يقولون إن المنتصر يكتب التاريخ، حيث إنّنا منذ الطفولة نُلقن أن ما في الكتب لا يعكس بالضرورة الأحداث. ولكن ما لا نُلقّنه هو أنّه في بعض الاحيان لا يكتب المنتصر التاريخ وتتلاشى انتصاراته في جنبات الكتب. ما لا نُلقّنه أيضاً هو مفهوم النصر على قياس توفّر الموارد وإدارتها. فالموارد هي العنصر الأساس في أيّ عمل عسكري، وتجدّدها وإعادة إنتاجها هي من أهم عوامل الصمود ومن ثم النّصر. الحديث هنا ليس عن موارد عسكرية فقط (سلاح وذخائر) بل أيضاً عن الموارد الاقتصادية والبشرية التي تجتمع لتشكّل البيئة المناسبة للانطلاق بعمل عسكري ناجح. فكتب السّرد التاريخي، لا سيّما ذات الأهداف التلقينية، قلّما تأتي على ذكر دور الموارد وتأثير عملية استنزافها على مجرى المعارك العسكرية.



الاتحاد السوفياتي والطريق إلى برلين

من الأمثلة على هذه الظاهرة سرد جلّ كتب التاريخ لمسار الحرب العالمية الثانية على أراضي القارة الأوروبية. تُعدّ احداث الاجتياح الالماني للاتحاد السوفياتي من أبرز أمثلة الصمود وانتصار الإرادة في الحروب. وأبعد ما تذهب إليه سرديات كتب التاريخ في توصيف أحداث الاجتياح وما تلاه هو التلميح بأنّ الجبهة الشرقية والهجوم السوفياتي المضاد ساهما في اضعاف القوّة الألمانية بشكل سمح للحلفاء التقدّم من الجبهة الغربية. وفي الوقت نفسه يعزو التأريخ الفشل الألماني في الوصول إلى موسكو والوقوف عند ستالينغراد ولينينغراد إلى صعوبة شتاء 1941/1942 وأسطورة الثلج الروسي الذي يمنع الغزاة من احتلال البلاد. ولكن الأرقام في بعض الاحيان تكشف ما حاول المؤرخون طمسه.

