته. في بيروت، حين تسأل الكثيرين من المنتسبين إلى اليسار عن معناه، فهم يردّدون هذه العبارات (وقد يضيفون "معاداة الإمبريالية" أو "الديموقراطية") مردفين "وكلّ هذه الأمور"... حين نريد تعريف حزب الله، مثلاً، فهل من الممكن أن نقول "كلّ هذه الأمور"؟ وحين نوصّف تيّار المستقبل، فهل نقول "كلّ هذه الأمور"؟ هنا الفارق بين الفاعل السياسي وبين الشعار.
حين زار صديقٌ عربي العاصمة اللبنانية والتقى شبابها اليساري، كانت له نصيحة واضحة ومختصرة: "لماذا لا تنشئون حزباً لليسار الليبرالي، على طريقة "بوديموس"، وتوقفون الحديث عن الماركسية والطبقات والجذرية؟ ستصيرون أكثر راحة وانسجاماً مع أنفسكم، وستنادون بقضايا ليبرالية أوروبية، وتذوبون في المجتمع المدني ومنظماته". الجذرية ليست في الشعار، بل في تطبيقاته. في السياق اللبناني مثلاً، لا أفهم أن يدعو أحدهم نفسه "يسارياً" وأن ينشط في السياسة وهو لا ينادي ــــ كهدفٍ أوّل يُبنى حوله الإجماع ــــ بالتوقّف عن دفع الدَّين العام وإعادة النظر به. ما معنى شعارات محاربة الفساد ومكافحة "النهب" ما دام سدس الدخل القومي اللبناني يذهب لخدمة دينٍ مشكوك في شرعيته، وتذهب معه إمكانات التنمية والعدالة، وهو (كالدَّين البريطاني والروسي في القرن التاسع عشر) قد يستمرّ إلى ما شاء الله حتّى يحصل تدخّلٌ قصديّ لإلغائه، أو أحداث تاريخية تمحوه؟ السياسي التقليدي لا يمكن أن يقترح حلولاً من هذا النوع لأنه يمثّل أصحاب الأموال والمصالح والمصارف، وانهيارها لديه يعني نهاية العالم، ولكن ما الذي يردع "اليساري" هنا؟ لا أفهم أن يكون هناك "يسارٌ" لا يدفع بخطة جذريّة تجاه الجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي. وليس من المنطقي أن يكون هناك يسارٌ فاعلٌ سياسياً في اقتصاد كالاقتصاد اللبناني، وقسوة الرأسمالية فيه، وهو لا يُطالب بتحويل قسمٍ من هذه الضرائب ومداخيل الأثرياء إلى دعمٍ اجتماعيّ، ولو على شكل راتبٍ مباشر للعاطلين من العمل والعائلات المحتاجة (وهو أمرٌ مُتاح في بلدٍ صغيرٍ كلبنان، وبرنامجٌ من هذا النّوع تقلّ كلفته عن بابٍ واحد من أبواب الهدر السنوية، كملفّ الكهرباء). الهدف من دعم الفقراء (بدلاً من الأثرياء، كما هي الحال اليوم) يتعدّى تحقيق الشعارات والعدل؛ فبوسائل كهذه ــ حصراً ــ أنت تعطي سبباً حقيقياً لمئات الآلاف لكي تدعمك وتقف معك، وتعتبر أن لها في حكمك مصلحة وتمثيلاً. فلا يمكن أن تحارب "السلطة" وأنت لا تقدّم لجمهورها، أقلّه، بديلاً أكرم من "الفتات" الذي يرميه النظام إليهم ــــ وهذا البديل لا يمكن أن يكون شعارات ووعوداً غير مادية، أو مجرد دفع بـ"أوادم" و"أكفاء" إلى المناصب.
