في الصين تتلمس، بشكل واضح ودون جهد، كيف يطبّق الحزب الشيوعي الصيني الاشتراكية على أرض الواقع. على نحو ينسجم مع المنطلقات والمبادئ، التي تحدث عنها ماركس وانجلز ولينين، بعد التعثر في تطبيقها، في أعقاب انتصار الثورة البلشفية. وهو ما لم يتعظ منه ستالين وقادة الاتحاد السوفياتي، الذين تولّوا الحكم بعد وفاة لينين. فاتجهوا في مسارٍ خاطئ في تطبيق سياسة مغايرة للاشتراكية، عندما عمدوا إلى فرض نموذجٍ قسري، لتحقيق التقدّم الصناعي، والتطور الزراعي، ومراكمة رأسمال والثروة في زمن سريع، دون مراعاة المراحل التاريخية، والأخذ بالاعتبار ظروف روسيا التي خرجت لتوها من نظام الحكم القيصري.

فبعد انتصار الثورة، برزت حاجة روسيا إلى مرحلة من التطور الرأسمالي بواسطة الحزب الشيوعي، تُراعى فيها ظروف المرحلة. وتحتاج، أيضاً، إلى تحفيز كل الفئات الاجتماعية في المدينة والريف على التنمية والنهوض بالاقتصاد. والمزاوجة بين الملكيتين العامة والخاصة لوسائل الانتاج. وإيجاد منافسة حقيقية بين النمطين، على نحو يقدّم فيها النمط الاشتراكي للملكية العامة نموذجاً أفضل في التطبيق. ومن خلال العائدات التي يحققها العمال والفلاحون، ينعكس مستوى تحسين معيشتهم، عبر احترام المبدأ الذي تحدث عنه ماركس في برنامج «غوتا»، لناحية الأجر في هذه المرحلة، وهو أجر غير متساوٍ انطلاقاً من أن الجهد غير متساوي. فالفارق بين العامل البسيط والعامل الماهر هو السائد. ولردم هذه الهوة، في المرحلة الأولى، لا بد من اعتماد الأجر غير المتساوي، ونظام الحوافز في العمل، كلٌّ بحسب جهده وإنتاجه.
وبالتالي فإن الأجر لا يمكن أن يكون واحداً، لأن هناك فرقاً بالضرورة، بين من ينتج في المدة نفسها، من ساعات العمل، عشرين سلعة، وبين من ينتج عشر سلع. كذلك هناك فرق بين المهندس، أو الطبيب، أو المحامي، أو الحائزين على شهادات علمية، وبذلوا جهداً ووقتاً للحصول عليها، وبين الموظف أو العامل الذي لا يمتلك شهادة أو تحصيلاً علمياً.
إلا أنه في الاتحاد السوفياتي لم يجر احترام هذه القاعدة. وتم تطبيق نظام الأجر المقطوع. وجرى تجاهل أهمية تطبيق نظام الحوافز، واحترام الفوارق بين العمال المهرة والعمال البسيطين عند احتساب الأجر. وأدّى ذلك، مع الوقت، إلى تعطيل لا بل انعدام أي حافز لدى الجميع في العمل، لزيادة وتيرة الإنتاج. وبالتالي معدّلات النمو والثروة الوطنية، واستطراداً عدم الحرص على حماية الملكية العامة.
وأسهم ذلك في تغلغل الفساد إلى قلب مؤسسات الدولة والقطاع العام، وسيادة البيروقراطية، التي تحولت مع الوقت إلى قوّة محافظة تعيق التطور والتقدم، وتزيد ثرواتها على حساب المجتمع. وبات لها مصلحة في الانقلاب على النظام القائم، وإقامة النظام الرأسمالي. وهو ما حصل مع صعود بوريس يلتسين إلى السلطة، وإسهامه في تفكيك الاتحاد السوفياتي لمصلحة الدول الغربية، التي استفادت بالطبع من الخلل الذي اعترى تطبيق مفهوم الاشتراكية. وتمكّنت من تقديم النموذج الغربي الاستهلاكي على اعتباره النموذج الحضاري الأرقى.

