شرح لي مفكر عربي يساري، من خلفية غير مسلمة، (أقول هذا حتى لا يُفسّر الموضوع طائفياً)، كيف أن السُنّة كمذهب هُم تطوّرٌ عقائدي عن التراث الفكري اليهودي، بعكس التشيع الذي هو وريث المسيحية! وأكمل بأنّ الشيعة والمسيحيين يؤمنون بالتعايش وما إلى ذلك، بعكس السنة الذين ينتمون للتراث التوراتي المغرق بالمحرمات والعقوبات. أما الشيعة وإخوانهم المسيحيون (ولربما أحبّ إضافة بقيّة الأقليات من علويين ودروز... إلخ) فهم ورثة التراث، و«الهوية السورية الحضارية» المنفتحة والغنية.

المشكلة الفكرية التي نحن أمامها لها علاقة بوعينا جميعاً، كعرب أو مشرقيين، في ما تَشكّل مؤخراً من شرخٍ نفسي وثقافي مؤلم بين سرديتنا للهوية الوطنية، وبين ما يمكن أن نسميه هنا «التاريخ والتراث السُنّي». ولست لأجادل بأن المسؤول عن هذه الفتنة، بالدرجة الأولى، هي الممارسات الوحشية للتنظيمات التكفيرية والإقصائية للخطاب السلفي والإخواني، المموّل من أنظمة الخليج وأرباب نعمتهم الغربيين. فهي من خلقت ردود فعل كثيرة، وليس لي نيّةٌ هنا أن ألوم جهة أو أدين شخصاً بعينه لأن المسألة باتت ظاهرة.
ولكني فقط أودُّ التنبيه إلى أننا صرنا أمام ثقافة انعزالية جديدة، وخطيرة. كأني بها تروم تشكيل أوطانٍ بلا سُنّة، كما رغب يوماً عُتاة اليمين اللبناني، من تشكيل كيان مسيحي بلا مسلمين. وما زِلتَ ترى بين أشباه المطلعين على التراث والتاريخ العربي الإسلامي، وهم من كل الطوائف والأيديولوجيات، يلوكون فكرة «الإسلام والسيف»، و«الإسلام والبداوة»، وإنها طارئة على «جوهر» الثقافة السورية أو المشرقية وحضارتها. وإن هذا الجوهر هو الأزلي والأصيل، وكأن الـ1400 سنة الماضية، من الدول والسلطنات الإسلامية السُنّية بأغلبها كانت «اغتصاباً» لروح وقلب المشرق المتخيل، والذي كان يُصوّرُ لنا على أنه أفضل، قبل مجيء البرابرة العرب!
في البداية من ضروريات خروج مقاومة منتصرة تدفن مشروع «سايكس بيكو 2» أن تبدد خرافة «التراث السُنّي»، باعتباره تراث كره ولا تعايش بامتياز. وأنه غريب وبدوي، ولا ينتمي للتراث الإنساني المنفتح «للأمة السورية»، أو المشرقية، أو سمّها ما شئت.

قراءة نخبوية للتراث؟

تقوم «الانعزالية الجديدة» في المشرق (لنركّز على العراق وسوريا)، على فكرة أن السُنّة كمذهبٍ وأتباع كانوا دائماً مصدر العنف والتسلط الشرقي. كيف لا؟ فهذه بغداد العباسية، مثلاً، كما يُذكّرنا المفكّر الموسوعي الراحل، جورج طرابيشي، كانت منقسمة بين الكرخ والرصافة. الأولى أغلبها للشيعة والمسيحيين حيث يتعايشيون معاً. أما الثانية، فهي لدار الخلافة وجمهورها، من أهل السُنّة بشكلٍ عام.