يعزو التأريخ الفشل الألماني في الوصول إلى موسكو إلى أسطورة الثلج الروسي

في دراسة لمارك هاريسون، نُشرت عام 1988، يشرح الرجل كيف أن بنية وهرمية السلطة في الاتحاد السوفياتي سمحت لقطاعات كبيرة من الشعب ومن الإنتاج الصناعي بإخلاء مناطق الحرب قبل وصول الألمان اليها. فقد كانت «الحرب الخاطفة» (البليتزكريغ) تقوم على مبدأ صدم الأعداء ليس عبر الصدمة العسكرية فحسب، بل عبر الصدمة الاقتصادية التي تمنع العدو من تفعيل قدراته الإنتاجية (الحربية بالأخص) وتفعيل الخطوط اللوجيستية، وهو ما حصل في حالة بولندا وبلجيكا وفرنسا. والحقيقة هي أنّ معظم الإخلاءات الاولى كانت بمبادرات من قيادات سوفياتية محلّية بعد حدوث انقطاع اوّلي لمنظومة التحكّم والسيطرة من وإلى موسكو، حيث احتاج الأمر إلى بضعة أيام لاستعادة التواصل مع المناطق المنكوبة. وكانت هذه المبادرات نتيجة خطط إخلاء مسبقة قد وضعتها القيادة. يصف هاريسون التصرّف السوفياتي مع بداية دخول الاتحاد الحرب بالمبدع والخلّاق، ذلك لأنّ الإخلاءات تحديداً سمحت بتقويض أُسس الهجوم الألماني واغراق الألمان في حرب طويلة الأمد. هذا جعل هزيمتهم في الحرب مسألة «زمن» وليس «احتمال»، وما تبقّى لتحديد طول الحرب هو كمّ الموارد التي سيفعّلها الاتحاد السوفياتي. تُظهر الأرقام أنّ هذا الأخير وصل إلى درجة من الاستنزاف تتخطى طاقته التشغيلية البشرية التي كانت أساساً في أقصى قدرات تشيغلية لها قبل ابتداء الحرب، فقد كان يخصّص ما يقرب من 76% من ناتج الدخل القومي للمجهود الحربي (في مقابل 57% لبريطانيا و47% للولايات المتحدة). هذا بالاضافة إلى أن ناتج الدخل السوفياتي تدهور مع بداية الحرب فانهار بمقدار 40% بين 1940 و1943 على اثر احتلال مساحات ضخمة من أراضيه و خسارته لمواردها، في مقابل ارتفاع في الناتج القومي الإجمالي الأميركيّ بلغ 44% وارتفاع صافي الدّخل القومي البريطاني 30% في الفترة نفسها (الارقام المذكورة ليست صالحة للمقارنة بين بعضها ولكن لإعطاء الانطباعات عن حالة كل اقتصاد في حينه).
يُذكر أيضاً أن الاتحاد السوفياتي الذي كان يقع جزء منه تحت الاحتلال استطاع زيادة تجنيد اجمالي قدراته الانتاجية (عسكرياً ومدنياً) بنسبة 54% في مقابل 45% لبريطانيا و35% للولايات المتحدة. وبالطبع لم يكن هذا الارتفاع في الإنتاج تلقائياً واحتاج إلى قرابة ثمانية عشر شهراً ليستقر ويصبح مستداماً. أما الانتاج العسكري الذي استخدمه الاتحاد السوفياتي على الجبهة الشرقية فيُقدّر بـ288 مليار دولار في مقابل ما قيمته 735 مليار استخدمه الألمان (دون حلفائهم) على هذه الجبهة. وبالمقارنة مع الجبهة الغربية استعمل الحلفاء ما قيمته 4701 مليار من العتاد (مقابل 588 مليار استخدمه الالمان وحلفاؤهم). (الأرقام باحتساب قيمة الدولار عام 2015). ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الاتحاد السوفياتي هو البلد الوحيد الذي استمر في الانتاج بعد أن تعرّضت أراضيه للاجتياح في الحرب العالمية الثانية. وتزداد قيمة هذه الإحصاءات بالنظر إلى أنّه في كل مرحلة من مراحل الحرب على الجبهة الشرقية، حتى عام 1944، كانت قوات الاتحاد السوفياتي تواجه دائماً ما لا يقل عن 90% من مجموع القوّات البرية للجبهات الأمامية الألمانية.
لم يتجرّأ هاريسون على «الاستنتاج» بأن الاتحاد السوفياتي هو من انتصر بالحرب وفتح طريق برلين أمام الحلفاء، علماً بأنه أقرّ في بحثه بأن دور الثلج كان هامشياً وظرفياً.
هذه الارقام كافية للاستدلال على أنّ صاحب النصر الحقيقي في أيار 1945 كان الاتحاد السوفياتي الذي هزم القوة المقاتلة الاساسية في الجيش الالماني وسخّر لذلك، نسبة إلى موارده وقدراته الانتاجية وظروف الاحتلال، ما يفوق بكثير ما سخّره باقي الحلفاء؛ حجم الانتصار السوفياتي كان ضخماً عندما يُقارن بمجهودات باقي الحلفاء.