في طريقها لتطبيق
الاشتراكية حققت الصين أعلى
نسبة نمو بين دول العالم

وارتكبت في الصين أخطاء مماثلة في تطبيق الاشتراكية، في المرحلة الأولى بعد انتصار الثورة سنة 1949، على غرار الاتحاد السوفياتي، حيث لم يتم الأخذ بالاعتبار ظروف المرحلة الاقتصادية والاجتماعية للصين. إلا أن الحزب الشيوعي الصيني أدرك ذلك في نهاية السبعينيات، قبيل انهيار الاتحاد السوفايتي. فاستفاد من أخطائه، وعمد إلى إعادة قراءة الاشتراكية، بما ينسجم مع ظروف وواقع الصين الاقتصادي والاجتماعي. وبالتالي خلص إلى مفهوم لتطبيق الاشتراكية وفق الخصائص الصينية. والعمل على تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح الاقتصادي، بما يخدم الاشتراكية ويخرج الشعب الصيني من واقع التخلف والفقر إلى واقع متطور وحضاري، ويعيش فيه بمستوى أفضل. وأفضل تعبير عن هذه الرؤية قول الأمين العام للحزب الشيوعي، ومهندس عملية الإصلاح والانفتاح والتحديث، تين شاوبيغ، إن «الاشتراكية لا تساوي الفقر. والفقر لا يساوي الاشتراكية»، وهو بذلك يلتقي مع مفهوم ماركس القائل بأن «الاشتراكية هدفها تحقيق سعادة الإنسان». أي أن النظام الاشتراكي هو النقيض للنظام الرأسمالي وتحقيقه يتم من مرتبة متقدمة من التطور، والأولوية بالنسبة له للقيمة الإنسانية، وليس للرأسمال. أي هدفه تحقيق سعادة الإنسان، وانتشاله من واقع الفقر والحرمان بالتعاون مع كل أفراد المجتمع لبلوغ مجتمع «رغيد الحياة». وهو الهدف الذي يسعى إليه الحزب الشيوعي الصيني، في سياق الخطة التي وضعها في مؤتمره الثامن عشر والذي عقد عام 2012، حيث تم تحديد 300 مهمة لانجازها، من تاريخه حتى عام 2020. إذ يتم خلالها زيادة معدلات النمو وردم المزيد من الفوارق بين الأرياف والمدن، وحل مشكلة ما تبقى من فقراء (عددهم 70 مليوناً)، بعد أن جرى بموجب الخطط السابقة تخليص مئات الملايين منهم، بحسب تقرير الأمم المتحدة التي اعترفت بأن الصين ساهمت مساهمة جبارة في محاربة الفقر.
ويبدو واضحاً أن هذا النموذج الخلاّق والمبدع في تطبيق الاشتراكية في بلد كالصين، مترامي الأطراف ويبلغ تعداد سكانه المليار وثلاثماية وسبعين مليون نسمة، لما كان بالإمكان تحقيق التنمية الحقيقية في كل مناطقها، وانتشال مئات الملايين من شعبها من براثن الفقر والتخلف والأميّة، ونقل الصين من مجتمع إقطاعي منغلق إلى بلد متطور وحضاري، بات يضاهي النموذج الغربي مع فارق مهم يُسجّل لصالحه. وهو يتم على قاعدة تقليص التفاوت الاجتماعي تدريجياً وردم الهوة بين الريف والمدينة، وصولاً إلى تحقيق العدالة الاجتماعية لكل المواطنين. لكنها طبعاً عدالة ليست كاملة، كما يقول المسؤولون الصينيون، لأن كل شي نسبي، ولا يوجد عدالة مطلقة وتامة. ولن يسعى الحزب الشيوعي إلى فرض مساواة تامة، وإلا انعدم الحافز للاستمرار في مسيرة التطور والتنمية التي يجب أن تبقى متواصلة، لأنه لا نهاية لهذا الطريق.
إن هذا النموذج الاشتراكي الناجح في تطبيقه، في بلد كالصين، والذي حقق نسبة نمو هي الأعلى بين دول العالم، ووضعها في غضون 30 عاماً في المرتبة الثانية اقتصادياً بعد الولايات المتحدة، يؤكد أن الطريق الذي تسير فيه الصين في تطبيق الاشتراكية يبرهن على صحة ما قاله كل من ماركس وانجلز، من أن الاشتراكية هي النموذج الأرقى للإنسانية، وأنها السبيل لتحقيق سعادتها.
ففي وقت يدخل النظام الرأسمالي في الغرب في خضم الأزمات الاقتصادية والمالية، وتزداد فيه حدة التفاوت بين الفقراء والأغنياء، وترتفع نسبة البطالة إلى معدلات عالية، يتم إدخال التعديلات على قوانين العمل لصالح الرأسماليين (فرنسا نموذجاً)، على حساب الحقوق المكتسبة للعمال. وفي هذا الوقت نجد أن الصين تسير قدماً في طريقٍ معاكسٍ تماماً. طريق يحقق النمو المستمر ويقضي على الفقر والبطالة ويقترب شيئاً فشيئاً من تحقيق العدالة الاجتماعية، التي تشكل الهدف الأول والأساسي للنظام الاشتراكي. ولأن الصين سلكت هذا الطريق الصحيح في تطبيق الاشتراكية، لم تنهر وتسقط في شرك الرأسمالية الغربية، كما حصل للاتحاد السوفياتي السابق ودول أوروبا الشرقية، التي باتت شعوبها تترحم على المرحلة السابقة على الرغم من ثغراتها، بعد أن رأت النتائج السلبية لتطبيق النموذج الرأسمالي.
* صحافي لبناني