ترتكز فكرة «الانعزالية الجديدة» في المشرق إلى أن السُنّة هم مصدر العنف

كان أهل الكرخ من الناحية السكانية مشكوك بولائهم للخلافة، على الأقل، من الناحية النظرية. فأغلب سكانها لم يمنحوا الشرعية للخلفاء (أي أنها بيئة منتجة للمعارضة الفكرية والسياسية). بعكس أهل الرصافة، الذين كانوا، بأغلبهم، من الموالاة.
فالأديان في ذلك الوقت، (وربما إلى الآن)، ما كانت لله دوماً بل كانت تعني قاعدة شعبية وولاءات سياسية وانتماء لمؤسسات عالمية عابرة للحدود، ككنائس العصور الوسطى وما قبلها مثلاً.
ولعلّ من المفيد، قبل الحديث عن تطرف ما في المذاهب السُنّية، أو غيرها، أن نتأمل في عاصمة لدولة كبرى، نصف سكانها لا يرى شرعية للسلطة. كيف سيكون شكل التعايش بينهم؟ وهل ستتسامح الأغلبية الموالية مع من ينظر إليهم على أنهم غير مضموني الولاء؟ سواء قومياً أو دينياً أو أيديولوجياً. مع الأخذ بالاعتبار كل أنواع الهزّات الاقتصادية، والتهديدات العسكرية، والاختناقات السياسية، وغيرها، التي تمر بها المجتمعات، والتي قد تتسبب بتوتر الأجواء. هذا طبعاً ليس مبرراً لما تسميه الأدبيات الحديثة ثقافة الكراهية والإقصاء، والتي كانت تُصدّر من حلقات أهل الحديث الحنبلية وغيرهم. ولكن أن تُفسّر الصراعات من منظور انغلاق العقل، بفعل مقولات نصيّة بشكل أساسي كما يرد في أعمال الراحل طرابيشي، والتي أودت «بالعقل في الإسلام أو استقالته»، فهو وأدٌ للسياق التاريخي الذي ولدت فيه الأحداث.
إن الثقافة الحنبلية، وهي من أشد المذاهب السُنّية تطرفاً وانغلاقاً، لم تنشأ وتتطور في الصحراء بين الأعراب، بل هي ابنة شرعية، لأهم عواصم العصر الذهبي لحضارتنا أي بغداد. وشكّل حنابلتها العمود الفقري لعامّتها الشهيرة، بمشاكستها وقوّة تنظيمها. وربما كانوا أكبر الطوائف التي تقطن المدينة، بالضبط كما كان لقرطبة الأندلسية المنفتحة، عامتها المالكية المحافظة.
وهنا أتفق مبدئياً مع الرأي الذي يصوّر هذه القوى بكونها رجعية عنيفة وجاهلة. ولكن ما كان يحرك هذه القوى ليس الجهل وحده كما تقدم لنا «السردية التنويرية»، بل الأمن والحقوق.
إن حنابلة بغداد، وهم القوّة الأكثر تنظيماً بين صفوف العامة، يؤمنون بسلطة الخليفة بلا منازع. وهو أمر شديد الأهمية في العصور الوسطى، حيث كانت العامة دائماً تخشى فيه من هيمنة النخب (من نبلاء وعسكر وتجار) مقابل ضعف الخليفة. أي أن تزيد قوة الأوليغارشيا مقابل ضعف الدولة/ الملك. فما يمكن أن تقوم به هذه النخب هو الالتفاف على «الشرع» الذي كان يعد «دستوراً» في حينها لإصدار قوانين لربما عدّتها الرعية مجحفة بحقها.
ومن هنا كان العصر الذهبي (750 – 1050م) «للبرجوازية الإسلامية المدينية»، كما يسميها المؤرخ المصري محمود إسماعيل. هو عصر استثمار أرباب القوة والمال بأهل المنطق ومن ضمنهم المعتزلة (والذي لم يصلنا كل تراثهم).