مثال منظمات التمويل الدّولي، والمجتمع الذي نشأ حولها في لبنان خلال العقدين الماضيين، قد يكون أفضل تعبيرٍ عن هذا الخلل في بنية "اليسار" وهويته. ظهرت هذه المنظّمات بالتزامن مع انحدار اليسار وأحزابه، في عقد التسعينيات، وقد دخلت البلد وهي ــــ على عكسه ــــ تملك تمويلاً ودعماً وقدرةً على الاستقطاب. لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد العاملين في هذه المنظمات وحجم إنفاقها وكمية التمويل الدّولي الذي يصلها (باعتبار أن هذا التمويل لا يأتي من دول أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، فمن النافل أن نوضح أن الاسم هو مجرّد تورية للتمويل الأميركي والأوروبي)، ولكن منظمات المجتمع المدني المسجّلة هي بالآلاف، وقد صارت وظائفها المغرية هدفاً يسعى إليه أكثر الشباب اللبناني المتعلّم، وإحدى الإمكانيات القليلة للحصول على راتبٍ "غير لبناني" في لبنان. يصف أحد المراقبين عمل هذه المنظمات بأنّه "بديلٌ" للكثير من مهمات الدّولة في المجتمع: هي من يقوم بالتخطيط، ويجمع الإحصاءات، ويجري استطلاعات ميدانية ودورات تدريبٍ و"تمكين" ــــ وهذه، عادةً، وظيفة جهاز الدولة ــــ وقد أنشأت، بالتوازي، "بيروقراطية" خاصة بها، لها مجتمعها ومزاياها ولغتها السياسية.
هذه الفئة من المستحيل لها أن تتخيّل حلولاً وأجندات تشبه المقترحات أعلاه، إذ إن لها سقفاً وإيديولوجيا ونظرةً محددة للحلول الممكنة ومفهوم الإصلاح السياسي (من بينها التزام السوق الحرة، والعداء لإعادة التوزيع، وقصر الإصلاح على "الحوكمة" و"الدمقرطة" و"مكافحة الفساد"). المشكلة مع قسمٍ كبيرٍ من "اليسار" اللبناني ليست أنّه لم يكن رأس الحربة في التحذير من دخول هذا التمويل الأجنبي إلى السياسة، وتشكيل بديلٍ وخطابٍ يتصدّى له ــ فالكثير من اليساريّين اليوم، في الحقيقة، يسيرون الى جانب شباب "المنظمات الدولية" في نشاطاتهم، ويتشاركون معهم الشعارات والأهداف؛ ولغة "الحوكمة" قد دخلت، من أبوابٍ كثيرة، إلى قاموس اليساريين. المشكلة الأعظم هي أنّ هذا "اليسار" لا يفهم، على ما يبدو، أن هذه المنظمات، تحديداً، كانت أهمّ أسباب انحداره وانحساره وهزيمته؛ وأنّ جمهور اليسار الذي "تبخّر" في السنوات الماضية ــــ والذي يتحسّرون عليه ــــ قد ذهب أكثره إلى هذه المنظّمات، التي استقطبت الفئات المدينية والعلمانية والمتعلّمة، والتي تشكّل عادةً الجمهور المفترض لحركات اليسار في أي مكان، ومصدر كوادره ونخبه وثقافته (بل من المعروف أنّ أبرز "وسطاء" التمويل الدولي في لبنان اليوم هم قادة يساريون سابقون). حين تهيمن ثقافة "المجتمع المدني" على دوائر المتعلّمين والمثقفين والفنانين، وتصير هي المثال الجاذب لهؤلاء، فمن الطبيعي أن يضمحلّ اليسار وأن تجفّ منابعه. لا يمكنك أن تحرص على "اليسار" أكثر من حرصه على نفسه، ولكن حين يصل المرء إلى درجةٍ لا يميّز فيها حليفه عن قاتله، ويسالم عدوّه ومن يسعى إلى استبداله، ويستعير لغة خصمه ويروّج لها، فهو قد يكون، ببساطة، لا يستحقّ البقاء.