المقاومة العراقية ودحر الاحتلال

في التاريخ المعاصر لم يسبق أن دُمّرت قدرة إنتاجية لاقتصاد كما حصل في العراق ما بين عامي 1978 و2003. فبحسب ارقام البنك الدولي و«وحدة الايكونوميست للمعلومات» (EIU) شكّل استخراج وبيع النفط الخام، منذ منتصف السبعينيات وهي فترة الازدهار القصوى للعراق، 60% من إجمالي الناتج المحلي. واحتل القطاع الصناعي 13% من اجمالي الناتج المحلي، وجلّه من الصناعات التحويلية للنفط الخام وبعض الصناعات العسكرية (دمّرها الحصار الاممي بعد عام 1992).
في عام 1978 كانت قدرة إنتاج العراق اليومية للنفط تبلغ حوالى 3 ملايين ونصف مليون برميل، وبلغ الناتج الإجمالي المحلي 144 مليار دولار بينما بلغ الناتج الإجمالي المحلي للفرد العراقي الواحد 11800 دولار (باحتساب قيمة الدولار عام 2015). عشية الغزو الأميركي للعراق عام 2003 بلغ انتاجه للنفط الخام مليوني برميل يومياً، وهو ما كان يُعدّ تحسنّاً نوعياً بعد أن كان الرقم لا يتعدى الـ560 الف برميل على مدى أعوام 1991-1997، وكان قد انخفض قبلها إلى ما بين المليون والمليون و600 الف برميل طوال سنوات الحرب الإيرانية ــ العراقية، حيث وصل معدل انخفاض انتاج النفط في تلك الفترة إلى 58%. انخفض الناتج الإجمالي المحلي إلى 73 مليار دولار عام 2002، أي بنسبة 50%. أمّا الرقم الأكثر تعبيراً فهو انخفاض الناتج الإجمالي المحلي للفرد العراقي الواحد إلى 1600 دولار. يُضاف كل هذا الى حجم خسائر العراق في البنية التحتية خلال الحرب الإيرانية العراقية والتي بلغت 593 مليار دولار (باحتساب قيمة الدولار عام 2015). كل هذه الأرقام لا تحسن توصيف سوء حالة الاقتصاد العراقي وقدراته الإنتاجية عشية الاحتلال، فالجيش الأميركيّ لم يكن بحاجة لشلّ القدرات الإنتاجية العراقية، المشلولة أصلاً، ليتمكن من إخضاع الدولة والشعب. ولكن الشعب العراقي قاوم، رغم الجوع والفقر والقدرة الإنتاجيّة المدمَّرة.
تمكّنت المقاومة العراقية، بحسب اعتراف السّلطات الأميركيّة، من قتل 4500 جندي أميركيّ واصابة 32200 آخرين (بالمقارنة اعترفت السلطات الأميركيّة بمقتل 2170 جندياً في الفترة ما بين عامي 2001 و2013). يُضاف إلى هذا الرقم ما بين 1600 و3500 جندي قتيل من المرتزقة (الرقم الحقيقي صعب التحديد بسبب طبيعة الشركات المشغّلة لهم). أمّا بالنسبة للخسائر في الآليات فلم تعترف السلطات الأميركيّة برقم رسمي، إلّا أنّ تقديرات بعض تقارير لجان الكونغرس تتحدّث عن خسارة 1600 -1800 آليّة في عامي 2006 و2007 فقط. بينما بلغت خسائر الطائرات 129 طائرة (مجنّحة ومروحية) حتى عام 2010. تتضّح صورة الانتصار العراقيّ أكثر عند استعراض الفارق الشاسع بين توقّعات المحتل لمسار وطول الحرب، وتالياً كلفتها، وبين ما حصل على أرض الواقع. فقد قدّر الأميركيون فترة الأعمال القتالية بخمسة أشهر كحد اقصى، بكلفة مباشرة لن تتجاوز 80 مليار دولار، ولكنّها استمرّت لثماني سنوات بكلفة مباشرة تُقدّر بـ850 مليار دولار (باحتساب قيمة الدولار عام 2015).
انطلق العراقيون بمقاومتهم من ظروف انتاجيّة واقتصاديّة مأساوية لا تصلح لبناء بيئة صالحة للتأسيس لعمل عسكري ناجح، في مواجهة محتل سخّر كمّاً هائلاً من الموارد البشرية والعسكريّة والاقتصاديّة. ولكنّهم بعد ثماني سنوات احتلال استطاعوا أن يدحروا المحتلّ عن أراضيهم من دون أن يتمكّن من الاحتفاظ بقاعدة عسكريّة واحدة.

الثلج يصل الى بغداد

منذ عام 2011، تاريخ انسحاب الولايات المتحدة، ثمّة من يحاول طمس هوية المنتصر في العراق وترويج أسباب عديدة للانسحاب، منها العجز المالي على اثر الازمة الاقتصادية عام 2008، أو الميول «المسالمة» لرئيس الولايات المتحدة الحالي. مرّ الانتصار العراقي، بأيدي العراقيين ودمائهم مرور الكرام، وهو أكبر انتصار في تاريخ هذه المنطقة المعاصر، حيث أنّ العراقيين هزموا اقوى امبراطورية في التاريخ وهم جياع يأنّون من أهوال التفجيرات المتنقّلة بعتاد بسيط وعديد قليل. حتى لا نضيّع انتصار المقاومة العراقية، وهو انتصار لكل شعوب المنطقة، وحتّى لا نضيّع القادم من الانتصارات فلنبحث أكثر في الثلج الروسي ومن انتصر واسطورة من انتصر في أيار عام 1945.
* باحث لبناني