فليس هناك ما يسمّى «حب العلم للعلم» أو الفلسفة لذاتها لدى أهل السلطة. بل كان «التحرر العقلي»، وإيجاد صيغ عقلية جديدة لمقاربة الحقوق والواجبات والأخلاق والهوية، وما إلى ذلك مقدّمة لدى الكثير من أهل السلطة للتحرر من قيود القانون (الشريعة والسُنّة هنا). بمعنى أنك كسلطة قد ترغب بتوزيع الأرض على العسكر، أو أن تبدّل نسب الضرائب، أو تحلل ممارسات اجتماعية لن يستفيد منها عملياً سوى المترفين. وفي هذه الحالة قد تجد التفسير التقليدي السائد للشريعة عقبة أمام طموحاتك. فما هو أفضل من أن تتبنى فكرة «خلق القرآن» والتي تعني فيما تعني التحرر من النص بشكل ما لصالح العقل؟
ولكن العقل هنا لن يكون عقلاً مهمشاً مثل أبي العلاء المعري، أو ثائراً كالحلاج، أو حمدان قرمط. بل سيكون كما في زماننا، عقل من يسيطر على آليات وحلقات الإنتاج الأيديولوجي الفكري، من أهل السلطة والجاه. ومن هنا، جاء تفضيل بعض الخلافاء العباسيين لتيارات أهل الكلام والمنطق لدحض حجج الفقهاء وأهل الحديث.
طبعاً هذا لا يعني أن المعتزلة وبقية الفلاسفة كانوا دائماً مثقفي سلطة مترفين، ولكنهم كانوا عموماً انتلجنسيا نخبوية. يخافون العامة ويتحالفون مع السلطة، كما هو مشهور في معظم كتب التراث.
ومن الطبيعي، أيضاً، أن يميل أغلبنا للتراث العقلاني في الإسلام، وأن نفخر به، ونتنصل من تراثنا الرجعي. ولكن من الضروري فهم طبيعة الصراع بعيداً عن الكليشيهات النخبوية التي تتكلم عن أهل منطق ضد «القوى الظلامية». فحريّة العقل في ذلك الوقت لم تكن لتعني بالنهاية حرية عقل أي كان. بل ستعني أن أهل القوّة هم سيختارون أي عقل يفكر وينظر لإعادة تنظيم المجتمع.
ولنكن واضحين هنا أن من سيختاره أهل القوة، ليس بالضرورة سيعني سياسات غير منطقية وطبقية مؤذية للصالح العام، ولكن كل ما أود أن ندركه هو الطبيعة السياسية والاقتصادية للصراع. وأن لا نرى الصراع من وجهة نظر روّاد النهضة وحركة التنوير الليبراليين فقط. فليس لنا أن نتسرع بالحكم على أقطاب الصراع بفريق عقلاني تقدمي جيّد ومحافظ رجعي سيء أو العكس، بل لندرس السياق التاريخي ومن يمثلون وما سينتج عنه صعود هذا التيار أو ذلك.
ما طرحته هنا بعجالة، من أنه لا بد أنه كان هناك بُعداً اجتماعياً سياسياً مهماً لفتنة «خلق القرآن» (كما كان لفتنة طبيعة المسيح في المسيحية قبل قرون أبعاد سياسية اجتماعية مشابهة، وهذه قَلَّ ما تدرس وتقارب اليوم ويحصر النقاش غالباً ببعدها اللاهوتي الفلسفي).
وملاحظة أخيرة هنا قلّما عرضها علينا مؤرخو «العامة الحنبلية» في بغداد، وهي أن هؤلاء لم يكونوا جميعاً بالضرورة يشبهون اليوم جماعة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، الوهابية في السعودية، والمناطق التي تحت سيطرة «داعش». أو على الأقل ليس كلهم. فيبدو أن الكثير ممن يسمّون بحنابلة بغداد لم يكونوا جميعاً ملتزمين دينياً، بل كان منهم شارب للخمر ومستمع للموسيقى وممارس للجنس خارج ضوابط الشريعة (بما فيها المثلية الجنسية).
ففي أحد الشواهد على ذلك يورد، أبو يعلى الفراء، في طبقات الحنابلة أن رجلاً من العامة، والتي كانت تحضر مجلس البربهاري، مرّ ببدعي وهو سكران. فعلّق البدعي عليه «هؤلاء الحنبلية»، أي عيّره بنفاقه كونه حنبلياً وسكراناً. فرجع إليه العامي وقال له: «إن الحنبلية على ثلاثة أصناف. صنف زهاد يصلون ويصومون، وصنف يكتبون ويتفقهون، وصنف ثالث يصفعون كل مخالف مثلك». وصفعه وأوجعه (كوك: ص204).

اليهودية: سابقةٌ مشرقية

ما جرى في بغداد من صراع بين أهل الحديث وأهل المنطق جرى قبله بقرون في فلسطين (303 ق.م – 100 م). عندما خاض حفظة التوراة اليهود في هيكلهم في القدس، معركة عنيفة لقرون عدّة مع الثقافة العقلانية الهيلينية، حيث كان من مصلحة مروجيها تفكيك شرعية القوانين المحلية التقليدية، لصالح قوانين الغزاة اليونانيين والرومان، والنخبة المشرقية الجديدة المتهلينة المتعاونة معهم. فكان صراعاً مريراً بين المتهلينين واليهود المتدينين، الذين يعتبرون المسيح بن مريم جزءاً من تفاصيله وأشهر رموزه. فالعامة اليهودية كما الحنبلية البغدادية، ما كانت لترضى بقانون يتجاوز شرعة الرب، أي الهيكل هنا.
وميزة اليهودية آنذاك في كونها أول «إكليريوس» معارض (من أهل الهامش). فهم بذلك كانوا «سلفاً تاريخياً» للشيعة الإمامية فيما يخص هذه الظاهرة وتقاليدها. فلقد كان لهم معبد، ورئيس ملّة، ومدارس دينية تشبه الحوزات، وقوانين تتعارض مع سنن القوانين البابلية الرسمية، تنتظر مسيحاً مخلصاً من آل داوود. يأتي آخر الزمان، ويخلّص الملّة من ظلم الملوك وأتباعهم. أي أن كل هذا كان تقليداً مشرقياً أصيلاً وعريقاً، ولا يتطلب تبجيلاً منا، ولا رومانسية. بل مجرد فهمه لتطويره أو تفكيكه.

جذور التعددية المشرقية ودار الإسلام

ليس هناك أكثر دلالة على «التعايش النسبي»، بين الطوائف كمثال بغداد العباسية «السُنّية»، والتي كان غير السُنّة فيها يناهزون النصف تقريباً، وإسطنبول العثمانية «السُنّية»، أيضاً، والتي كان غير مسلميها يقدّرون بـ40% عام 1913. هذا التعايش القائم على مسلمين وذميين قطعاً لم يكن مثالياً، ولا نرغب بإعادة إنتاجه مرة أخرى. ولكن هذا النظام القضائي ــ الإداري كان الأكثر تطوراً وتسامحاً بزمنه، باستثناء الصين كما يرى هادي العلوي.
في تصوري فإن التعددية المشرقية وروح التعايش الذي يفخر به الانعزاليون اليوم، ولعلهم ينسبونها لفينيقيا وزنوبيا كرموز سابقة للحضارة العربية الإسلامية، هي في الحقيقة مدينة لهذه الحضارة بالذات، والتي كانت المدارس الفقهية السنية والخلفاء السنة هم من خطّ أسسها. فبلادنا لم تكن تنعم بالحرية والتعايش قبل الفتوحات الإسلامية، بعكس ما قد يظن البعض. فالحكم البيزنطي في بلاد الشام ومصر، مثلاً، كان مشهوراً بقسوته وجبروته وبمذابحه ضد المسيحيين المخالفين للعقيدة الأرثوذكسية، وكان هؤلاء الهراطقة هم أغلب هذه البلاد.
ولكن من أين جاء المسلمون بالتسامح أو البرغماتية؟ ولمَ لم يتبعوا طريقة البيزنطيين الروم؟ يقول مؤرخ البحر المتوسط الكبير، فِرنارد برودِل، إن «النظام الروماني كان الأكثر مركزية وقسوة وتماثلاً نتاجاً طبيعياً لتشكّله حول البحيرة الكبيرة، المعروفة بالبحر المتوسط (عرفه العرب ببحر الروم). فقد سمح هذا البحر بعكس الإمبراطوريات البرية السابقة بسهولة وسرعة، وقلّة تكلفة نقل السلع والقوات والبريد لمسافات بعيدة، والتي كانت ستكلّف أضعافاً لو نقلت براً. مما سمح بتشكل قوة بيروقراطية فعالة في جمع الضرائب ونقل العساكر لقمع الفتن بسرعة وفرض القانون».
ولكن هذا لم يكن حال المسلمين الذين حكموا كالفرس إمبراطورية بريّة، وضمن ظروف مشابهة. ففضل المسلمون في النهاية نظم الإدارة «المشرقية»، التي حفظت من خلال الإمبراطورية الساسانية، والتي هي وريثة الدول الرافدينية وعلى رأسها الآشورية (911 ق.م -612 ق.م)، والتي دمرت «داعش» آخر أوابدها، شمال الرافدين، إذ تعتبر الأساس الذي سارت عليه نظم الإدارة والدولة والمجتمع في دول الفرس والمسلمين لاحقاً.
زاوجت الإدارة المشرقية عموماً بين اللامركزية والمركزية. ولكن عشية الفتوحات الإسلامية وجد المسلمون آخر النماذج المشرقية الكبرى (الدولة الساسانية)، والتي تعتمد على مؤسسات رديفة للدولة كالكنيسة النسطورية، واليعقوبية، والمعابد اليهودية، والصابئية، فضلاً عن الإمارات العربية، والتركية، والآرامية، والأرمنية على امتداد الإمبراطورية. وكل هذه الكيانات والقوى كان لها أدوارٌ قضائية، وإدارية، ومالية، وضرائبية، وسياسية، وسلطة على رعاياها. وكنتيجة لهذا التسامح هاجر آلاف المسيحيين، واليهود، ومختلف المدارس الفلسفية اليونانية، والسريانية إلى أراضي الدولة الساسانية الفارسية في العراق وإيران اليوم. فكانت عاصمة الفرس مدينة المدائن، الشهيرة بغالبيتها الآرامية المسيحية، حيث شكّل الآراميون، الذين سيعرفهم العرب بالنبط، جزءاً أساسياً من سكانها.
ونرى أن الخلافة الإسلامية هي بـ«جزء منها» استمرارية بشكل ما للنظام الإمبراطوري الساساني، وهو الأمر الذي انتبه له المؤرخ العباسي، أبو علي المسعودي (ت 956). فكانت فكرتها العملية قد ترسخت مع تأسيس ما عرف لاحقاً بـ«دار الإسلام». وهو مصطلح قد ظهر حوالى 732م، عقب توقف الفتوحات الإسلامية، وساهم الإمام أبو حنيفة النعمان (توفي 767م) في سنّ قوانينها. وتقضي الفكرة بتشكيل سلطة من قبل مسلمين يطبقون الشريعة، بأرض متصلة ببقية بلاد الإسلام لتضمن أمنها. ويُمنح ما أصطلح عليه بأهل الكتاب، وغير المسلمين عموماً، من مسيحيين ويهود وصابئة (وحتى الوثنيين من غير العرب) حرية التعبد، وتؤخذ منهم الجزية مقابل أن لا يؤخذ شبابهم للحرب، والتي كانت جزءاً من حياة الناس آنذاك، حيث يورد الفقيه الحنبلي الشامي الشهير ابن القيم الجوزية (ت 1350) التالي: «قال أبو حنيفة، تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من العجم، ولا تؤخذ من عبد الأوثان من العرب، ونص على ذلك أحمد في روايته عنه» (2).
من يقرأ كتاب ابن القيم عن هذه المسألة سيُلاحظ أنه أقرّ مغتاضاً بأن الإمام أبا حنيفة قد سنّ قاعدة فقهية، تسمح عملياً باستمرارية غير المسلمين (بما فيهم الوثنيون) بين المسلمين إلى هذا اليوم. وهو ما سمح، بشكل ما، بتعايش يتسم بالرحمة والعدل، مقارنة بوضعية الفرق المسيحية المخالفة، وغير المسيحيين، ممن بقوا تحت رحمة النير البيزنطي وبقية أوروبا آنذلك.

«اللامركزية المشرقية»

ولكن يبقى السؤال، ما الذي جعل العرب والفرس، هنا، يميلون لهذا النظام اللامركزي المتسامح؟ لربما يرجع ذلك لمسألتين. الأولى، هي ضعف العرب والفرس النسبي بسبب بدائيتهم، وقلتهم الديموغرافية أول تأسيسهم لإمبراطوريتهم.
هذا يعيدنا لأول الإمبراطوريات الفارسية أي الإخمينية، حين دخل قورش الفارسي بابل عام 539 ق. م. كانوا حسب تعبير هيردوتس شعباً جبلياً بدائياً، لباسه الصوف وشرابه اللبن. فما كان أمام الفرس إلا أن يكونوا براغماتيين ويتبعوا سياسة «لا مركزية»، ومتسامحة مع أمم تفوقهم عدداً وحضارة.
فأصدر قورش منشوره أو إعلانه الشهير أو ما يعرف بـ«إسطوانة قورش»، والذي سمح بعودة الكثير من الآلهة والنخب الإدارية المحلية من بابل، العاصمة آنذلك، إلى مواطنها. ويُظن أن النخبة الدينية اليهودية كانت منهم. ورغم أن الكثير من اليهود والشوفينيين الإيرانيين يروجون لمنشور قورش كأول إعلان عالمي لحقوق الإنسان، فهو في الحقيقة كان يتبع تقليداً إدارياً لا مركزياً رافدينياً عمره آلاف السنين. يُعمل به في وقت الأزمات برأي أغلب علماء الآشوريات. إذ شابهت سياسته سياسة الملك الآشوري أسرحدون (681 – 669 ق. م.) عند دخوله بابل. أما قورش فعد نفسه في منشوره المنقوش بالأكادية، والذي عثر عليه في بابل، خليفة لآشوربانيبال، آخر الملوك الآشوريين العظام (3).
ويعتقد البعض أن لقب ملك الملوك لم يكن لقباً تفخيمياً، بقدر ما كان لقباً توصيفياً للنظام الإداري الفارسي، القائم على تراتبية هرمية من الأمراء والنبلاء والشيوخ. يقف الملك الفارسي على رأسها كعظيمهم، وهو لقب لا زال مستخدماً على نطاقٍ أصغر، وأكثر بساطة في الكونفدراليات العشائرية. فهناك لقب شيخ مشايخ الذي ينطلق من نفس التراتبية المشرقية القديمة.
ولظروف ديموغرافية، واقتصادية، وعسكرية، وجغرافية لم يكن من الممكن أن يتبع المسلمون في القرن السابع الميلادي، ولا الفرس قبلهم، أول خروجهم لغزو العالم في القرن السادس ق. م.، سياسة «داعشية» ولا رومانية كما يظن البعض.
فنحن نتحدث في كلتا الحالتين عن أقلية ديموغرافية صغيرة، لا تجيد أي صناعة أو مهنة. تقودها نخبة «دينية ــ تجارية» في حالة العرب، وأرستقراطية عسكرية قديمة في حالة الفرس. تدرك أهمية الأرض وأهلها لحراثتها وإدارتها. فكان عليهم أن يتبعوا سياسة متسامحة نسبياً مع غيرهم من الأمم. وهكذا أخذ المسلمون جزءاً غير يسير من نظامهم الإداري من الدول الفارسية السابقة، لا من الصحراء والبداوة كما يتوهم البعض.

خاتمة

التراث السُنّي، بما فيه شقه الحنبلي، هو ببساطة ليس ابناً للصحراء والبداوة. وأنظمة الحكم الإسلامية السُنّية سواء كانت عادلة أو جائرة إنما هي نتاج شرعي كامل لتراث المنطقة الحضري، بشكل أساسي من فرس وآشوريين وغيرهم. ساهم التراث القانوني السُنّي، بشكل جوهري، في خلق الهوية السورية الحضارية الميالة للتعايش، ولربما كان هذا الإرث هو من خلق الظروف المناسبة لها ودق الأسس التشريعية لها.
(يتبع)

المراجع:
1) مايكل كوك، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي، ص204، طبعة 2013 (النسخة العربية).
2) أحكام أهل الذمة لابن القيم الجوزية ص 87.
3) Kuhrt, Amélie (1982)
* كاتب عراقي